معبر باب السلامة.
الطفلة توفت بعد فشل محاولات نقلها إلى تركيا.

لأكثر من أسبوعين لم تفلح المناشدات في إنقاذ حياة الطفلة، براء الحماد، التي كانت تعاني من مضاعفات مرض التهاب الكبد "ب" في مكان إقامة عائلتها بريف مدينة حلب السورية، حيث كانت حالتها تتطلب العبور إلى الجانب التركي، من أجل تلقي العلاج في مشافي ولاية هاتاي التركية.

الطفلة البالغة من العمر 3 أعوام توفيت قبل يومين، بعد فشل محاولات إدخالها إلى تركيا عبر معبر "باب السلامة"، وتقول والدتها في تصريحات لموقع "الحرة": "لم يبق شيء بين أيدينا إلا الصبر".

تحدثت والدة الطفلة عن الأيام "الصعبة" التي عاشتها قبل وفاة طفلتها الصغيرة، حيث كانت تراقب موت "براء" ببطء، وتتابع: "منذ اليوم الأول لدخول الطفلة إلى مشفى مدينة أعزاز أبلغني الأطباء بأن حالتها تتطلب العلاج في تركيا. هنا تلقيت عدة وعود بين اليوم والآخر لكنها غير ملموسة، ومعها كان هناك ذرائع بأن الشواغر غير متوفرة داخل المشافي التركية، ولابد من الحصول على موافقة لإدخالها". 

هناك الآلاف من الحالات الطبية "الصعبة" في الشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة السورية، سواء في محافظة إدلب أو ريف حلب، وحالة الطفلة براء ليست الوحيدة التي اصطدمت بالروتين المتبع عبر المعابر الواصلة بين سوريا وتركيا، بل كان قد سبقتها حالات عدة، توفي معظمها.

وتتّبع الجهات المسؤولة عن المعابر بين سوريا وتركيا آلية محددة لإدخال المرضى من الطرف السوري إلى تركيا، حيث تنحصر حالات الدخول بالحالات الإسعافية وحالات مرضى السرطان، بينما لا تشمل باقي الحالات التي تتطلب علاجا تعجز المشافي الواقعة في مناطق المعارضة عن التعامل معه.

"بانتظار الموافقة"

وفي حديثها لموقع "الحرة" اتهمت والدة الطفلة "براء" المسؤولين الطبيين في مشفى مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي، بقولها: "يوجد إهمال وتقصير كبير. لا يوجد أي نظام".

وتضيف: "منذ يوم الجمعة الماضي أنتظر قرار دخولها إلى تركيا للعلاج، وفي النهاية ساعدني بعض الإعلاميين من خلال حملة أطلقوها باسم طفلتي. كان من المفترض إدخالها اليوم الأربعاء لكنها توفيت". 

ليس بعيدا عن مشفى أعزاز الذي توفيت فيه الطفلة براء، تتابع عائلة الطفلة، غزل حمشو، موتها البطيء أيضا، منذ قرابة شهرين، وتنتظر الحصول على موافقة لإدخالها إلى الجانب التركي، من أجل تلقي العلاج في مشافي هاتاي أيضا.

الطفلة غزل البالغة من العمر 12 عاما تعاني من استسقاء دماغي شديد، حسب ما يقول جدها في تصريحات لموقع "الحرة"، مضيفا: "الطفلة الآن في مشفى الأزرق بالقرب من معبر باب السلامة، وحالتها تزداد سوءا بين اليوم والآخر". 

ويشير جد الطفلة الذي يعمل على تربيتها في الوقت الحالي بعد وفاة والدها وأعمامها منذ سنوات: "حولنا الأطباء في الأيام الماضية إلى المشفى الوطني، وقالوا لنا أن ننتظر طلب الموافقة على إدخالها إلى تركيا. ننتظر منذ شهرين وحالة الطفلة إلى الأسوأ". 

"كورونا فاقمت المشكلة"

على الرغم من توجه المجالس المحلية في ريف حلب بدعم من تركيا في السنوات الماضية إلى بناء المشافي والنقاط الطبية، فإنها تعجز حتى الآن من علاج الحالات المرضية الصعبة، والتي تشمل بدورها مرضى القلب، والممنوعون أيضا من العبور إلى الجانب التركي لتلقي العلاج، كون حالاتهم لا تتطلب تحركا إسعافيا فوريا. 

