نحو ثلاثة ملايين مهاجرا فروا من الحرب في سوريا إلى تركيا
نحو ثلاثة ملايين مهاجرا فروا من الحرب في سوريا إلى تركيا

"تحطمت أحلامي على أبواب الجنسية التركية"، بهذه العبارة لخص نور نضر ما حدث معه عندما اكتشف أن ملف التجنيس الخاص به مع عائلته، "زوجته وطفليه،" تم إلغاؤه بعد انتظار طال أكثر من عامين.

يقول نور لموقع "الحرة" إن أهله مقيمون في السويد، وإنه رفض اللحاق بهم بعد أن تلقى اتصالا من وزارة الداخلية التركية تفيد بترشيح اسمه للحصول على الجنسية التركية.

علق نور، مثل آلاف السوريين، في المرحلة الرابعة من إجراءات الحصول على الجنسية، وهي الأصعب والأطول وتتعلق بتدقيق الملف الأمني، ويمكن خلالها أن يتم الرفض أو إلغاء الملف من دون توضيح الأسباب.

كثير من السوريين عرفوا بأمر إلغاء الملفات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن ضجت صفحات ومواقع سورية بأخبار الملفات الملغاة.

وبحسب رئيس منبر الجمعيات السورية في تركيا، مهدي داوود، فقد تجاوز عدد الملفات الملغاة 15 ألفا، منذ أن أعلنت السلطات التركية عن قرار فتح باب التجنيس للسوريين قبل نحو 4 أعوام.

يقول داوود لموقع "الحرة" إن "هذه هي المرة الثالثة التي يتم فيها حذف أو إلغاء ملفات تجنيس للسوريين، إذ بلغت خلال هذه الوجبة لوحدها ما بين 4 آلاف إلى 5 آلاف ملف.

ويتابع داوود أن "مديرية الهجرة التركية تحدثت عن عدة أسباب دعتها لإلغاء ملف التجنيس، ومنها تجاوز معظم الملفات فترة 24 شهرا، ما يعني إسقاطها بالتقادم".

ويضيف أن بعض الملفات ألغيت لوجود خطأ بالأوراق المقدمة أو عدم تحديث للمعلومات.

كذلك أشار إلى "وجود أكثر من 500 ألف ملف بانتظار الدراسة لمنح الجنسية، وهذا العدد الضخم جدا يستهلك وقتا طويلا، ويؤدي بالنهاية إلى تجاوز فترة 24 شهرا وبالتالي السقوط بالتقادم".

ويقول السوري عمر غريبو، من مدينة عنتاب، لموقع "الحرة" إنه صدم لقرار إلغاء ملفه، خاصة وأنه كان ينتظر بفارغ الصبر الحصول على جواز سفر يسمح له بمغادر تركيا والعودة إليها بحرية.

موقع "الحرة" تواصل مع عدد من السوريين الذين كتبوا على حساباتهم الشخصية أن ملفاتهم تم إلغاؤها، ومنهم الطبيب أيمن خسرف.

يقول خسرف "قصتي مع الجنسية التركية استمرت لمدة أربع سنوات، من أصل 5 سنوات ونصف هي فترة إقامتي في تركيا"، لكنه في النهاية لم يحصل عليها بعد أن ألغي ملفه مرتين خلال تلك الفترة.

يبلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا نحو 3.6 مليون لاجئ، بينما يبلغ عدد الحاصلين منهم على الجنسية الاستثنائية نحو 93 ألفا، بحسب آخر تصريح لوزير الداخلية التركي، سليمان صويلو.

ويقول المحامي مجد الطباع إن "الحكومة التركية تمتلك حق إلغاء ملفات التجنيس حسبما تراه مناسبا، خصوصا وأن المرحلة التي تم الرفض فيها تأخذ اسم التدقيق الأمني".

