السويداء تحظى برمزية خاصة كونها تخضع لسيطرة كلية لنظام الأسد وفي الوقت ذاته تخرج بين الحين والأخرى بمظاهرات مناهضة له
السويداء تحظى برمزية خاصة كونها تخضع لسيطرة كلية لنظام الأسد وفي الوقت ذاته تخرج بين الحين والأخرى بمظاهرات مناهضة له

قبل ثلاثة أيام تلقت عائلة الشاب السوري ابن مدينة السويداء يامن صابر عزام نبأ مقتله في أثناء عمله مع شركات أمنية تدعمها موسكو على الأراضي الليبية، لتكون هذه الحادثة الأولى من نوعها التي تشهدها المحافظة، منذ بدء عمليات التجنيد التي ترعاها موسكو، وتستقطب بها شبان سوريين من أجل العمل كـ"مرتزقة" خارج الحدود. 

وحسب ما قالت مصادر إعلامية من مدينة السويداء في تصريحات لموقع "الحرة" فقد قتل إلى جانب عزام الذي ينحدر من بلدة عريقة ستة شبان سوريين، معظمهم من الريف الشمالي لحمص، بعد وقوعهم في حقل للألغام على إحدى الجبهات العسكرية في ليبيا. 

ومنذ قرابة عام مضى، لاح حراك غير مسبوق لشركات أمنية ترعاها موسكو في سوريا لتجنيد شبان من مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة نظام الأسد للقتال خارج الحدود، وخاصة في ليبيا، وكان في المقابل نشاط آخر أيضا في الشمال السوري الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة لتجنيد شبان للقتال على عدة جبهات، سواء في ليبيا أو في أذربيجان. 

ورغم أن عمليات التجنيد التي رعتها موسكو استهدفت جميع المحافظات الخاضعة لنظام الأسد، إلا أنها أخذت منحى مختلفا في السويداء، والتي كان لها النصيب الأكبر من عمليات التجنيد، آخرها الأربعاء، إذ أفادت مصادر محلية في تصريحات لموقع "الحرة" أن شبانا يتراوح عددهم بين 35 و50 عاما اتجهوا بالحافلات إلى قاعدة حميميم بريف اللاذقية، من أجل نقلهم إلى ليبيا فيما بعد.

تجنيد على الحبلين

وتحظى محافظة السويداء برمزية خاصة ضمن الخارطة السورية، وبالأخص في الجنوب، كونها تخضع لسيطرة كلية لنظام الأسد وفي الوقت ذاته تخرج بين الحين والأخرى بمظاهرات مناهضة له، وإلى جانب ذلك يرفض شبانها الخدمة الإلزامية في "الجيش السوري"، منذ مطلع أحداث الثورة السورية عام 2011.

وفي تصريحات لموقع "الحرة" يقول مدير تحرير شبكة "السويداء 24"، ريان معروف إن عمليات التجنيد التي ترعاها موسكو في المحافظة توازيها عمليات تتم برعاية وإشراف من جانب طهران.

ويضيف معروف، المقيم في السويداءـ أن عمليات تجنيد واستقطاب الشباب من المحافظة ازدادت بشكل ملحوظ، في الأيام الماضية، من قبل شركات أمنية مدعومة من روسيا وميليشيات مدعومة من إيران، وأخرى تابعة لأجهزة المخابرات السورية.

ويتابع الصحفي السوري: "تستغل هذه الأطراف تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع نسبة البطالة ووجود آلاف الشباب المتخلفين عن الخدمة الإلزامية في صفوف قوات النظام".

ومنذ مدة ليست ببعيدة يشير مدير الشبكة المحلية إلى أن ميليشيا "الدفاع الوطني" المدعومة من طهرات افتتحت مكتبا لها في السويداء، من أجل استقطاب الشباب لتجنيدهم في مناطق تتواجد فيها الميليشيات الإيرانية، كالبادية السورية ومحيط البوكمال. 