ويبلغ عدد مرضى القلب في شمال سوريا أكثر من 400 مريض، حسب ما يقول محمد حلاج مدير فريق "منسقو الاستجابة في الشمال السوري"، مشيرا إلى أن جائحة فيروس "كورونا" أثّرت بشكل كبير على عملية إدخال الحالات المرضية من شمال سوريا إلى تركيا عبر معبري باب الهوى وباب السلامة.

ويضيف حلاج، في تصريحات لموقع "الحرة"، أنه تم توثيق سبع حالات وفاة لأطفال لم تتمكن عائلاتهم من إدخالهم إلى الجانب التركي، رغم أنهم كانوا يعانون من حالات مرضية نادرة لم يسبق حدوثها.

ويوضح مدير الفريق الإنساني أن الجانب التركي لديه إجراءات لإدخال المرضى عبر المعابر الواصلة مع سوريا، وتخص مرضى السرطان بشكل أساسي، إلى جانب الإصابات التي تتطلب إسعافا فوريا كالإصابات الحربية أو الناتجة عن الحروق البليغة. 

وبشكل يومي يدخل عبر معبر باب الهوى من 10 حالات مصابة بالسرطان إلى 15 حالة، ويشير حلاج: "خلال الشهر الأخير شهدنا ارتفاعا هائلا بإصابات كورونا في ولاية هاتاي التركية، الأمر الذي أدى إلى ضغوطات على المشافي، وبالتالي حدوث أثر سلبي على إدخال الحالات المرضية من الشمال السوري". 

وتعتبر الأراضي التركية المتنفس الوحيد أمام المرضى السوريين في شمال سوريا وغربها، وكانت الأشهر الماضية قد شهدت عدة مناشدات لإدخال مرضى تتطلب حالتهم العلاج الفوري، إلا أنها اصطدمت بالشروط المحددة من قبل الحكومة التركية، والمفروضة على جميع المعابر الحدودية. 

وكان أبرز المناشدات، في مايو العام الماضي، وكما حال غيرها لم تفلح في إنقاذ حياة الشاب السوري، يوسف بربور (22 عاما)، والذي كان يعاني من مرض عضال، وتأخرت عملية نقله إلى تركيا لتلقي العلاج، من جراء الإجراءات المتبعة للحد من تفشي فيروس "كورونا المستجد".

وفي ذلك الوقت كانت والدة الشاب "يوسف" قد نشرت تسجيلا مصورا على منصات التواصل الاجتماعي، وناشدت فيه السلطات التركية السماح لابنها بعبور الحدود التركية، قبل أن يفارق الحياة.

"الحلول غير موجودة.. عجز"

أمام ما سبق تغيب أي تعليقات لحل المشكلة من الجانب التركي، ومعها تنعدم مواقف الجهات الطبية والإدارية المسؤولة عن إدارة مناطق شمال سوريا، من إدلب وصولا إلى ريف حلب الشمالي. 

وحسب ما قالت مصادر طبية في تصريحات لموقع "الحرة"، تشهد المعابر الواصلة بين تركيا وسوريا بين الفترة والأخرى استثناءات من والي معبر باب الهوى، لإدخال بعض الحالات المستعصية، إلا أن هذا الأمر لا يعمم على الحالة كاملة، والتي يزيد عدد المتضررين في إطارها عن المئات. 
 
وسبق وأن أعلنت وزارة الداخلية التركية استجابة فرقها الطبية لمناشدات أُطلقت لإنقاذ طفل سوري يقطن في أحد مخيمات إدلب، ويعاني من مرض خلقي في القلب، في مطلع الماضي. 

كما سمحت السلطات التركية بدخول الطفل عبد الله النعسان بعد مناشدات أطلقها ناشطون إثر تعرضه لحروق بليغة في مايو 2020، من جراء اندلاع حريق في خيمة عائلته داخل مخيم الرحمة في منطقة عزمارين، على الحدود السورية- التركية.

نقيب الأطباء في الشمال السوري، محمد وليد تامر، تحدث، في تصريحات لموقع "الحرة"، عن فاصل زمني كان له التأثير الأكبر على دخول الحالات المرضية إلى الجانب التركي.

ويقول الطبيب، المقيم في ريف حلب، "قبل جائحة كورونا وإجراءات الحظر كانت تركيا تسمح بدخول 30 حالة مرضية بين حالات باردة وإسعافية. منذ بدء الإغلاق تم تخفيض العدد إلى خمسة فقط".