واستبعد الطباع في حديث لموقع "الحرة" أن تقوم السلطات بإعادة دراسة الملفات الملغاة، مضيفا أن هناك آلاف الملفات التي تنتظر الدراسة، وما يلغى لن تتم دراسته مجددا".

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعلن في يوليو 2016 فتح باب التقديم للجنسية لبعض من نحو ثلاثة ملايين مهاجر فروا من الحرب في سوريا، لاسيما من تتوفر لديهم مؤهلات قد تفيد تركيا.

ويعيش نحو 260 ألف سوري في مخيمات تديرها الدولة في تركيا، بينما يعيش الباقي في أماكن إقامة في مدن بجميع أنحاء البلاد التي يسكنها 79 مليون نسمة.

جرمانا سوريا

"ليس لك عندنا إلا السيف البتار،" يخاطب مسلح سوري ملثم، وفي يده سيف طويل، صاحب تسجيل صوتي منسوب لرجل درزي.

المسلح الذي بدا "داعشيا" بامتياز في مظهره وخطابه، وصف صاحب التسجيل الذي يتعرض فيه للنبي محمد، بأنه "عدو الله".

لم يعرف إلى أي مجموعة مسلحة ينتمي الملثم  الذي ظهر محاطا بمجموعة مسلحين ملثمين. لكن وكالة رويترز نقلت عن مصادر سورية أن مجموعات مسلحة سنية غاضبة هاجمت بلدة جرمانا ذات الغالبية الدرزية قرب العاصمة السورية دمشق، والنتيجة مقتل أكثر من 12 شخصاً.

وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان إنها تعمل على "تحديد هوية مصدر الصوت" في التسجيل ودعت إلى الهدوء، وحثت المواطنين على "الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات".

الحادثة المشحونة طائفياً أعادت إلى الأذهان المجازر التي ارتكبتها قوات سورية وجماعات موالية للرئيس السوري، أحمد الشرع، ضد مدنيين علويين في الساحل السوري في شهر مارس الماضي. وقتل فيها أكثر من 1600 شخص، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبحسب رويترز، "مثلت تلك الاشتباكات أحدث حلقة من العنف الطائفي الذي يتسبب في سقوط قتلى بسوريا، حيث تزايدت المخاوف بين الأقليات منذ أن أطاح مقاتلو المعارضة المسلحة بقيادة إسلاميين بالرئيس السابق بشار الأسد".

ويهدد ملف الأقليات وحدة سوريا، ويطرح مخاوف من التقسيم على أساس طائفي، اذ لا تبدو الأقليات الدينية مرتاحة للنظام الجديد في الشام. 

وعادت الأصوات الداعية للتقسيم لتعلو في الشمال السوري في مناطق الأكراد، على الرغم من توصل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إلى اتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع، يقضي بانضمام الميليشيا الكردية المسلحة إلى القوات النظامية السورية وتسليم المعابر والمراكز الرسمية في مناطقها لحكومة الشرع.

لكن يبدو أن هذا الاتفاق انهار بعد اجتماع عقدته الأحزاب الكردية في مدينة القامشلي نهار السبت الماضي. واعتبر مراقبون سوريون أن دفع وزارة الدفاع السورية قوات قسد إلى "سد تشرين" ربما تكون خطوة تصعيدية بعد بيان الرئاسة السورية عن إخلال قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق الذي وقع في شهر مارس الماضي، وأن إرسال قوات إلى السد مؤشر على بدء معركة تم تأجليها للسيطرة على السد، وهو ما يشير إلى أن الاتفاق الموقع تم إيقافه بعد بيان اجتماع الأحزاب الكردية السبت، والذي تبنت خلاله هذه الأحزاب وثيقة تدعو إلى نظام لا مركزي وحكم برلماني وضمان حقوق جميع مكونات الشعب. 

هذا الأمر اعتبرته الرئاسة السورية اخلالاً بالاتفاق الموقع مع "قسد"، وأصدرت بياناً أعربت فيه عن رفضها القاطع لأي محاولات "لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة بمسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون توافق وطني شامل".

