تصاعد أعمال القتل في مخيم الهول يثير المخاوف بشأن عودة داعش
تصاعد أعمال القتل في مخيم الهول يثير المخاوف بشأن عودة داعش

أثار تصاعد العنف في أحد أكبر مخيمات النازحين في شمال شرق سوريا مخاوف متجددة من سيطرة تنظيم داعش على المنطقة بشكل مقلق، وفقا لموقع "صوت أميركا".

وقال مسؤولون في المجال الإنساني وباحثون إن مخيم الهول، الذي يضم حوالي 62 ألفًا معظمهم من النساء والأطفال، شهد ما لا يقل عن 18 جريمة قتل منذ بداية العام، بما في ذلك 12 في الأسبوعين الأولين من يناير.

وفقًا لتقرير صدر يوم الإثنين، عن مركز معلومات روجافا الموالي للأكراد، فإن نصف عمليات القتل على الأقل كانت عمليات إعدام، قُطعت فيها رؤوس الضحايا، ويبدو أن العديد من الهجمات مرتبطة بداعش.

وقال تشارلز فلين، الباحث في المركز الكردي: "لا شك أن لداعش تأثير كبير على المخيم"، وأضاف "في إحدى الحالات، قطع عناصر التنظيم رأس شيخا عراقيًا علنًا بسبب عمله مع وقوات سوريا الديمقراطية التي تحمي المخيم"، مشيرا إلى أن عمليات القتل الأخرى "تبناها عناصر داعش النشطاء الذين يقيمون هناك".

وتابع "يبدو أن هناك محاكم ومجالس داخلية لعناصر داعش تقرر مصير هؤلاء الضحايا وغيرهم".

من جانبه، حذر قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، يوم الإثنين، خلال كلمة افتراضية أمام معهد الشرق الأوسط من هذا التطور المقلق على الأجيال القادمة في المخيم.

الجيل القادم من داعش

وقال ماكنزي: "ما لم يجد المجتمع الدولي طريقة للعودة إلى الوطن، وإعادة الاندماج في المجتمعات المحلية، ودعم برامج المصالحة المزروعة محليا، فسوف نشهد على تلقين الجيل القادم لداعش عندما يصبح هؤلاء الأطفال متطرفين"، وأضاف "الفشل في معالجة هذا الآن يعني أن داعش لن يُهزم حقًا".

من بين حوالي 62 ألف نازح ما زالوا يعيشون في مخيم الهول، أكثر من نصفهم من الأطفال دون سن 12 عامًا.

وقالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، دانييل مويلان، للموقع الأميركي: "الزيادة الأخيرة في أحداث العنف في المخيم تؤكد أن المخيم ليس مكانًا يكبر فيه أي طفل"، وتابعت "هناك حاجة إلى حلول دائمة لجميع السكان - سواء كانوا سوريين أو عراقيين أو من دولة أخرى".

كما أثارت المعلومات الاستخبارية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مخاوف متزايدة بشأن مخيم الهول. وبحسب تقرير صدر الأسبوع الماضي، فإن "بعض المعتقلين يرون أن مخيم الهول هو البقايا الأخيرة من الخلافة".

وأضاف التقرير أنه "يُقال إن القُصر يتم تلقينهم واستعدادهم ليصبحوا عناصر لداعش في المستقبل".

من جانبها، أرسلت مجموعة من خبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة، الإثنين، رسائل إلى 57 دولة، بما في ذلك أعضاء في التحالف بقيادة الولايات المتحدة، تدعوهم إلى إعادة المواطنين المحتجزين في مخيم الهول على الفور.

وكتبوا أن "آلاف الأشخاص المحتجزين في المخيمات يتعرضون للعنف والاستغلال وسوء المعاملة والحرمان في ظروف ومعاملة قد ترقى إلى حد التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".

وحذر مسؤولو وخبراء مكافحة الإرهاب أن تنظيم داعش يسعى باستمرار إلى استخدام الظروف السيئة في معسكرات مثل الهول في محاولة لتقوية العلامة التجارية للتنظيم الإرهابي.

وضع مروع

في سياق متصل، حث رئيس مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، على إعادة 27 ألف طفل تقطعت بهم السبل في مخيم الهول شمال شرق سوريا، مطالبا بإعادة هؤلاء الصغار إلى أوطانهم ومعاملتهم كضحايا، ومشددا على عدم قانونية محاكمة من هم دون الرابعة عشرة من العمر.

ويضم مخيم الهول الذي تشرف عليه قوات سوريا الديمقراطية عشرات الآلاف من النساء والأطفال من عائلات تنظيم داعش الإرهابي، ومعظمهم ينتمي إلى جنسيات أجنبية، فيما ترفض العديد من الدول الغربية إعادة إلى بلدانهم باعتبارهم قد يشكلون خطرا على أمنها القومي.

ووصف فورونكوف وضع الأطفال في ذلك المخيم بأنه مروع وأنه أحد "أكثر القضايا إلحاحًا في العالم ففي الوقت الحالي".

