نظام الأسد اتبع "سياسية التهجير" ذاتها في مناطق أخرى
نظام الأسد اتبع "سياسية التهجير" ذاتها في مناطق أخرى

بعد أكثر من عامين يستحضر نظام الأسد وحلفاؤه الروس من جديد "سيناريو التهجير" في مناطق محافظة درعا بالجنوب السوري، في سياسة من شأنها أن تعيد السلطة الأمنية لما كانت عليه الأوضاع سابقا، أي ما قبل عام 2011. سلطةٌ لم يتمكن الطرفان من فرضها رغم إعلان السيطرة الكاملة على المنطقة، في عام 2018، بموجب اتفاقيات جاءت تحت مسمى "التسوية والمصالحة". 

ويختلف "سيناريو التهجير" الحالي، الذي يستهدف بالخصوص مناطق الريف الغربي لدرعا عن سابقاته، من أن تنفيذ بنوده يتم بهدوء، بعيدا عن ضجيج الطائرات الحربية أو أصوات المدافع، ورغم أن محطته الأخيرة هي مدينة طفس، إلا أن عدة مناطق كانت قد سبقتها بذلك، على رأسها مدينة الصنمين، وإلى الجنوب منها منطقة "الكرك الشرقي". 

ومنذ توقيع اتفاق "التسوية" عام 2018 وحتى الآن، لم تهدأ محافظة درعا، ولم تشهد أي استقرار، بل على العكس، لم يخل مشهدها من عمليات اقتحامٍ ومداهمات من قوات الأسد بين الفترة والأخرى، وإلى جانب ذلك عكّر جوها قاتلٌ "خفي" ما تزال هويته مجهولة، وأقدم على سلسلة من حوادث الاغتيال، طالت عسكريين من الطرفين (النظام، المعارضة) ومدنيين ونشطاء إعلاميين ومحليين.

وكان المرجو من اتفاق "التسوية" حين توقيعه فرض حالة من الاستقرار في المحافظة التي كانت أجزاء كبيرة منها خارجة عن سيطرة نظام الأسد، على أن يتبع ذلك تسوية أوضاع المطلوبين أمنيا، وإعادة الخدمات وإصلاح البنى التحتية، لكن جميعها لم يطبّق على أرض الواقع، على خلفية عدة أسباب، أبرزها عدم التزام النظام السوري بأيٍ من المطالب، وخاصة الإفراج عن المعتقلين ووقف عمليات المداهمة والاقتحام.

"التهجير أو التسليم"

من المحطة الأخيرة وهي بلدة طفس الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة درعا، فبحسب ما تقول مصادر إعلامية منها، في تصريحات لموقع "الحرة"، فقد شهدت المدينة في اليومين الماضيين تعزيزات عسكرية "ضخمة" من قوات "الفرقة الرابعة" بغرض اقتحامها. 

وتضيف المصادر أن "الفرقة الرابعة" أقدمت، الأحد، على اقتحام بعض المنازل والمواقع في طفس، من أجل البحث المطلوبين والكشف عن السلاح الثقيل الموجود بيد عدد من الأشخاص، لتقابل برد مسلح، أسفر عن مقتل ثلاثة عناصر منها. وهو الأمر الذي دفع نظام الأسد، لفرض ثلاثة شروط مقابل إنهاء العمل الأمني والعسكري. 

الشروط، ووفق ما توضح المصادر التي طلبت عدم ذكر اسمها، عرضها ضباط من قوات الأسد وآخرون روس في أثناء اجتماع لهم، الاثنين، مع وجهاء وأعضاء من "اللجنة المركزية" لمناطق ريف درعا الغربي، وطلبوا فيه تسليم أو "تهجير" ستة من المطلوبين أمنيا إلى مناطق الشمال السوري، على أن يتبع ذلك حملة أمنية في المنطقة للبحث عن خلايا تتبع لتنظيم "داعش".

وإلى جانب ذلك، اشترطت قوات الأسد على اللجان المحلية في المنطقة إخلاء جميع المقرات التي تتبع لـ"الدولة السورية" في بلدة طفس، وتسليمها بشكل كامل، وحددوا مهلة لتطبيق ذلك، حتى الخميس المقبل.

