Syria's President Bashar al-Assad meets with residents during his visit to villages affected by recent wildfires in Latakia province
تلقي السلطات السورية باللوم على العقوبات الغربية في الصعوبات التي يكابدها السوريون

يواجهون ظروفا صعبة خارج بلدهم، لكن الوضع بداخلها ليس مفروشا بالورود حتى يستجيبون لدعوة رئيس النظام بشار الأسد الذي دعاهم إلى العودة، وهذا باختصار  حال بعض اللاجئين السوريين.

وتتزامن دعوة الأسد مواطنيه للعودة مع عقد "مؤتمر اللاجئين السوريين" الذي تشهده العاصمة دمشق، الأربعاء والخميس، بمبادرة روسية، "لدعم جميع السوريين الراغبين في العودة إلى بلدهم"، حسبما جاء في الدعوة الروسية للمؤتمر.

وخلال مكالمة عبر الفيديو مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، قال بشار الأسد، في وقت سابق من هذا الأسبوع، إن عودة اللاجئين الذين غادروا البلاد بسبب النزاع في بلاده، تشكل "أولوية" في المرحلة المقبلة.

لكن المحلل السوري منهل باريش يقول: "بدون شروط آمنة لا يمكن عودة اللاجئين"، مشيرا إلى احتمالية تنفيذ النظام حملة اعتقالات تستهدف العائدين.

إلا أن الشاب السوري محمد، الراغب في العودة لبلده، لا يتخوف من الاعتقالات على قدر تخوفه من "قيمة بدل الخدمة الإلزامية، والظروف الاقتصادية".

يتطرق المؤتمر لعوائق عودة اللاجئين إلى سوريا.

وأضاف محمد (26 عاما): "غالبية الشباب خرجوا من سوريا هربا من الخدمة الإلزامية التي تحتم على كل من تجاوز الـ18 من عمره الانخراط بالحرب السورية، بالإضافة إلى الواقع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد، خاصة بعد فرض مزيد من العقوبات عليها".

والاثنين الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على سوريا تستهدف إنتاج النفط. وهذه الرزمة من العقوبات هي الخامسة منذ بدء تنفيذ "قانون قيصر" منتصف يونيو السابق.

وتلقي السلطات السورية باللوم على العقوبات الغربية في الصعوبات التي يكابدها السوريون، حيث أفضى انهيار العملة إلى ارتفاع الأسعار ومصاعب في توفير الغذاء والمواد الأساسية.

وأواخر الشهر الماضي، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صورة وصفت بأنها "صادمة"، تظهر أقفاصا من الشباك الحديدية مزدحمة بالأشخاص، وُضعت أمام أحد الأفران الحكومية في العاصمة دمشق لتنظيم طوابير الخبز.

وأضاف محمد، وهو اسم مستعار "صعوبة الحياة اليومية القاسية في ظل أزمات متلاحقة في الكهرباء والماء والبنزين والمازوت يجعل أغلب من يعيشون في سوريا يتمنون الخروج منها".

"سوريا ليست للفقراء"

وكان محمد، الحاصل على بكالوريوس في الاقتصاد، لاجئا في لبنان لكنه جاء إلى الإمارات منذ شهرين، ليعمل حارس عقار في إمارة دبي.

وقال محمد لموقع "الحرة": "كشاب سوري يجب أن أعمل في الخارج لعدة سنوات لأتمكن من دفع بدل نقدي عن الخدمة الإلزامية والذي يقدر تقريبا بثمانية آلاف دولار".

وتابع "هذا مبلغ كبير جدا مقابل العودة إلى الحياة الطبيعية المدنية، وإيجاد فرصة عمل بمرتب لا يتجاوز مئة دولار شهريا في أحسن الظروف، وذلك في ظل تدهور سعر صرف الليرة السورية".

ومضى يقول: "أنا وأخوتي وضعنا صعب خارج البلاد، لكننا لن نستطيع العودة إلا بعد دفع ما يقارب من 24 ألف دولار أميركي".