ووفق الإحصائيات التي حصل عليها موقع "الحرة" من مصادر طبية في شمال سوريا يبلغ عدد مرضى السرطان قرابة 5000 مريض، إلى جانب 1200 حالة أمراض القلب والتي تحتاج إلى عمليات جراحية وعناية غير منقطعة، بينما يبلغ عدد مرضى الأمراض المزمنة حوالي 800 مريض. 

وكانت السلطات التركية وبالتزامن مع ارتفاع أعداد مصابي فيروس "كورونا" في البلاد، قد اتجهت إلى إغلاق المعابر الواصلة مع سوريا، وخاصة معبري "باب الهوى" و"باب السلامة"، وذلك لمدة ثلاثة أشهر متوالية.

وعقب هذه الفترة الزمنية، أصدر الجانب التركي قرارا بخفض عدد الحالات المرضية المسموح بإدخالها إلى المشافي التركية، وحصرها حينها بالحالات الإسعافية والأطفال دون 3 أشهر. 

ويوضح وليد تامر أن المسؤول عن عملية نقل الحالات المرضية من شمال سوريا هو الجانب التركي، المتمثل بمديرية الصحة في هاتاي وكلس وغازي عنتاب، وهي جهات تضع المعايير وتحددها بشكل منفرد، بعيدا عن الجانب السوري.

وهناك العديد من الأشخاص فقدوا حياتهم، لأنهم لم يتمكنوا من العبور إلى تركيا لتلقي العلاج، ويتابع الطبيب السوري: "هذا مؤسف. نتمنى تشكيل لجنة طبية سورية لفتح قنوات التنسيق في هذه القضية، كونها تنعكس بالسلب بشكل كبير على القطاع الطبي في شمال سوريا".

ويؤكد الطبيب: "قسم كبير من المرضى فقدوا حياتهم، كمرضى السرطان الذين يحتاجون لتلقي جرعات في أوقات محددة لا تحتمل التأخير".

شكوى قضائية تلاحق الرئيس السوري أحمد الشرع في فرنسا. أرشيفية
شكوى قضائية تلاحق الرئيس السوري أحمد الشرع في فرنسا. أرشيفية

تسلمت النيابة العامة الفرنسية دعوى قضائية ضد الرئيس السوري، أحمد الشرع وعدد من وزرائه بتهمة "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي"، وجرائم ضد الإنسانية بسبب الأحداث التي عرفت باسم "مجازر الساحل".

ووفقا للمذكرة القضائية التي أورد أبرز ما جاء فيها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد رفع المحامي، بيدرو أندروجار القضية نيابة عن "التجمع الفرنسي-العلوي".

وأشار المرصد إلى أن مجازر الساحل وقعت على "خلفية هجوم إرهابي شنته مجموعات مسلحة ممولة من رجل أعمال سوري مقيم في روسيا في السادس من آذار، حيث هاجموا حواجز قوات وزارتي الداخلية والدفاع"، فيما قابل ذلك إعلان النفير العام للانتقام من الطائفة العلوية.

وجاء في المذكرة أن الحكومة السورية بقيادة الشرع مارست "حملة ممنهجة ضد أبناء الطائفة العلوية".

ووجهت الاتهامات إضافة للشرع إلى: وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وزير الداخلية أنس خطاب، قائد الفرقة 25، محمد الجاسم المعروف باسم "أبو عمشة".

ويتهم التجمع الحكومة السورية بارتكاب أكثر من 50 مجزرة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 2500 مدنيا من الطائفة العلوية، ناهيك عن ضحايا من عائلات مسيحية وسنية.

كما يتهم القوات التي ارتكبت المجازر بـ"اغتصاب، قتل، إحراق منازل"، إلى جانب رفضهم لإصدار شهادات وفاة للضحايا.

إضافة إلى عمليات تهجير قسري بهدف إحداث تغيير ديموغرافي وطائفي في المنطقة.

وطالبت الدعوى بوقف الأعمال العدائية من مناطق الساحل السوري، وإطلاق سراح المعتقلين، وفتح تحقيق دولي بالجرائم التي ارتكبت.

وأصدرت منظمة العفو الدولية أصدرت تقريرا في 4 أبريل وصفَت فيه الأحداث بأنها "جرائم حرب"، مستندة إلى أدلة مرئية وشهادات شهود عيان.

وشكلت السلطات السورية "اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل".