غرق مئات المخيمات العشوائية والمنظمة في شمال سوريا وغربها بسبب الفيضانات والسيول
غرق مئات المخيمات العشوائية والمنظمة في شمال سوريا وغربها بسبب الفيضانات والسيول

في مخيم "أم جرن"، التابع لمدينة سرمدا بريف مدينة إدلب السورية، قضى النازح من مدينة حلب، أحمد القبرصي، ليلته الماضية مع أطفاله وقوفا، بعد أن غمرت مياه الأمطار خيمته التي يقطن فيها، ويقول القبرصي لموقع "الحرة": "ننتظر الآن في العراء حتى يجف أثاث الخيمة.. جميع الأغراض مبللة، فالمياه ابتلعت كل شيء".

القبرصي ليس النازح الوحيد في الشمال السوري الذي وصلت مياه الأمطار إلى خيمته، فهو حالة واحدة من ضمن آلاف الحالات التي تقف الآن أمام كارثة إنسانية، بعد أن فقدت مسكنها الوحيد وهو الخيمة، بفعل السيول والفيضانات التي تشكلت على مدار اليومين الماضيين، وأسفرت عن غرق مئات المخيمات العشوائية والمنظمة في شمال سوريا وغربها.

غرق مئات المخيمات العشوائية والمنظمة في شمال سوريا وغربها بسبب الفيضانات والسيول

ويبلغ أعداد النازحين السوريين في الشمال السوري نحو 2.1 مليون نازح، من أصل أكثر من 4 ملايين سوري يسكنون مناطق سيطرة المعارضة السورية، في حين يبلغ عدد سكان المخيمات مليونا و43 ألفا و869 نازحا، يعيشون ضمن 1293 مخيما، من بينها 282 مخيما عشوائيا أقيمت في أراض زراعية، ولا تحصل على أي دعم أو مساعدة إنسانية أممية.

ويوضح القبرصي الذي يحاول حاليا تأمين مسكن بديل بعد غرق خيمته أن هذه المعاناة تتكرر في كل عام، فهناك مئات المخيمات تقع في مجرى السيول، وضمن أراض زراعية تكاد تنقطع طرق الوصول إليها. 

ويشير النازح السوري إلى أن معظم الخيم في الشمال السوري غير مؤهلة للسكن، ويتابع: "نعاني منذ بداية الثورة السورية من هذا الحال. الدعم الذي يحصل إلى المخيمات يذهب هدرا على مشاريع لا تؤمن أي استقرار. وجعنا مستمر ولا نعرف نهايته قد يمتد لعشر سنوات أو عشرين سنة أخرى". 

وفي شمال سوريا الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة السورية تنشط عدة منظمات، وعلى الرغم من تقديمها مساعدات بصورة متواترة للنازحين، وإقدامها على تنفيذ مشاريع إنسانية، إلا أنها لم تتمكن ومنذ سنوات لإبعاد شبح الفيضانات، والذي يعتبر كارثة ومأساة تتكرر في كل عام. 

وحسب ما قال نازحون مشردون في العراء من ريف إدلب في تصريحات لموقع "الحرة" فإن السيول التي ضربت المنطقة لم تنحصر أضرارها فقط على مخيمات محافظة إدلب، بل انسحبت إلى المخيمات الواقعة في منطقة عفرين وأخرى في ريف حلب، الخاضع لسيطرة فصائل "الجيش الوطني".

الأمطار تُغرق 145 مخيما

"منسقو الاستجابة في الشمال السوري" هو اسم لأحد الفرق الإنسانية التي تختص بتوثيق الأضرار التي تتعلق بحياة النازحين السوريين في شمال سوريا، حيث  أحصى في اليومين الماضيين تضرر 145 مخيما، وأشار إلى أن العديد من الطرق المؤدية إلى بعض المخيمات انقطعت بشكل كامل. 