وعن رؤيته للأوضاع هناك قال فورونكوف: "هناك نقص في المياه النظيفة والخيام، وينتشر سوء تغذية كبير خاصة بين الأطفال. لقد زرت هذه المخيمات عدة مرات ، وفي كل مرة أذهب إليها ، تكون مزدحمة والوضع أسوأ من العام السابق. وفي أغسطس من العام الماضي شاهدنا الكثير من الأطفال يموتون جراء  أمراض يمكن الوقاية منها بسهولة".

ونوه إلى أن المخيم يضم  أطفالا من 60 دولة، مشيرا إلى أن دولا مثل روسيا وكازاخستان قد أعادت بعض مواطنيها، بينما أعادت فرنسا عددا قليلا،  في حين اكتفت كل من وألمانيا  وكندا بإعادة طفل واحد.

وشدد المسؤول الأممي أن الكثير من القادة والمشرعين السياسيين يخشون اتخاذ قرارات بشأن إعادة مواطنيهم لأن ذلك قد يحملهم "تكلفة سياسية" تؤثر على مستقبلهم العملي، وبالمقابل ترى منظمة "هيومن راتيس ووتش" إن عدم إرعاج أولئك الأطفال إلى بلدانهم سيؤدي إلى دفع العالم ثمنا باهظا لأنهم قد يتحولون إلى متطرفين وإرهاببين.

وأضاف: "وما رأيناه حتى الآن من عمليات الإعادة التي حدثت هو أن المخاطر الأمنية التي يتحدث عنها صانعو السياسة لم تكن حقيقية، فمعظم هؤلاء النساء والأطفال الذين أعيدوا إلى أوطانهم، ليسوا في وضع يسمح لهم بتشكيل أي تهديدات أمنية".

ولفت إلى أن العديد من الأطفال يعانون صدمات نفسية شديدة، مردفا: " لا يزالوا يعانون من آثار التواجد في مناطق الحروب والحصار في أحد المخيمات، وبالتالي، فهم بحاجة إلى قدر كبير من الدعم  والمساعدة النفسية. ولهذا السبب أيضًا من المهم جدًا إعادتهم إلى الوطن في أقرب وقت ممكن لأنه كلما طال بقائهم، ارتفع التأثير السلبي عليهم وزادت صعوبة إعادة دمجهم وإعادة تأهيلهم.

تنظيم داعش يشن هجمات من آن لآخر على قوات النظام السوري
تنظيم داعش يشن هجمات من آن لآخر على قوات النظام السوري

يكاد لا يمر أسبوع دون إعلان النظام السوري سقوط قتلى له على يد "داعش" في منطقة البادية السورية، ومع توثيق "المرصد السوري لحقوق الإنسان" 275 عنصرا قتلوا منذ بداية 2024، تثار تساؤلات عن أسباب وقوعهم في كل مرة بـ"المصيدة"، كما يطلق عليها خبراء.

"المرصد" ذكر الاثنين أن 3 عناصر من قوات النظام لقوا مصرعهم في هجوم نفذه عناصر التنظيم الإرهابي على نقاط عسكرية في بادية تدمر بريف حمص الشرقي.

وجاءت هذه الحادثة بعد يومين فقط من مقتل 28 عنصرا من "لواء القدس" الموالي لروسيا في هجومين منفصلين لخلايا داعش في البادية. ونعاهم الأخير بصورة رسمية عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي.

وقبل هاتين الحادثتين حصلت الكثير من الضربات، وأسفرت في غالبيتها عن قتلى من جيش النظام و"لواء القدس" الذي ينتشر هناك منذ سنوات، وينفذ مهاما عسكرية بدعم من موسكو.

وتشير إحصائيات "المرصد السوري" إلى أن حصيلة القتلى خلال العمليات العسكرية ضمن البادية بلغت 336 قتيلا منذ مطلع العام 2024، بينهم 24 من تنظيم "داعش" و275 من قوات النظام والميليشيات الموالية لها.

وتوضح الأرقام أن عناصر النظام والميليشيات قضوا في 118 عملية لداعش ضمن مناطق متفرقة من البادية، وتمت في غالبيتها عبر كمائن وهجمات مسلحة وتفجيرات في غرب الفرات وبادية دير الزور والرقة وحمص.

"اختلاف بالنهج العسكري"

ومنذ أن خسر التنظيم آخر حضور حضري في الباغوز بريف دير الزور عام 2019 بدأ باستراتيجية تعود إلى ما كان عليه سابقا فيما كان يسمى بـ"دولة العراق والشام"، حسب خبراء ومراقبين تحدثوا لموقع "الحرة".

تقوم الاستراتيجية على التواجد في البادية ونصب كمائن ومصائد بشكل خاص على الطرقات الرئيسية وفي محيطها.

وعندما تمر قوات النظام من هناك كمجموعات فردية وضمن أرتال سرعان ما تتحول إلى هدف سهل، وسط غياب الدعم أو الإسناد من الجو.

