مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور التي بدأ يزيد فيها نشاط تنظيم داعش
مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور التي بدأ يزيد فيها نشاط تنظيم داعش

"عندما يتعلق الأمر بالنفوذ وغنائم الحرب قد يصبح المتحالفان في الحفاظ على النظام السوري (إيران وروسيا) غريمين، الأمر الذي ينذر بمواجهة مسلحة بينهما"، هذا ما توصل إليه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في تقرير أشار إلى أن التنافس الإيراني الروسي على محافظة دير الزور بشرق سوريا قد يتحول إلى مواجهة مسلحة إذا سحبت الولايات المتحدة مزيدا من القوات من شرق سوريا.

وعلى الرغم من ذلك، فمن غير المرجح أن يؤثر هذا التنافس على مصلحتهما المشتركة في الحفاظ على النظام السوري، بحسب المعهد.

وذكر المعهد أن التحالف الدولي لمكافحة داعش يحتاج إلى استغلال الانقسام المشتعل بين "الخصمين" الروسي والإيراني من أجل توسيع نفوذهما في شرق سوريا، لتمكين شركائه على الأرض، وإقامة علاقات أقوى مع قادة قبليين.

وبحسب المعهد، فقد اتخذت القوات الإيرانية والروسية في شرق سوريا مؤخرا خطوات توضح تنافسهما أكثر من رغبتهما في مواجهة القوات التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة.

ويتمثل هذا التنافس في تشكيل منطقتي نفوذ على الجانب الغربي من نهر الفرات.

فعناصر من جيش النظام السوري، وتحديدا الفرقة الرابعة والفيلق الخامس الذي تسيطر عليه روسيا، تهيمن على الجزء الشمالي من محافظة دير الزور.

أما المناطق الجنوبية، في الميادين والبوكمال، فتهيمن عليها القوات الإيرانية وميليشياتها الشيعية بشكل متزايد.

ويرى المعهد أنه إذا سحبت الولايات المتحدة مزيدا من القوات من شرق سوريا، قد يتحول هذا التنافس الإيراني الروسي إلى مواجهات مسلحة وسباق على "غنائم الحرب" عبر النهر، على الرغم من أنه من غير المرجح أن يؤثر ذلك على مصلحتهما المشتركة في الحفاظ على النظام السوري.

 

السباق على دير الزور

في أغسطس 2017، شقت جماعات مختلفة طريقها في وقت واحد نحو محافظة دير الزور من أجل القضاء على تنظيم داعش وزيادة مناطق سيطرتها. 

وبينما خاض التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة معركته في شرق الفرات، تقدمت روسيا وإيران ونظام الأسد من الغرب.

ومع تقدم هذه الحملة، بدأ النظام بإعادة بسط سلطته على الشؤون الإدارية في دير الزور من خلال إدارة المخابرات الجوية والشرطة العسكرية وأجهزة الدفاع المحلي والوطني وميليشيا لواء القدس.

ورغم ذلك كانت جهود النظام لفرض السيطرة على الأرض محدودة، وبدلا من ذلك، سُمح لقوات الدفاع الوطني غير النظامية بالانتشار في المنطقة، وارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان ونهب ممتلكات المدنيين والاستيلاء عليها.

عندما خسر تنظيم داعش آخر جزء من أراضيه في مارس 2019، ظل موقع النظام في المنطقة ضعيفا، لا سيما مع استمرار تركيز قوات النظام على جبهة إدلب في غرب سوريا. 

ونتيجة لذلك، برز فضاء للمنافسة الإيرانية الروسية على الموارد والأراضي في الشرق.

وفي وقت سابق من هذا الصيف، بدا أن طهران لها اليد العليا في هذه المنافسة بسبب مناورات مختلفة من قبل النظام والقوات الروسية. 

ففي يوليو الماضي، سحبت دمشق الفرقة الرابعة من مقرها في الميادين ونقلت الفيلق الخامس من محافظة دير الزور بالكامل إلى منطقة الرقة.