غرق مئات المخيمات العشوائية والمنظمة في شمال سوريا وغربها بسبب الفيضانات والسيول

ويقول مدير الفريق، محمد حلاج، في تصريحات لموقع "الحرة"، إن "عدد الخيم المتضررة بفعل مياه الأمطار في الشمال السوري بلغت بشكل كلي 278 خيمة و513 خيمة بشكل جزئي، بالإضافة إلى أضرار واسعة في الطرقات تجاوزت الـ8 كيلومترات ضمن المخيمات ومحيطها في حصيلة أولية لحصر الأضرار". 

ويضيف حلاج أن "الأضرار توزعت ابتداء من مخيمات خربة الجوز غربي إدلب، وصولا إلى المخيمات الحدودية باتجاه ريف حلب الشمالي، إضافة إلى محيط مدينة إدلب ومعرة مصرين وكللي وحربنوش وكفريحمول وحزانو وزردنا". 

ويوضح مدير الفريق الإنساني أن مئات العائلات تشرّدت، ونزح بعضها إلى أماكن أخرى، بينما انتقل جزء بسيط منها إلى دور العبادة ومراكز الإيواء، مشيرا "آلاف المدنيين أمضوا ليلتهم وقوفا أو في العراء بسبب دخول مياه الأمطار إلى خيمهم".

ومن المتوقع زيادة الأضرار بشكل أكبر في الساعات المقبلة، في حال استمرار الهطولات المطرية أو تجددها في المنطقة.

"الجائحة" تحاصرهم أيضا 

مياه الأمطار ليست الوحيدة التي تحاصر مئات آلاف النازحين السوريين في شمال البلاد، فهناك جائحة "كورونا"، والتي يمكن اعتبارها نقطة فارقة وسط الكارثة، تميز هذا العام عن سابقاته. 

غرق مئات المخيمات بسبب السيول ليس الكارثة الوحيدة في سوريا

وفي آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة في "الحكومة السورية المؤقتة" فقد سجلت 23 حالة جديدة بفيروس "كورونا"، ليبلغ عدد الحالات كاملة 20845 من بينها 376 حالة وفاة و15041حالة تماثلت إلى الشفاء.

ما يشهده الشمال السوري، وخاصة محافظة إدلب كانت الأمم المتحدة قد وصفته، مؤخرا بـ"أكبر كارثة في القرن الـ21"، محذرةً من استمرار عمليات القصف من جانب قوات الأسد، والتي قد تجبر مئات النازحين الجدد إلى ترك منازلهم، والتوجه للعيش في المخيمات الحدودية، والتي تعتبر أكثر أمانا قياسا بالمناطق الواقعة في الريفين الجنوبي والشرقي، لكن من يقطنها يواجه في الوقت الحالي التشرد من جهة، والموت من البرد أحيانا". 

وتزداد المخاوف والتحذيرات الإنسانية الدولية في كل عام، بالوقع المأساوي ذاته الذي تتعرض له المخيمات في أثناء الهطولات المطرية الغزيرة، إلا أنها تعجز عن احتواء أزمةٍ باتت لزاما على النازحين في الجزء الشمالي من سوريا، بعد تسع سنوات، في ظل ضعف التمويل الدولي المخصص للملف السوري.

فراس خليفة مسؤول المكتب الإعلامي في "الدفاع المدني السوري" يقول في تصريحات لموقع "الحرة" إن الساعات الـ48  الماضية شهدت هطولات مطرية غزيرة وصفت بأنها "الأقوى" خلال الشتاء الحالي. 

ويضيف خليفة الموجود في ريف إدلب الشمالي: "الهطولات أدت إلى تشكّل السيول وتجمع المياه في جميع المناطق، الأمر الذي أسفر عن تضرر أكثر من 1000 مخيم، غالبيتها من الخيمات العشوائية". 

ولا تملك المخيمات العشوائية أي بنية تحتية، حسب المسؤول الإعلامي، مضيفا أن "الفرق الإنسانية تقوم في الوقت الحالي بعمليات استجابة لتخفيف الضرر، كرفع السواتر الترابية بجانب الخيام، وسحب المياه وفتح المجاري لتصريفها". 

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".