تحذيرات أممية من خطر المجاعة في السودان
تحذيرات أممية من خطر المجاعة في السودان

مع دخول الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الثاني، تفاقمت أزمة إنسانية، وخاصة الأطفال والنساء، بينما أضحت البلاد التي تتمتع بأراض زراعية شاسعة، على حافة المجاعة، وفق وكالات الأمم المتحدة.

ويعاني ملايين السودانيين من مشكلات متعلقة بالحصول على  الغذاء، في وقت تواجه فيه جهود الحل السلمي التفاوضي التي تقودها السعودية بدعم من الولايات المتحدة، تحديات تتعلق بإصرار قادة الطرفين على الحسم العسكري بدلا من الحل السياسي.

جوع ومعاناة 

وأوردت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، شهادات ميدانية لعدد من السودانيين الذي يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء والعلاج والمأوى.

وتحدثت الصحيفة إلى سوداني يدعى حسن طه، يعمل في مهنة إصلاح السيارات في أم درمان، ويعاني في توفير الغذاء لأسرته، قبل أن يتضاعف ألمه ووجه بسبب عجزه عن توفير العلاج لأبنه، بداعي توقُّف معظم المسشتفيات في المدينة التي يفصلها نهر النيل عن العاصمة السودانية، الخرطوم.

وبعد مرور عام على الصراع على السلطة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائبه السابق محمد حمدان "حميدتي" قائد قوات الدعم السريع، أصبح السودان في خضم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، بحسب الصحيفة.

وقُتل عشرات الآلاف في القتال بين الطرفين، ونزح أكثر من 8.5 مليون سوداني من ديارهم، بما في ذلك مليوني شخص فروا إلى البلدان المجاورة.

ويعيش الكثير من السودانيين في مخيمات النزوح التي لا تتلقى سوى القليل من المساعدة الخارجية. 

الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع تقترب من دخول عامها الثاني - أرشيفية
عام من الصراع.. كيف توسعت دائرة المعارك في السودان؟
اتسعت دائرة الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ودخلت في المعارك ولايات كانت بمنأى عن القتال الذي اقترب من دخوله عامه الثاني، ما يهدد بزيادة معاناة النازحين الذين اتخذوا من تلك الولايات ملاذا من جحيم الحرب، وفق مختصين وناشطين

وقالت منظمة أطباء بلا حدود، في فبراير الماضي، إنه في مخيم واحد فقط في ولاية شمال دارفور، يموت طفل كل ساعتين بسبب آثار سوء التغذية ومياه الشرب غير الآمنة.

وتحذر وكالات الأمم المتحدة من أن أكثر من 220 ألف طفل سوداني قد يموتون جوعا في الأسابيع والأشهر المقبلة. وبحلول نهاية العام، قد يرتفع هذا العدد إلى 700 ألف، وهو عدد يمكن أن ينافس عدد المجاعة الإثيوبية في الثمانينيات، وفق الصحيفة.

وتعاون البرهان وحميدتي في عام 2019 للإطاحة بنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، لكن شراكتهما غير المستقرة انهارت وتحولت إلى حرب مفتوحة في 15 أبريل 2023، وذلك بعد أشهر من التوترات بخصوص دمج قوات الدعم السريع في الجيش.

وأسهمت الاحتجاجات التي أطاحت نظام الرئيس السابق، عمر البشير، في إعادة السودان إلى الأسرة الدولية، إذ نسج السودان، علاقات مع الولايات المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، لكن الحرب بددت تلك الجهود، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية. 

وأدى الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حدوث مجازر وفظائع وانتهاكات ضد المدنيين، وصفت بأنها جرائم حرب.

وأسفرت جولات من محادثات السلام، عقدتها حكومات عربية، عن هدن مؤقتة، دون أن يتلزم الطرفان بالوقف الكامل والصارم لإطلاق النار. 

ومع تصاعد الدمار والموت، تضاءل الوعي الدولي والاهتمام ببؤس السودان، وفق الصحيفة.

ولاتزال قوات الدعم السريع تسيطر جزء كبير من الخرطوم، بجانب 4 من أصل 5 ولايات في دارفور، بيتم جرى اتهام عناصرها، ومعظمهم من القبائل العربية، بارتكاب جرائم ضد مجتمعات القبائل غير العربية، وفق صحيفة وول ستريت جورنال. 

لكن في الأسابيع الأخيرة، حقق الجيش، بعد استحواذه على طائرات بدون طيار إيرانية، وانضمام جماعات مسلحة جديدة إلى صفوفه، مكاسب ميدانية، خاصة في مدينة أم درمان.

أزمة اقتصادية

المشكلات المتعلقة بالغذاء والعلاج لا تنحصر فقط في المناطق التي تشهد مواجهات مسلحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، إذ تتكرر المعاناة بصورة من الصور في مناطق آمنة، وبعيدة عن الصراع.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن سيندي ماكين، المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، قولها "إن هناك مشكلة ضخمة تلوح في الأفق، والسودانيون قريبون جدا من المجاعة، والأطفال يموتون جوعا في دارفور وأجزاء أخرى من البلاد."