ويبدو أن قوات النظام السوري تنوي مغادرة معظم أنحاء دير الزور في الأشهر المقبلة والتركيز في البلدات الرئيسية.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

من المتوقع أن يكون إسقاط العقوبات الأميركية عن سوريا بداية عهد جديد للاقتصاد الذي دمرته الحرب على مدى 13 عاما، وأن يفسح الطريق أمام تدفقات الاستثمارات من السوريين في الخارج ومن تركيا ودول في الخليج تدعم الحكومة الجديدة.

وقال رجال أعمال ووزير المالية السوري ومحللون لرويترز إنهم يتوقعون تدفق رؤوس الأموال إلى الاقتصاد المتعطش لها بمجرد إسقاط العقوبات وفق إعلان الرئيس دونالد ترامب المفاجئ، على الرغم من تحديات كثيرة ما زالت تواجه الدولة المنقسمة بشدة.

وقال رجل الأعمال السوري الملياردير غسان عبود لرويترز إنه يضع خططا للاستثمار، ويتوقع أن هناك سوريين آخرين لهم علاقات تجارية دولية يفكرون في ذلك أيضا.

وأضاف الرجل الذي يعيش في الإمارات "كانوا خائفين من القدوم والعمل في سوريا بسبب مخاطر العقوبات... هذا سيختفي تماما الآن".

ومضى يقول "أُخطط بالطبع لدخول السوق لسببين: (أولا) أريد مساعدة البلاد على التعافي بأي طريقة ممكنة، وثانيا، هناك أرض خصبة: فأي بذرة توضع اليوم قد تدر هامش ربح جيدا". وعرض عبود خطة بمليارات الدولارات لدعم الفن والثقافة والتعليم في سوريا.

وقد يعيد رفع العقوبات تشكيل الاقتصاد جذريا في مسار جديد لحكام سوريا الجدد الذين اتبعوا سياسات السوق الحرة وابتعدوا عن نموذج تخطيط الدولة الذي اتبعته عائلة الأسد في خمسة عقود من حكمها.

وفرضت الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى عقوبات صارمة على سوريا في أثناء الحرب التي اندلعت بسبب الاحتجاجات ضد حكم بشار الأسد في 2011.

وأبقت واشنطن على هذه العقوبات بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق في ديسمبر، بينما كانت تصوغ سياستها تجاه سوريا وتراقب تصرفات الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وهو قيادي سابق في تنظيم القاعدة.

وحثت السعودية وتركيا اللتان تدعمان حكومة الشرع واشنطن على إسقاط العقوبات. وقال وزير الخارجية السعودي الأربعاء إن فرص الاستثمار ستكثر بمجرد حدوث ذلك.

وفي خطاب أُذيع على التلفزيون في وقت متأخر من مساء الأربعاء، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رفع العقوبات عن سوريا قرار تاريخي شجاع، مؤكدا التزام سوريا بتعزيز المناخ الاستثماري.

وأضاف "نرحب بجميع المستثمرين من أبناء الوطن في الداخل والخارج ومن الأشقاء العرب والأتراك والأصدقاء حول العالم وندعوهم للاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف القطاعات".

وترك الصراع مناطق حضرية كثيرة أنقاضا وقتل مئات الآلاف من الأشخاص. وتقول وكالات الأمم المتحدة إن أكثر من 90 بالمئة من السوريين البالغ عددهم 23 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

ويقول تيموثي آش، المحلل الاستراتيجي البارز للأصول السيادية في الأسواق الناشئة في شركة "آر.بي.سي بلوباي" لإدارة الأصول "هناك فرصة حقيقية لإحداث تغيير جذري في سوريا والمنطقة الأوسع".

وقال أونور جنش، الرئيس التنفيذي لمجموعة "بي.بي.في.إيه" المالية العالمية التي تضم مصرف غرانتي، ثاني أكبر بنك خاص في تركيا، إن الشركات والبنوك التركية من المتوقع أن تستفيد من إسقاط العقوبات.