وتشير المصادر إلى أن الضباط الروس ومعهم الضباط في قوات الأسد، هددوا اللجان المحلية في أثناء الاجتماع باستخدام سلاح الطيران، في حال لم يتم تنفيذ الشروط المعروضة، بالقول: "ما يزال بيدنا سلاح الطيران". 

"السيناريو ذاته" 

ما تشهده بلدة طفس في الريف الغربي لدرعا يشابه ما شهدته بلدة الكرك الشرقي، في نوفمبر 2020، وقبلها مدينة الصنمين، وهي مناطق لم تتمكن قوات الأسد من دخولها عقب اتفاق "التسوية"، لكنها أعادتها إلى سلطتها الأمنية بذات السياسة التي تتبعها الآن في مناطق ريف درعا الغربي. 

وتعتمد قوات الأسد في سياستها المذكورة على الحشد العسكري أولا وحصار المناطق المستهدفة، ومن ثم إجبار اللجان المحلية على تسليم المطلوبين أو تهجيرهم إلى الشمال السوري، الخاضع بالمجمل لسيطرة فصائل المعارضة.

وكانت قوات الأسد قد فرضت اتفاقا في مدينة الصنمين، في مارس 2020، قضى بخروج 21 مقاتلا من المدينة، وتسوية أوضاع من اتفق على بقائهم في المنطقة، وجاء الاتفاق بعد عملية اقتحام نفذتها قوات الأسد تجاه المدينة، بعد إغلاق مداخلها ومخارجها بشكل كامل.
 
لكن ما انطبق سابقا على الصنمين يراه المصدر الذي تحدث إليه موقع "الحرة" صعبا فيما يخص بلدة طفس، مشيرا إلى أن التهجير إلى الشمال السوري "أمر صعب" في الوقت الحالي، على خلفية امتناع فصائل ريف حلب وإدلب من استقبال أي مقاتل، وذلك بناء على "توجيهات" من الجانب التركي. 

لماذا طفس؟ 

المحلل والخبير العسكري، عبد الله الأسعد يقول إن تركيز قوات الأسد على بلدة طفس في الوقت الحالي يحمل عدة دلالات، أولها أنها منطقة استراتيجية، ولها "رمزية وخصوصية"، ومن شأن أي طرف يعمل على ضمها لمناطق نفوذه أن يتحكم بكامل المنطقة الغربية لدرعا.

ويضيف الأسعد في تصريحات لموقع "الحرة" أن "النظام السوري يحاول خرق الجدار الدفاعي لمناطق الريف الغربي، من خلال السيطرة على طفس، والتي تتميز بأنها تشكّل عقدة تلاقٍ بين جميع بلدات وقرى ريف درعا، وأيضا تحظى بموقع استراتيجي هام".

ويرى المحلل العسكري أن نظام الأسد يعمل على اختراق المناطق في الجنوب السوري من خلال "عملاء" يتبعون له، وكانوا قد انضموا إلى قواته في العامين الماضيين، وخاصة في "الفيلق الخامس" و"الفرقة الرابعة". 

ومنذ عام 2018 وعقب اتفاق "التسوية"، كان ملاحظا انضمام المئات من مقاتلي فصائل المعارضة سابقا ضمن صفوف قوات الأسد، حيث توزعوا حينها على العديد من التشكيلات العسكرية، على رأسها "الفرقة الرابعة"، وفي المقابل امتنع بعض المقاتلين من الانضواء في صفوف قوات الأسد، وبقوا دون أي تبعية، مع احتفاظهم بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة.

وتتبع طفس إداريا لناحية المزيريب، وتبعد 13 كيلومترا عن مركز محافظة درعا، وكانت قد دخلت في اتفاق "التسوية" مع النظام، في يوليو عام 2018، لكن سيطرة الأخير عليها عسكريا ظلّت ضعيفة، لكثرة عناصر المعارضة فيها، الذين اختاروا البقاء وعدم الهجرة للشمال السوري، إضافة إلى امتلاك هؤلاء السلاح الخفيف بكثرة.

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".