وقبل أسبوع، عمد لاجئ سوري في لبنان إلى حرق نفسه أمام مقر مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في بيروت. وعلم موقع "الحرة" أنه يعمل حارس عقار، وهو الآن في حالة حرجة في أحد المستفيات بعدما حاول الانتحار لعدم تمكنه من علاج ابنته المريضة بالسرطان.

يبلغ أعضاء المجموعة المغلقة أكثر من 300 ألف شخص

وفي مجموعة على فيسبوك تسمى "كراجات المشنططين"، لا يبالي أكثر من 300 ألف شخص، هم عدد أعضاء المجموعة المغلقة، بدعوة الأسد للعودة.

ولا تزال منشوراتهم تتركز على الطرق المتاحة للهجرة إلى أوروبا أو كندا، ويتبادلون الخبرات في هذا الشأن، ليستمر الحال كما هو منذ إنشاء المجموعة في وقت مبكر من الحرب السورية.

أما كريم الذي يعمل في أحد المطاعم اللبنانية في بيروت، فقد تحدث عن الأسباب التي تمنعه من العودة، قائلا لموقع الحرة: "الوضع الاقتصادي الذي تعاني منه سوريا ونقص مقومات الحياة الأساسية، وانعدام فرص العمل، رغم انتهاء الحرب عسكريا". 

كما تحدث كريم (23 عاما) عن "قانون التجنيد المجحف بحق للشباب، وعدم وضع سقف لفترة الخدمة الإلزامية، والانقسام الواضح بالطبقات الاجتماعية".

وأضاف كريم، وهو اسم مستعار: "سوريا لم تعد تتسع للفقراء. ليست آمنة ولا تصلح للمعيشة والعودة". 

وقبل أيام أصدر الأسد مرسوما بتحديد مبالغ البدل النقدي للمكلفين بالخدمة الإلزامية الذين تقرر وضعهم بخدمة ثابته، داخل البلاد وخارجها

وحسب المرسوم فإنه يحق للمكلف بالخدمة الإلزامية الذي تقرر وضعه بخدمة ثابتة دفع بدل نقدي مقداره 3 آلاف دولار، أما المقيمون خارج سوريا فهناك عدة تصنيفات حسب سنوات الإقامة وتبدأ بدفع 7 آلاف دولار أميركي.
 

الهروب من الأسد

وقال المحلل السياسي السوري غسان إبراهيم لموقع "الحرة" إنه "لا يوجد أي احتمال لعودة اللاجئين طالما الأسد باق في الحكم. السوريون خرجوا هربا منه، فلماذا نتوقع أنهم سيعودون إلى سبب الأزمة التي دفعتهم للهرب".

وأضاف "وضع سوريا اليوم أسوأ من السابق فيما يتعلق بتوفر مقومات المعيشة مثل الوقود والخبز والأمان. الاقتصاد السوري في أسوأ حالاته.. فلماذا سيعود السوريون؟!".

ومن المقرر أن يحضر مؤتمر دمشق المتعلق بعودة اللاجئين ممثلين رسميين عن لبنان المجاور والإمارات وعُمان إلى جانب روسيا والصين وإيران، بحسب تصريح لمسؤول سوري. فيما سيحضر المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا عمران رضا المؤتمر بصفة "مراقب".

ذكر بوتين أنه لا يزال هناك أكثر من 6.5 مليون لاجئ خارج سوريا

ويقول إبراهيم إن "دول الجوار السوري (لبنان والأردن وتركيا) التي تحصل على دعم مالي دولي مقابل استضافة اللاجئين، لن تضغط على اللاجئين للرحيل لأنها تستفيد منهم ماليا أكثر مما تنفق عليهم".

وفي مكالمته مع الأسد، قال بوتين: "هناك أكثر من 6.5 مليون لاجئ خارج سوريا، معظمهم قادرون على العمل ويمكنهم المشاركة في إعادة بناء بلادهم".

وتعليقا على إعادة الإعمار في سوريا، قال المحلل السوري غسان إبراهيم: "هذا أمر مستحيل مع النظام الحالي، فحلفاء الأسد، كإيران وروسيا، يعانون اقتصاديا ولا يستطيعون دعم النظام لإعادة الإعمار".