وأضاف لرويترز "بالنسبة لتركيا، سيكون الأمر إيجابيا لأن هناك حاجة إلى عمليات إعادة إعمار كثيرة في سوريا. من يفعل هذا؟ الشركات التركية".

ومضى يقول "سيسمح إسقاط العقوبات للشركات التركية بالذهاب إلى هناك الآن بشكل أفضل بكثير، وستتمكن البنوك التركية من تمويلها، وهذا سيدعم الأمر".

ودعمت تركيا قوات المعارضة السورية في أثناء الحرب التي دمرت اقتصادا متنوعا ومنتجا.

وأظهرت بيانات سورية رسمية أوردها البنك الدولي في عام 2024 أن الاقتصاد السوري انخفض إلى أكثر من النصف بين عامي 2010 و2021. لكن البنك قال إن هذا على الأرجح أقل من الواقع.

فرص في كل المجالات

ارتفعت قيمة الليرة السورية منذ إعلان ترامب.

وقال متداولون إن العملة تراوحت بين 9000 و9500 مقابل الدولار يوم الأربعاء، مقارنة مع 12600 في وقت سابق من هذا الأسبوع. وقبل الحرب في عام 2011، كان الدولار يعادل 47 ليرة سورية.

وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية لرويترز إن مستثمرين من الإمارات والكويت والسعودية ودول أخرى، قدموا ستفسارات عن الاستثمار.

وأضاف برنية لرويترز "سوريا اليوم هي أرض الفرص، وهناك إمكانات كامنة هائلة في جميع القطاعات، من الزراعة إلى النفط والسياحة والبنية التحتية والنقل".

وقال "ندعو جميع المستثمرين إلى اغتنام هذه الفرصة".

ووصف كرم بشارة، المدير العام لبنك (شهبا بنك) وهو يشاهد في مكتبه بدمشق لقطات من اجتماع ترامب مع الشرع في الرياض يوم الأربعاء، الحماس الذي يسود مجتمع الأعمال قائلا "إنه رائع بشكل يفوق التصور".

وقال "نحن على المسار الصحيح الآن على الصعيد الدولي ما لم يحدث شيء في سوريا يعرقل العملية".

وما زالت الأوضاع في سوريا هشة. فبعض الجماعات المسلحة لم تسلم أسلحتها للحكومة بعد، ومطالب الحكم الذاتي من الأكراد نقطة خلاف، والعنف الطائفي جعل الأقليات تخشى من حكم الشرع رغم وعوده بتوفير الحماية والحكم بطريقة تشمل جميع الأطياف. 

وتعارض إسرائيل الشرع وتقول إنه ما زال من المتشددين. وقصفت إسرائيل سوريا مرات كثيرة.

وقال جهاد يازجي، وهو صحفي ومؤسس ورئيس تحرير "التقرير السوري" الإخباري الاقتصادي على الإنترنت، إن قرار الولايات المتحدة يمثل تحولا جذريا لأنه نقل "رسالة سياسية قوية جدا" وفتح الطريق أمام عودة التكامل مع الخليج والمنظمات المالية الدولية والعدد الكبير من السوريين في الغرب.

وقال المستثمر اللبناني عماد الخطيب إنه يعجل بخططه للاستثمار في سوريا بعد إعلان ترامب.

وتعاون الخطيب مع شركاء لبنانيين وسوريين في إجراء دراسة جدوى لإقامة مصنع لفرز النفايات في دمشق بقيمة 200 مليون دولار قبل شهرين. وأرسل في صباح الأربعاء فريقا من المتخصصين إلى سوريا لبدء التحضيرات".

وقال "هذه هي الخطوة الأولى... وستتبعها خطوات أكبر إن شاء الله. وسنعمل بالتأكيد على جذب مستثمرين جدد لأن سوريا أكبر بكثير من لبنان".