اللجنة الدستورية السورية تحظى بدعم ورعاية من جانب الأمم المتحدة
خلاف بين أعضاء هيئة التفاوض السورية في وقت تتجه فيه الأنظار إلى جلسة اللجنة الدستورية المقبلة

تقف "هيئة التفاوض السورية"، الجسم الأبرز الذي يمثل المعارضة في البلاد، أمام محطة فاصلة بعد خروج خلافاتها الداخلية إلى العلن، في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى خامس جولات اللجنة الدستورية، المقرر انعقادها في أواخر يناير الجاري، والتي من المفترض أن توضع فيها أولى بذور الدستور السوري الجديد، من خلال مناقشة "المبادئ الدستورية" الأساسية.

وتجمع "هيئة التفاوض" مكونات مختلفة تحت مظلتها، وكانت قد انبثقت عن محادثات مؤتمر "الرياض 1"، في ديسمبر 2015، وحينها تم تعريفها بأنها ستكون المرجعية السياسية لتوحيد المعارضة السورية، لكن هذه الوحدة لم تصل إلى مبتغاها في السنوات الماضية، وهو أمر يرتبط وفق مراقبين بالأطراف الدولية المتشعبة، والتي يحسب كل طرف معارض على كل منها.

في تفاصيل الخلافات الداخلية التي خرجت قالت مصادر مطلعة لموقع "الحرة" إنها بدأت منذ أيام من قبل كل من تكتلات: "منصة القاهرة" و"منصة موسكو" و"هيئة التنسيق الوطني"، والتي بعثت بدورها رسالة منذ يومين إلى المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون طالبته فيها بالتدخل لحل الانقسام الموجود داخل "هيئة التفاوض"، والحفاظ على وحدة اللجنة الدستورية واستمرارها.

وتحدثت التكتلات الثلاثة في الرسالة التي حصل موقع "الحرة" عليها عن "طرف معطل" في إشارة لـ"الائتلاف الوطني السوري"، قائلة: "الطرف المعطل الذي يسيطر على هيئة التفاوض السورية ويقعد اجتماعات لها طوال سنة كاملة، دون حضور هيئة التنسيق ومنصتي القاهرة وموسكو يمارس الآن ما يمكنه فعله ضد نجاح اللجنة الدستورية".

وحملت الرسالة أيضا انتقادات لمن سمي بـ"الطرف المعطل"، حول مسؤوليته بإصدار قرار ينهي عضوية قاسم الخطيب في كل من اللجنة الدستورية و"هيئة التفاوض"، وهو المحسوب على "منصة القاهرة". 

الرسالة تصل للرياض.. الدعم توقف

لم تكن الرسالة التي بعثتها التكتلات الثلاثة المذكورة موجهة فقط إلى غير بيدرسون، بل أيضا إلى سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، والأمير فيصل بن فرحان آل سعود وزير الخارجية السعودي، بالإضافة إلى سامح شكري وزير الخارجية المصري. 

وتتخذ "هيئة التفاوض" من العاصمة السعودية الرياض مقرا لها، ولها فيها مكتب رسمي وأربعة موظفين، الأمر الذي دفع الأخيرة لإرسال مذكرة داخلية لأمانة سر "هيئة التفاوض" تبلغها فيها بتعليق عمل الموظفين، نهاية يناير الجاري. هذه المذكرة وصلت نسخة منها لموقع "الحرة".

اجتماع سابق لأفراد المعارضة السورية برعاية وزارة الخارجية السعودية

وجاء في المذكرة الممهورة بختم "الخارجية السعودية": "إنه وعلى ضوء استمرار تعطيل أعمال هيئة التفاوض السورية فقد تقرر تعليق عمل موظفي الهيئة مع نهاية شهر يناير الجاري، وذلك لحين استئناف الهيئة عملها".

وأضافت الخارجية في مذكرتها أنها تلقت مذكرة من "بعض مكونات هيئة التفاوض السورية وهي هيئة التنسيق، منصة موسكو، منصة القاهرة، المتضمنة رفضها لقرارات صادرة عن اجتماعات غير شرعية للهيئة والمخالفات القانونية والنظامية للقرار"، وطلبت الرياض من الهيئة توضيحات حول ما ورد في رسالة الكتل الثلاث.

الخلاف يعود إلى 2019

لم تكن النقاط التي ذكرتها التكتلات الثلاثة في رسالتها "حجر الأساس للخلافات"، بل تعود القصة إلى عام 2019، وحينها خرج الحديث عن خلافات تتعلق بما يسمى "كتلة المستقلين"، والتي ما تزال تداعياتها قائمة حتى الآن، وفق ما تحدثت المصادر المطلعة لموقع "الحرة".

وكانت "أزمة كتلة المستقلين" قد نشأت بعد استضافة العاصمة الرياض عددا من السوريين لاستبدالهم بمجموعة المستقلين في "هيئة التفاوض"، وذلك في محاولة من السعودية للاحتفاظ بنفوذها داخلها، إلا أن هذا التحرك بقي محل خلاف وأخذ ورد طوال أكثر من أربعة اجتماعات سابقة. 

عضو الهيئة السياسية في "الائتلاف الوطني السوري" وعضو اللجنة الدستورية، عبد المجيد بركات يقول إن المذكرة التي بعثتها الخارجية السعودية أرسلت بطريقة معتادة إلى أمانة السر في "هيئة التفاوض"، المتمثلة بأمين السر صفوان عكاش، مضيفا: "تم تسريب هذه الرسالة التي وصلت عبر الإيميل إلى وسائل التواصل الاجتماعي في الساعات الماضية". 

ويوضح بركات في تصريحات لموقع "الحرة" أن الخلافات داخل "هيئة التفاوض" تعود إلى مؤتمر المستقلين الذي عقد في الرياض، "من أجل استبدال الشخصيات المستقلة في الهيئة (عددهم 8). حينها كان هناك خلافات واضحة بين المكونات".

ويشير عضو اللجنة الدستورية إلى عدة اجتماعات كانت قد عقدت في الأشهر الماضية، وغابت عنها شخصيات من بعض المكونات، الأمر الذي أجبر الأطراف إلى البحث عن حل من أجل تجاوز أي تعطيل لأعمال "هيئة التفاوض"، والتي قد تؤثر بشكل أول بأخر على اللجنة الدستورية.

وعلى الرغم من مساعي حل الخلافات إلا أنها لم تصل إلى أي نتيجة، يتابع بركات: "على ما يبدو أن الخلافات تراكمت، ما عطل جزئيا أعمال هيئة التفاوض. هذا التعطيل أدى إلى عدم اجتماع هيئة التفاوض بشكل فيزيائي عدة مرات، مع استمرار الاجتماع عبر الانترنت".

وتحدث عضو اللجنة الدستورية عن الخلاف الأخير، بالقول: "المحطات المذكورة سابقا بقيت حتى إرسال منصة القاهرة كتابا لاستبدال أحد أعضائها. على ما يبدو يرتبط الأمر بالخلافات داخل المنصة"، معتبرا أن ذلك انسحب أيضا إلى "هيئة التنسيق الوطني" و"منصة موسكو"، وبالتالي انعكس بالسلب على الاستراتيجية التي تسير بها "هيئة التفاوض".

تحدثت تقارير عن غياب متوقع لممثلي منصتي القاهرة وموسكو عن الجولة الخامسة من اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف

هل تتأثر اللجنة الدستورية؟ 

رغم انتشار الخلافات على العلن، إلا أن الإعلان الرسمي عنها، وخاصة من قبل رئيس "هيئة التفاوض"، أنس العبدة لم يتم حتى الآن، وفي المقابل تحدثت تقارير عن غياب متوقع لممثلي منصتي القاهرة وموسكو عن الجولة الخامسة من اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف. 

في حين أكد أحد أعضاء "منصة القاهرة" في حديث مقتضب لموقع "الحرة" أن قرار عدم حضور اجتماع اللجنة لم يطرح حتى الآن، ملمحا إلى "انقسام" تشهده المنصة، منذ أسابيع.

من جانبه يقول المنسق العام لـ"هيئة التنسيق الوطني"، حسن عبد العظيم إن الخلافات التي يشهدها البيت الداخلي لـ"هيئة التفاوض" لن تؤثر على اجتماعات اللجنة الدستورية، مؤكدا حضور ممثلي "هيئة التنسيق" في الجولة الخامسة المقبلة للجنة الدستورية.

ويضيف عبد العظيم المقيم في دمشق في تصريحات لموقع "الحرة": "ممثلي هيئة التنسيق حريصون على الحضور، والخلافات في إطار هيئة التفاوض يجب ألا تنعكس على اللجنة الدستورية، لأن ذلك وفي حال حصوله سيؤثر على الشعب السوري ويؤدي إلى كارثة". 

ويشير عبد العظيم إلى مسألتان أشعلتا الخلافات الحالية التي تمر بها "هيئة التفاوض".

المسألة الأولى، يتابع عبد العظيم: "تنحصر في ضرورة أن تصدر القرارات من هيئة التفاوض بالتوافق وليس بالتصويت- وهو الذي لم يتم- ويجب أن يحدث توازن داخل الهيئة بين الائتلاف ومن معه من جهة وبين هيئة التنسيق ومنصتي القاهرة وموسكو وممثلي الجنوب من جهة أخرى". 

ويرى عبد العظيم: "يجب ألا يكون التصويت لصالح الطرف التركي أو أي طرف عربي"، معتبرا أن "تركيا تحاول أن تبقي الهيئة مختلة التوازن، بحيث أن كل القرارات يجب أن توافق سياساتها، الأمر الذي عطل الاجتماعات السابقة".

ويشير المنسق العام لـ"هيئة التنسيق" إلى مشكلة المستقلين كمسألة أخرى، موضحا: "هذه الأزمة لم تحل في عدة اجتماعات سابقة، رغم التعديل في عددهم من ثمانية إلى أربعة بأربعة". 

"مرحلة حرجة"

التوقيت الذي تخرج فيه الخلافات بين مكونات المعارضة السورية لا تنحصر تداعياته السلبية فقط باجتماعات اللجنة الدستورية السورية، بل أيضا بالتحضيرات التي يعمل عليها نظام الأسد في الوقت الحالي، استعدادا لخوض الانتخابات الرئاسية، المقررة في أبريل المقبل. 

ووصف عضو اللجنة الدستورية، عبد المجيد بركات خلال حديثه لموقع "الحرة" خطورة الرسالة التي بعثت بها الرياض بأنها تأتي "في فترة حرجة"، ويقول: "السعودية وجدت في الوقت الحالي أنه من غير المقبول وجود موظفين لهيئة التفاوض وهي معطلة".

وتساءل بركات: "هل هنالك رغبة دولية بأن يكون هناك طريقة تعامل جديدة مع هيئة التفاوض؟. هل بدأت السعودية بتغيير تعاملها؟. هذا الأمر يمكن أن ندركه في المستقبل".

ويشير عضو "الائتلاف السوري"، المقيم في إسطنبول، إلى أن بعض المكونات في "هيئة التفاوض السورية" تلعب على موضوع التناقضات الإقليمية والخلافات في إدارة الملف السوري، وتحاول قدر الإمكان أن تستغل هذه الخلافات والتعارضات من أجل محاولة أخذ "هيئة التفاوض" إلى أماكن أخرى.

شكوى قضائية تلاحق الرئيس السوري أحمد الشرع في فرنسا. أرشيفية
شكوى قضائية تلاحق الرئيس السوري أحمد الشرع في فرنسا. أرشيفية

تسلمت النيابة العامة الفرنسية دعوى قضائية ضد الرئيس السوري، أحمد الشرع وعدد من وزرائه بتهمة "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي"، وجرائم ضد الإنسانية بسبب الأحداث التي عرفت باسم "مجازر الساحل".

ووفقا للمذكرة القضائية التي أورد أبرز ما جاء فيها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد رفع المحامي، بيدرو أندروجار القضية نيابة عن "التجمع الفرنسي-العلوي".

وأشار المرصد إلى أن مجازر الساحل وقعت على "خلفية هجوم إرهابي شنته مجموعات مسلحة ممولة من رجل أعمال سوري مقيم في روسيا في السادس من آذار، حيث هاجموا حواجز قوات وزارتي الداخلية والدفاع"، فيما قابل ذلك إعلان النفير العام للانتقام من الطائفة العلوية.

وجاء في المذكرة أن الحكومة السورية بقيادة الشرع مارست "حملة ممنهجة ضد أبناء الطائفة العلوية".

ووجهت الاتهامات إضافة للشرع إلى: وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وزير الداخلية أنس خطاب، قائد الفرقة 25، محمد الجاسم المعروف باسم "أبو عمشة".

ويتهم التجمع الحكومة السورية بارتكاب أكثر من 50 مجزرة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 2500 مدنيا من الطائفة العلوية، ناهيك عن ضحايا من عائلات مسيحية وسنية.

كما يتهم القوات التي ارتكبت المجازر بـ"اغتصاب، قتل، إحراق منازل"، إلى جانب رفضهم لإصدار شهادات وفاة للضحايا.

إضافة إلى عمليات تهجير قسري بهدف إحداث تغيير ديموغرافي وطائفي في المنطقة.

وطالبت الدعوى بوقف الأعمال العدائية من مناطق الساحل السوري، وإطلاق سراح المعتقلين، وفتح تحقيق دولي بالجرائم التي ارتكبت.

وأصدرت منظمة العفو الدولية أصدرت تقريرا في 4 أبريل وصفَت فيه الأحداث بأنها "جرائم حرب"، مستندة إلى أدلة مرئية وشهادات شهود عيان.

وشكلت السلطات السورية "اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل".