مخاوف من انقسام السودان حال سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر
الحرب في السودان شردت أكثر من 8 ملايين شخص من منازلهم - أرشيفية

في تحرك مصري جديد في الأزمة السودانية، أعلنت القاهرة عقد مؤتمر للقوى السياسية المدنية السودانية، نهاية يونيو، وأشارت إلى أن المؤتمر يهدف للوصول إلى توافق بين تلك التشكيلات على "سبل بناء السلام الشامل والدائم في السودان"، عبر حوار سوداني - سوداني.

وتأتي التحركات المصرية بعدما فشلت مبادرات عدة في إعادة الجيش وقوات الدعم السريع إلى طاولة الحوار مجددا، ودخلت الحرب عامها الثاني دون إحراز أي تقدم في المفاوضات منذ مايو 2023.

ووقع الجيش وقوات الدعم السريع في 11 مايو 2023، اتفاقا في مدينة جدة، برعاية من السعودية والولايات المتحدة، ينص على "حماية المدنيين، وحماية كافة المرافق الخاصة والعامة والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية".

ولم يتم تنفيذ الاتفاق. ويتبادل الطرفان الاتهامات بعدم الالتزام بما تم التوافق عليه في جدة. 

ورحبت قوى سياسية سودانية من تيارات متعددة بالمؤتمر، وأكدت مشاركتها في فعالياته "بما يقود إلى إنهاء الحرب في السودان".

وتشير مديرة تحرير صحيفة الأهرام المصرية، أسماء الحسيني، إلى أن المؤتمر "فرصة مهمة" لا يجب أن تضيعها الأطراف السودانية، وأن تحرص على نجاحه "لإخراج السودان من النفق المظلم".

وقالت الحسيني، المتخصصة في الشؤون الأفريقية، لموقع "الحرة" إن "المؤتمر يمكن أن يقود إلى توافق بين المكونات السودانية على الحد الأدنى، إذا قدمت التنازلات المطلوبة وتخلت عن الخلافات الحزبية".

وشددت على ضرورة أن "تترك المكونات السياسية السودانية المواقف المسبقة، وأن تدخل إلى الحوار دون شروط، وأن تضع نصب أعينها المعاناة التي يعيشها السودانيون".

الحرب في دارفور
نزوح ونذر مجاعة.. هكذا اشتدت معارك الفاشر في السودان
على الرغم من الدعوات الدولية لوقف القتال، استمرت المواجهات في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، بين قوات الدعم السريع من جهة والجيش السوداني والحركات المتحالفة معه من جهة أخرى، ما فاقم أوضاع المدنيين في المدينة التي تعد الملاذ الأخير لضحايا الحروب في الإقليم المضطرب.

بدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية، عز الدين المنصور، أن "مصر تحركت في جانب مهم، لأن اتفاق القوى السياسية السودانية على المرتكزات الرئيسية سيقود طرفي الحرب إلى طاولة المفاوضات مجددا".

وقال المنصور لموقع "الحرة"، إن "مصر تملك علاقات مميزة مع معظم القوى السياسية السودانية، كما أن أغلب قادة الأحزاب يقيمون الآن على أراضيها، وهذا يزيد من فرص نجاح المؤتمر".

وأشار المنصور إلى أن "مصر تكاد تقف الآن على مسافة متساوية من كل المكونات السياسية، بعد أن تمكنت من ترميم علاقتها الفاترة مع القوى المدنية التي حكمت السودان عقب سقوط نظام البشير".

وكان رئيس الوزراء السوداني السابق، رئيس تنسيقة القوى الديمقراطية المدنية "تقدم"، عبد الله حمدوك، أجرى في مارس الماضي، مباحثات مع عدد من المسؤوليين المصريين، تناولت سبل إنهاء الحرب في السودان.

في المقابل، يشير المحل السياسي السوداني، عبد المنعم الزاكي، إلى أن "فرص نجاح مؤتمر القاهرة تبدو ضئيلة، لأن التجربة والممارسة دللت على استحالة اتفاق القوى السياسية السودانية حتى على الثوابت".

وقال الزاكي لموقع "الحرة" إن "المؤتمر واجه عقبات كثيرة، حتى قبل انطلاقه، وأخطر تلك العقبات موقف الحكومة االتي طالبت بشروط تبدو مستحيلة، وبعضها مستفز"، على حد تعبيره.

وأضاف "طلبت الخارجية السودانية من مصر في بيان رسمي، تحديد الشركاء الإقليميين والدولييين الذين يمكن أن يشاركوا في المؤتمر، وأبدت رفضا لمشاركة الاتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد، ومن سمتهم داعمي مليشيا الدعم السريع".

وأشار المحلل السياسي السوداني إلى أن "بيان وزارة الخارجية طالب بإشراك ممثلي المقاومة الشعبية، وهي لجان تشكلت بعد الحرب لدعم الجيش، يتهمها كثيرون بأنها واجهة لنظام الرئيس السابق عمر البشير".

وتابع قائلا "لا اعتقد أن القوى السياسية السودانية يمكن أن تسمح بمشاركة ممثلين لنظام البشير في المؤتمر، سواء من خلال المشاركة المباشرة، أو من خلال واجهات شعبية أو سياسية، مما يضع عقبات أخرى في طريق المؤتمر".

ولم تحدد القاهرة الجهات المشاركة في المؤتمر، وقالت في بيان لوزارة خارجيتها، الثلاثاء، إن "المؤتمر سيجري بحضور الشركاء الإقليميين والدوليين المعنيين، ومشاركة كافة القوى السياسية المدنية السودانية".

وتعلن أحزاب سودانية عدة مواقف رافضة لمشاركة نظام البشير في أي مفاوضات لإيقاف الحرب، وفي أي عملية سياسية بعد توقف القتال.

وعقب إعلان مصر عن المؤتمر، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانا رحبت فيه بالفعالية، لكنها طالبت القاهرة بتوضيح الشركاء الإقليميين والدوليين الذين سيحضرون المؤتمر وشددت على ضرورة أن "لا يتجاوز دورهم دور المراقب".

وتمسكت الخارجية السودانية بمشاركة المقاومة الشعبية في المؤتمر، وأعلنت رفضها مشاركة الاتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد "ما لم يسبق ذلك خطوات فعلية لرفع تجميد نشاط السودان بالمنظمة القارية".

وكان الاتحاد الأفريقي علّق عضوية السودان عقب سيطرة الجيش على السلطة في 25 أكتوبر 2021، وطالب بإعادة الحكومة المدنية بقيادة حمدوك.

وفي حين يرى الزاكي أن كثيرا من مطالب الخارجية السودانية "غير منطقية"، وأنها قد تعرقل المؤتمر، أشار المنصور إلى أن "الخارجية لا تريد أن يكون المؤتمر تكرارا لمبادرات سابقة لم تحقق اختراقا في الأزمة، ولذلك وضعت تلك المطالب".

ولفت إلى أن "مصر تتحرك في الأزمة من منطلق أنها من أبرز المتضررين من تداعيات استمرار القتال، ومن تدفق السودانيين إلى أراضيها، بخاصة في ظل الوضع الاقتصادي الذي تعيشه حاليا، مما يعطي تحركاتها فاعلية أكثر".

ووفق إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد بلغ عدد السودانيين الذين وصلوا إلى مصر منذ اندلاع الحرب في السودان، أكثر من 317 ألف لاجئ.

من جانبها، تشير الصحفية المصرية المتخصصة في الشأن السوداني، صباح موسى، إلى أن "مصر تعمل على جمع مكونات سياسية سودانية داعمة للجيش، مع أخرى متهمة بأنها تساند قوات الدعم السريع، للوصول إلى مشتركات تسهم في إنهاء الحرب".

وقالت موسى لموقع "الحرة" إن "فرص نجاح المؤتمر تبدو كبيرة، لكن ينبغي تحديد أجندته بدقة، حتى لا ينزلق المشاركون لمناقشة قضايا جدلية معروف أنها تفرق بين المكونات السياسية السودانية".

وأضافت "يتوجب على القوى السياسية السودانية التخلي عن مناقشة القضايا الخلافية مثل الهوية وعلاقة الدين بالدولة وما إلى ذلك، وأن تركز على بحث كيفية إيقاف القتال، وأن تترك تلك القضايا لما بعد انتهاء الحرب".

وأشارت إلى أن "معظم المكونات السياسية تقول إنها مع وقف الحرب، ولذلك سيختبر المؤتمر صدقية تلك القوى، خاصة تنسيقية تقدم التي ترفع شعار لا للحرب".

ولفتت الصحفية المصرية إلى أن "كثيرين وصفوا ما ورد في بيان الخارجية السودانية بأنه شروط، "لكن عندما تواصلنا مع الخارجية السودانية، قالت إنها حريصة على نجاح المؤتمر، لذلك طالبت بتلك النقاط".

وتابعت "اعتقد أن نجاح المؤتمر سيمهد الطريق أمام إنعاش مفاوضات منبر جدة في السعودية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بما يقود لإنهاء الحرب".

وأدت الحرب في السودان إلى مقتل آلاف السودانيين، بينهم ما يصل إلى 15 ألف شخص في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، وفق خبراء في الأمم المتحدة.

كما دفعت الحرب البلاد، البالغ عدد سكانها 48 مليون نسمة إلى حافة المجاعة، ودمرت البنى التحتية المتهالكة أصلا، وتسببت بتشريد أكثر من 8.5 مليون شخص، حسب الأمم المتحدة.

رئيس الإمارات أكد على حرص بلاده "على دعم جميع الحلول والمبادرات الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الأزمة في السودان الشقيق"
رئيس الإمارات أكد على حرص بلاده "على دعم جميع الحلول والمبادرات الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الأزمة في السودان الشقيق"

ذكرت وكالة أنباء الإمارات الرسمية "وام"، الخميس، أن رئيس الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد في اتصال هاتفي مع قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، دعم الإمارات للمبادرات الرامية إلى إنهاء الأزمة في السودان.

وأوردت الوكالة أن الشيخ محمد بن زايد أكد "حرص دولة الإمارات على دعم جميع الحلول والمبادرات الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الأزمة في السودان الشقيق بما يسهم في تعزيز استقراره وأمنه ويحقق تطلعات شعبه إلى التنمية والرخاء".

وأضافت أن رئيس الإمارات "أعرب عن التزام دولة الإمارات بمواصلة دعمها للجهود الإنسانية لرفع معاناة الشعب السوداني".

ويتهم الجيش السوداني الإمارات بتوفير الأسلحة والدعم لقوات الدعم السريع شبه العسكرية في الصراع المستمر منذ 15 شهرا، وهو ما تنفيه الإمارات.

وقال السفير السوداني لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس الحارث محمد، أمام مجلس الأمن في يونيو إن "العدوان العسكري الذي تشنه ميليشيات الدعم السريع، بدعم من أسلحة الإمارات، يستهدف القرى والمدن بشكل متعمد ومنهجي".

وفي أبريل من العام الماضي، اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية بسبب خطط الانتقال إلى حكم مدني.

وتقول الأمم المتحدة إن الحرب جعلت ما يقرب من 25 مليونا، أي نصف سكان السودان، بحاجة إلى المساعدة محذرة من أن مجاعة تلوح في الأفق. وتقدر أن الحرب دفعت 10 ملايين إلى النزوح.