وأضاف بيان الرئاسة السورية، إن تحركات وتصريحات قيادة قسد تتعارض تعارضا صريحا مع مضمون الاتفاق و"تهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها".

من جهتها، كانت الطائفة الدرزية التي تتواجد بغالبيتها في الجنوب السوري على الحدود مع هضبة الجولان، قد دخلت في نقاش الانضمام/ الانفصال عن نظام الشرع المركزي في دمشق. وقد عبّرت أطراف درزية عن رفضها الاندماج، فيما حافظت أطراف أخرى على الحوار مع الشرع، وبرزت أصوات تنادي بالانضمام إلى إسرائيل بعد ان عرضت الأخيرة تأمين الحماية للأقلية الدرزية. 

وكان العضو في الكونغرس الأميركي مارلين ستوتزمان، الذي التقى مؤخّراً الرئيس السوري في دمشق، قد نقل عن الشرع أنه سيكون "منفتحاً تماماً" على التطبيع مع "إسرائيل"، وأن ما يهمه هو أن يحكم سوريا موحدة، في إشارة إلى مشاريع التقسيم أو "الفدرلة" التي تنادي بها بعض الأقليات الخائفة من الاندماج وتسليم أسلحتها للنظام الجديد.

وقد تعزز هذا الخوف أكثر بعد أحداث الساحل الدموية. ويبدو أن أحداث جرمانا تدفع بالأقليات إلى مزيد من القلق والانطواء والمطالبة بالانفصال والأمن الذاتي وعدم الاطمئنان إلى حماية الدولة لها.

ما بدا مثيراً للقلق في حادثة جرمانا هو سقوط اثنين من عناصر جهاز الأمن العام السوري في الاشتباكات، فيما أكدت وزارة الداخلية السورية في بيان وقوع "اشتباكات متقطعة بين مجموعات لمسلحين، بعضهم من خارج المنطقة وبعضهم الآخر من داخلها. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن وقوع قتلى وجرحى، من بينهم عناصر من قوى الأمن المنتشرة في المنطقة". 

وتخوف ناشطون سوريون من أن تكون قوات الأمن متورطة بالحادثة، وأن تكون المجموعة المسلحة التي ظهرت في مقاطع الفيديو "تضرب بسيف أحمد الشرع".

وقالت مصادر أمنية لوكالة رويترز إن الاشتباكات بدأت ليلا عندما تجمع مسلحون من بلدة المليحة القريبة ومناطق أخرى ذات أغلبية سنية في بلدة جرمانا ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب شرقي دمشق.

ونفت وزارة الداخلية أن يكون مسلحون قد هاجموا البلدة، وقالت على لسان المتحدث باسمها إن مجموعات من المدنيين الغاضبين من التسجيل الصوتي نظمت احتجاجا تعرض لإطلاق نار من قبل مجموعات درزية.

وسط كل هذا الصخب الطائفي، أطل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس المخلوع بشار الأسد، في منشور على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، معلناً عن تشكيل فصيل مسلح في منطقة الساحل السوري، لكنه قال، إن القوات التي حشدها "ليست غايتها الانتقام من أحد، وإنما حماية أهلنا في الإقليم الساحلي"، على حد تعبيره.

وقال مخلوف إنه عمل مع "القائد النمر" (الضابط البعثي سهيل الحسن المتهم بارتكاب مجازر) على حشد مقاتلين من النخبة، لحماية المناطق العلوية.

هكذا تجد حكومة الشرع نفسها محاصرة مجدداً بثلاث أقليات متمردة، الأكراد في الشمال الشرقي، العلويون في الساحل، والدروز في الجنوب، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل سوريا، وعما إذا كانت الأمور ذاهبة إلى مواجهات وتقسيم، أو أن للشرع خطة أخرى لإعادة الأقليات إلى "حضن الوطن".