وفي مقابل ذلك تستمر الشركات الأمنية التابعة لروسيا بتجنيد الشباب وإرسالهم إلى ليبيا في عقود عمل لحراسة منشآت نفطية ومواقع تسيطر عليها القوات الروسية، ووفق الصحفي السوري فقد جند "جهاز المخابرات الجوية" أكثر من 300 شاب على دفعات وأرسلهم إلى ريف حلب الجنوبي، وهي المنطقة التي تشهد نشاطا إيرانيا منذ سنوات. 

من هي الفئة المستهدفة؟

الكثير من الشباب الذين يتم تجنيدهم من قبل الأطراف الثلاثة المذكورة في السويداء هم من المطلوبين للخدمة الإلزامية، وهو أمر يرتبط بالتسهيلات التي تقدمها عروض التجنيد، كسهولة التحرك الأمني داخل سوريا، وكف البحث عن الشخص المطلوب. 

وتعتبر قضية التخلف عن الخدمة العسكرية سواء الإلزامية أو الاحتياطية في "الجيش السوري" عالقة حتى الآن في محافظة السويداء، وحسب إحصائيات غير رسمية يبلغ عدد الشبان المتخلفين أكثر من 40 ألف شاب، بينهم 20 ألفا ما يزالون داخل الحدود السورية.

وطوال السنوات الماضية، حاولت الأفرع الأمنية في نظام الأسد إقناع وجهاء وشيوخ السويداء بالطلب من الشبان للعودة إلى الخدمة في "الجيش السوري"، إلا أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل، كان آخرها في أكتوبر من عام 2018.

وفي سياق حديثه أشار الصحفي ريان معروف إلى "مخاوف من تفريغ المحافظة التي يقطنها حوالي 400 ألف نسمة من شبابها".

وتابع: "على سبيل المثال: قرية حران الواقعة في ريف السويداء الشمالي الغربي ويبلغ عدد سكانها قرابة 4 آلاف نسمة شهدت تجنيد 152 شابا لوحدها. القسم الأكبر منهم في ليبيا، وقسم آخر مع ميليشيات داخل سوريا".

ويضيف معروف: "هناك قرى باتت شبه خالية من الشباب فعلا"، موضحا أن الإقبال الأكبر بين الشباب في السويداء على السفر إلى ليبيا بالدرجة الأولى، نظرا لارتفاع الرواتب التي يتم تقديمها لهم، والتي تتراوح بين 1000 و1500 دولار شهريا، أما داخل سوريا فتبدأ الرواتب بـ 50 دولارا وتصل إلى حدود 300 دولارا حسب الجهة التي تجند.

"فرصة للانتقام"

من جانبه يرى الكاتب والصحفي من مدينة السويداء، حافظ قرقوط أن عمليات التجنيد التي تُقدم عليها روسيا في المحافظة تعتبر "فرصة لانتقام النظام السوري من الأهالي، على خلاف انتقامه من باقي المناطق، والتي تعرضت لقصف ومجازر".

ويقول قرقوط في تصريحات لموقع "الحرة": "إفراغ المحافظة يصب في مصلحة النظام، لأن الكتلة البشرية التي تستهدفها عمليات التجنيد شكلت في السنوات الماضية حالة ضاغطة اقتصاديا ومعنويا، بعد المظاهرات التي خرجت بها".

ووفق الكاتب والصحفي، فإن محاولات الروس لتجنيد شبان المحافظة ليست جديدة، بل تعود إلى الأعوام الأولى للثورة السورية، وحينها فشلت بشكل كامل، موضحا: "قبل تشكيل الفيلق الخامس في درعا أراد الروس أن تكون أولى محطاته في السويداء. حينها تحدثوا مع الكثير من الضباط والمشايخ، وقدموا إغراءات، لكنها لم تكن مقنعة".

ويتابع الكاتب والصحفي: "ما تشهده السويداء يعتبر حالة مقلقة، مع غياب أي أفق للمستقبل أو العمل والتعليم، إلى جانب حصارها من حزب الله وبقايا داعش".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".