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من ثلث السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وهناك نحو 19 مليون طفل خارج المدرسة، ويعاني ما يقدر بنحو 3 ملايين طفل سوداني من سوء التغذية.

وتواجه المنظمات الدولية مشكلات في إيصال المساعدات إلى جزء كبير من البلاد. 

وأشار تقرير صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية إلى أن "القيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية تعيق تقديم المساعدة المنقذة للحياة، إذ لم تتم تلبية احتياجات التمويل الإنساني إلى حد كبير"، وفق الصحيفة ذاتها. 

وبحسب وول ستريت جورنال فقد أدت الحرب إلى انهيار اقتصاد السودان الهش، وأثرت في عمليات إنتاج الغذاء. 

وقدر جبريل إبراهيم، وزير المالية، وهو جزء من الحكومة العسكرية المتمركزة في مدينة بورتسودان الساحلية بشرق السودان، أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد انخفض بنحو 40 في المئة عن العام السابق.

أما الحقول في قلب الأراضي الزراعية بولاية الجزيرة، والتي كانت تنتج قبل الحرب نصف إنتاج السودان من الذرة الرفيعة والقمح، فقد تحولت إلى أرض بور. 

 

وتخشى وكالات الأمم المتحدة من أن تصبح عواقب الانهيار أكثر وضوحا في الأسابيع والأشهر المقبلة، وتحديدا عندما يدخل السودان موسم العجاف السنوي الذي يستمر عادة من مايو إلى أكتوبر. 

ويقول الخبراء إنه من المحتمل أن تنزلق أجزاء من البلاد، بما في ذلك النازحون في دارفور والخرطوم، إلى المجاعة، ما بين مايو وأكتوبر.

وقال عمال الإغاثة ونشطاء حقوق الإنسان الذين أجرت صحيفة وول ستريت جورنال مقابلات معهم، إن قوات الدعم السريع، التي سيطرت على جزء كبير من الجزيرة في ديسمبر الماضي، دمرت قنوات الري لمنع الجيش من استخدامها كخنادق في هجومه المضاد الحالي.

وتركزت بعض أعنف المعارك في الحرب في العاصمة، الخرطوم، ما أدى إلى تحويل الأسواق والمباني الحكومية التي كانت تعج بالحركة إلى أنقاض، وتفاقم الاضطرابات في بقية أنحاء البلاد.

وبحسب الصحيفة نفسها، فإن البنوك تواجه صعوبة في الوصول إلى خوادمها في البنك المركزي ومقرها الرئيسي في الخرطوم، ما يجعل من الصعب على العديد من المواطنين والشركات السحب من مدخراتهم أو الحصول على النقد.

وعلى مدار الشهرين الماضيين، شهدت معظم أنحاء السودان انقطاعا شبه كامل للاتصالات السلكية واللاسلكية، ما أدى إلى شل تطبيقات تحويل الأموال التي أصبح الكثيرون يعتمدون عليها في التحويلات المالية من الخارج.

اوضاع إنسانية قاسية في مخيم زمزم شمال إقليم دارفور ـ صورة أرشيفية.
حرب السودان.. الأطفال يعيشون بين المجاعة والموت في دارفور
قسمة، المرأة ذات العيون الحزينة والصوت الهادئ، واحدة فقط من بين ملايين الأشخاص الذين يعيشون في مخيمات نزوح بعد أن أجبروا على الفرار من منازلهم في السودان، حيث اندلعت حرب أهلية قبل عام بين الجيش وجماعة شبه عسكرية مسلحة، فيما تواجه البلاد الآن، ما تقول الأمم المتحدة إنه "أسوأ أزمة جوع في العالم".

ونقلت وول ستريت جورنال عن أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي بجامعة تافتس الأميركية، الذي أجرى أبحاثا في تاريخ المجاعات، قوله "ما نراه في السودان مزيج من عدة أنواع مختلفة من الأزمات".

وبالإضافة إلى انهيار الزراعة الآلية المحلية، أدت الحرب إلى إفلاس الشركات التي كانت تستورد المواد الغذائية وغيرها من الضروريات. 

وما يزيد المشكلات تعقيدا، وفق الصحيفة، أن العديد من جيران السودان، مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا، يواجهون أزمات غذائية محلية، بالإضافة إلى التعامل مع تدفق أعداد كبيرة من لاجئي الحرب السودانية.

وتضاعفت أسعار المواد الغذائية الرئيسية، مثل الذرة الرفيعة والقمح والذرة، ثلاث مرات في العديد من المدن مقارنة بالعام الماضي، بحسب شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة، وهي مبادرة أسستها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بعد أزمات الجوع في الثمانينات.

وتركز لجان الأحياء التي كانت تنسق الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية ضد نظام البشير ثم ضد البرهان وحميدتي، على جمع الأموال من المغتربين لإطعام الجياع.

ونقلت وول ستريت جورنال عن عاصم مختار، المتطوع في أحد المطاعم المخصصة لإطعام المحتاجين في الخرطوم، قوله "إن الحياة لا تطاق، ولم يعد بإمكاننا الحصول على الإمدادات، والأسعار لا يمكن تحملها، بينما انعدم الأمن".

وأوضح تقرير واشنطن بوست أن أسعار المواد الغذائية في السودان ارتفعت بأكثر من 110 في المائة منذ بدء الحرب. بينما تواجه المنظمات مشكلات في توزيع المساعدات في مخيمات اللاجئين السودانيين في تشاد وجنوب السودان التي انفصلت حديثا عن السودان، وذلك بسبب ندرة التمويل.

ويقول برنامج الأغذية العالمي إن "جذور مشكلة الجوع ذات شقين، هما الوصول والتمويل"، إذ تعرضت شاحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي للحظر والاختطاف والهجوم والنهب والاحتجاز. 

ونقلت الصحيفة عن سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، قولها، "بينما تتجه المجتمعات نحو المجاعة، ومع انتشار الكوليرا والحصبة، ومع استمرار العنف في حصد الأرواح، ظل العالم صامتا إلى حد كبير تجاه أزمة السودان". 

وأضافت "يجب على المجتمع الدولي أن يقدم المزيد، وعليه أن يهتم أكثر".

وبحسب وول ستربت جورنال، انتقدت الأمم المتحدة والولايات المتحدة وآخرون الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لتعمدهم منع وصول المساعدات الغذائية إلى المحتاجين. 

ويقوم المقاتلون بشكل روتيني باختطاف ونهب الشاحنات والمستودعات المحملة بالأغذية ومنع المساعدات من دخول المناطق التي يسيطر عليها خصومهم. 

ويقول شهود وناشطون محليون إن المسلحين الذين يحرسون نقاط التفتيش يطلبون أموالاً من ناقلي الأغذية أو يسرقونهم.

وفي أم درمان، حيث يعيش حسن طه الذي روى معاناته إلى صحيفة وول ستريت جورنال يبلغ سعر كيس دقيق الدخن الذي يزن 12 رطلا حوالي 20 دولارا، أي أكثر من خمسة أضعاف سعره قبل الصراع. وهو الحال ذاته مع أسعار البنزين والديزل التي تضاعفت أربع مرات.

وكانت أسرة طه فرت إلى مخيم للنازحين في ولاية الجزيرة، لكنها عادت إلى أم درمان بعد أن استعاد الجيش معظم أنحاء المدينة في فبراير. وكان طه يأمل أن يتمكن من العمل في مهنته وهي إصلاح السيارات.

ولكن عندما تحدث إلى مراسل وول ستريت جورنا عبر الهاتف بعد ظهر، الجمعة، كانت الوجبة الأخيرة للعائلة عبارة عن وجبة محلية مكونة من الدخن والماء، صُنعت قبل يومين.

وقال طه للصحيفة: "نحن لا نجد أي شيء نأكله، وننام على بطون فارغة".

وأدى القتال منذ 15 أبريل 2023 إلى مقتل أكثر من 13 ألف شخص، في وقت توسعت فيه رقعة القتال بين الطرفين إلى ولايات جديدة بوسط السودان. 

في المقابل، يكتنف الغموض جولة محادثات مرتقبة في 18 أبريل، بمدينة جدة، إذ لم يصدر من الطرفين أي تأكيد على حضورهما هذه الجولة.

خدمات الحماية المدنية قامت بإجلاء عدد من السكان العالقين في الطابق الأرضي ونقلهم إلى المستشفى
خدمات الحماية المدنية قامت بإجلاء عدد من السكان العالقين في الطابق الأرضي ونقلهم إلى المستشفى

أكدت الشرطة السودانية، السبت، مقتل تسعة أشخاص في حريق نشب في مبنى سكني في بورتسودان (شرق)، تسبب به ماس كهربائي.

وأضافت الشرطة في بيان أن خدمات الحماية المدنية قامت بإجلاء عدد من السكان العالقين في الطابق الأرضي ونقلهم إلى المستشفى، وفق فرانس برس. 

حريق مبنى في بورتسودان

ويبقى أربعة منهم، حالهم مستقرة، في المستشفى، بحسب المصدر ذاته.

ويحتدم القتال في السودان، منذ 15 أبريل عام 2023، بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو الرجل الثاني السابق في السلطة العسكرية.

وأدى النزاع في السودان إلى مقتل الآلاف ونزوح أكثر من 10 ملايين شخص وتسبب بأزمة أنسانية حادة، بحسب الأمم المتحدة.

وبورتسودان، المدينة الواقعة في شرق البلاد على البحر الأحمر، هي العاصمة الفعلية للحكومة الموالية للجيش منذ بداية النزاع.