وأضاف "الحل الوحيد لإعادة الإعمار هو قرار أممي لجذب الدعم العربي والغربي، وذلك بعد حل سياسي يؤدي لتفكيك النظام الحالي".

استغلال الإرهاب

ويعد تشكيل اللجنة الدستورية مهما للإصلاحات السياسية، وإجراء انتخابات جديدة، تهدف لتوحيد سوريا، وإنهاء الحرب الأهلية المستعرة منذ عشرة أعوام والتي أودت بحياة مئات الآلاف، وشردت نحو نصف سكان سوريا الذي كان عددهم قبل الحرب 22 مليون نسمة.

وتريد الأمم المتحدة تشكيل هذه اللجنة، في خطوة جديدة ضمن جهود إيجاد حل سياسي لإنهاء الحرب في سوريا، لكن لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق بشأنها.

وفي هذا الإطار يربط المحلل منهل باريش البيئة الآمنة لعودة اللاجئين بالانتقال السياسي وتطبيق القرار الدولي 2254 والمتعلق بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا.

ولا يعتقد باريش أن إعادة إعمار سوريا ممكنة بدون انتقال سياسي، مشيرا إلى "إعاقة النظام السوري لاجتماعات اللجنة الدستورية".

وفي مكالمته إلى بوتين، قال الأسد إن قضية اللاجئين هي "الأولوية رقم واحد خلال المرحلة المقبلة، خصوصا بعد تحرير جزء كبير من الأراضي، وانحسار رقعة المعارك برغم استمرار الإرهاب"، لكن بوتين خالفه الرأي فيما يتعلق باستمرار الإرهاب، معلنا "دحر بؤرة الإرهاب الدولي في سوريا".

وربط باريش بين حديث بوتين والأسد عن الإرهاب والترويج لمؤتمر إعادة اللاجئين، قائلا: "لم يتم القضاء على الإرهاب في سوريا"، مشيرا إلى هجمات لداعش في مناطق سورية، فضلا عن الفصائل المعارضة التي تراها روسيا "إرهابية".

بينما يرى غسان إبرهيم أن الأسد يستغل الإرهاب في سوريا لعرقلة الانتقال السياسي، قائلا: "الأسد يعرف أنه بعد القضاء على الإرهاب لن تبقى مشكلة أخرى سوى نظامه وشخصه، لذلك يصر على وجود الإرهاب. فهو يحتمي بذريعة الإرهاب".

الرئيس السوري أحمد الشرع ـ أرشيفية/رويترز.
الرئيس السوري أحمد الشرع ـ أرشيفية/رويترز.

عندما نشرت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، بيانا على منصة "أكس" حدّدت فيه خمس نقاط أساسية حث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الرئيس السوري أحمد الشرع على تنفيذها، لم يكن ذلك مجرد بادرة دبلوماسية، بل خارطة طريق لعودة سوريا إلى النظام الدولي.

بعد سنوات من الحرب والعزلة والتدخلات الخارجية في سوريا، يقف الرئيس الشرع أمام مفترق طرق تاريخي. رفع العقوبات الأميركية، بدعم من السعودية وتركيا، يفتح الباب لتحول سياسي جذري. لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لإعادة بناء سوريا. ما سيفعله الشرع الآن هو ما سيحدد مستقبل البلاد.

بحسب بيان ليفيت، حث ترامب نظيره السوري على حسم خمسة ملفات أساسية:

الملف الأول: الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام والاعتراف بإسرائيل. وهو ما سيكون خطوة تقلب الموازين في الشرق الأوسط، إذ تصبح سوريا أول دولة من "دول المواجهة" التقليدية التي تطبّع علاقاتها مع إسرائيل، وتوقع اتفاقية سلام. وهذا ليس ملفا بسيطا في سوريا، مع أنه يلاقي قبولا شعبيا بعد سقوط نظام بشار الأسد.

الملف الثاني: طرد الإرهابيين الأجانب، وهم على الغالب المقاتلين الأجانب، الذين قاتلوا إلى جانب الشرع، والمتهمين بارتكاب مجازر وجرائم حرب في سوريا. وهؤلاء المقاتلون، الذين انخرطوا في صفوف المعارضة منذ عام 2011، يحملون تجارب قتالية متنوعة وارتباطات أيديولوجية متعددة، معظمها تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وقد جرى دمج كثيرين منهم في الجيش السوري.

هذا الملف يعتبر معقدا بالنسبة إلى الرئيس السوري.

في تصريحات سابقة، أكد الشرع، أن المقاتلين الأجانب الذين ساهموا في الإطاحة بنظام الأسد "يستحقون المكافأة".
وأوضح، في لقاء مع صحفيين منتصف يناير الماضي، أن جرائم نظام الأسد أدت إلى الاعتماد على مقاتلين أجانب يستحقون المكافأة على مساندة الشعب السوري، بعدما شاركوا في الثورة وساهموا في إسقاط النظام، ملمحاً إلى إمكانية منحهم الجنسية السورية.

وأضاف: "جاؤوا من جميع أنحاء العالم الإسلامي إلى سوريا، من منطلق التعاطف مع السوريين، وعددهم حالياً ليس كبيراً جداً، وجميعهم وافقوا على الامتثال لتوجيهاتنا وسياستنا، وهم لا يشكلون خطراً على الدول الأخرى، ويستحقون أن نكافئهم على جهودهم". وأكد أنه ستتم معالجة أوضاعهم وتسويتها وفقاً للقانون.

اليوم يواجه الشرع تحدياً في ترحيل هؤلاء المقاتلين مع ما يحمله هذا الأمر من احتمالات الاصطدام معهم داخلياً.

الملف الثالث الساخن، هو ترحيل المسلحين الفلسطينيين الذين تصنفهم الولايات المتحدة على لوائح الإرهاب، خصوصاً حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي". ولطالما استضافت سوريا، في عهد الرئيسين حافظ وبشار الأسد فصائل فلسطينية مسلحة ذات صلات عميقة بإيران. وبالفعل بدأ الشرع بتطبيق خطوات في هذا المجال منذ نهاية أبريل الماضي حينما قامت القوات الأمنية السورية باعتقال قياديين بارزين من حركة "الجهاد الإسلامي".

الملفان الرابع والخامس مرتبطان بتنظيم داعش الإرهابي. في الملف الرابع المطلوب من الشرع، بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض، التعاون مع الولايات المتحدة لمنع عودة نشاط داعش في سوريا، والعمل على عدم تحول سوريا مجددا أرضاً خصبة لنمو التنظيمات المتطرفة. 

ويرتبط الملف الخامس بإدارة معتقلات داعش في شمال سوريا. هذه السجون تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تتولى إدارتها والاشراف على آلاف المعتقلين من عناصر التنظيم الإرهابي. 

يطلب ترامب بوضوح من الشرع تولي هذا الملف وتحمل مسؤوليته من الدولة السورية المركزية، وهو ما قد ينعكس أيضاً على العلاقة المتوترة أصلاً بين الشرع و"قسد".

ومن خلال دعوته الشركات الأميركية للاستثمار في النفط والغاز السوري، وتأكيده على التزامه باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 مع إسرائيل، يُطلق الرئيس الشرع نهجاً جديداً للسياسات السورية التي اتسمت بمعاداة الغرب والانخراط في محور إيران في زمن الرئيس المخلوع بشار الأسد. لكن الخطاب وحده لا يكفي. كل واحدة من الخطوات الخمس التي حددها البيت الأبيض هي متطلبات أساسية تتسم بالجدية لدى إدارة ترامب، وهي ليست مجرد مقترحات.

سيكون الشرع أمام امتحان تطبيق هذه الخطوات في الشهور المقبلة على طريق عودة سوريا إلى المجتمع الدولي بعد رفع العقوبات. إذا فشل الشرع بذلك، فإن سوريا على الأرجح مهددة بالعودة إلى العزلة. وإذا نجح، يكون قد حوّل سوريا من ساحة حرب إلى فرصة حقيقية للسلام والازدهار.