وتبلغ مساحة البادية السورية نحو 80 ألف كيلومتر مربع، وتنقسم صحراءها على عدة محافظات سورية، بينها دير الزور وحمص وحماة والرقة وحلب وحماة.

وكان النظام قد أطلق سلسلة عمليات تمشيط فيها على مدى السنوات الماضية، وكذلك روسيا التي أعلنت لمرتين عن حملة بغرض القضاء على داعش هناك، تحت اسم "الصحراء البيضاء".

لكن كل ذلك لم يسفر عن نتائج، وعلى العكس زاد "داعش" من شراسته، وحتى أنه بات يوسع من دائرة الاستهداف على صعيد الرقعة الجغرافية.
ويرى الباحث السوري في "مركز الشرق للسياسات"، سعد الشارع أن "تنظيم داعش  يتفوق عسكريا وأمنيا في البادية السورية"، لاعتبارات تتعلق بخبرته الطويلة في البوادي والصحارى، إن كان في سوريا أو العراق. 

ويقول لموقع "الحرة" إن النهج الذي يتبعه يشبه "حرب العصابات"، حيث تذهب مجموعات عددية صغيرة منه وتشن هجوما على رتل عسكري أو نقطة عسكرية.

في المقابل، يسير النظام السوري بعقلية الجيوش العسكرية النظامية، لكنه "مهما امتلك من قوة لن يكون قادرا على فرض سيطرته الكاملة على البادية"، وفق الباحث السوري.

الشارع يعتقد أنه وإلى جانب ما سبق تكمن عدة أسباب وراء حالة الاستنزاف المستمرة لقوات النظام في البادية السورية.

يتمثل أبرزها بحالة التموضع الخاصة بداعش في البادية، حيث تسمح له بالهجوم باتجاهات متنوعة. 

ويشرح بالقول: "وجوده في الجهة الشرقية من مدينة تدمر (البادية الشامية) يسمح له بشن عمليات في جغرافيا واسعة وعلى طول الطرق الواصلة بين البوكمال شرق دير الزور مرورا بالميادين وبادية السخنة، وحتى بلدة عقرب".

كما يتيح وجوده في شمال تدمر أو ما يسمى بـ"بادية الكوم" شن هجمات على الجهة الشرقية من محافظة حلب والجهة الغربية لمدينة الرقة، والخاصرة الشرقية لمحافظة إدلب.

ويوضح الباحث أنه وبناء على خارطة الانتشار المذكورة "يستطيع داعش كشف جميع الطرق بشكل جيد وشن الهجمات ونصب الكمائن".

"الطرق بوابة تمويل"

ولا يعرف بالتحديد عدد عناصر داعش في البادية السورية، أو كيفية بقائهم على قيد الحياة هناك ومصادر الأسلحة والتمويل.

ومع ذلك، يشير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي إلى أن التنظيم كان يعمل منذ 2015 على تشكيل "كتائب خاصة بالبادية ونسج شبكة علاقات لها".

وتشير الأجواء العامة والإحصائيات إلى أن عمليات داعش باتت متصاعدة على نحو كبير، في مسار بدا واضحا منذ شهر أغسطس العام الفائت.

وفي حين يرى عرابي في حديث لموقع "الحرة" أن إحصائيات "المرصد السوري" صحيحة والخاصة بقتلى النظام يرجح أن يكون "العدد أكبر من ذلك بكثير".

عرابي يرصد منذ سنوات أسباب تمدد داعش في المنطقة.

ويلاحظ حسب قوله أن التنظيم الإرهابي يحاول التحكم بكامل طرق البادية السورية، بحيث يكون قادرا على ضبط أو السيطرة على المنطقة.

تعتبر الطرق "بوابة تمويل من ناحية تهريب الأسلحة والمخدرات والنفط الخام"، وحتى أن قسم من الميليشيات التي تمر عبرها "تدفع لداعش"، حسب عرابي.

ويضيف: "هي مورد تمويل كبير. داعش يسيطر على البادية وطرقها ويتحكم بالاقتصاد المار منها".

ويعتقد المحلل السياسي المقيم في دمشق، غسان يوسف، أن القضاء على داعش في البادية لا يمكن أن يتم لعدة أسباب.

بينها أن المنطقة الصحراوية مترامية الأطراف كبيرة جدا، وفيها الكثير من الأماكن التي يستطيع عناصر النظيم الاستيطان بها ونصب كمائن للجيش السوري.

ومن جانب آخر يشير يوسف في حديثه لموقع "الحرة" إلى أسباب أخرى، معتبرا أن التنظيم يتلقى دعما من "فصائل موجودة في التنف"، على حد اعتقاده.

ويضيف: "الموضوع والهجمات ستظل في أخذ ورد وسيبقى داعش منتشرا في البادية".

ويربط ذلك بطبيعة النفوذ في البادية، و"شكل الدعم الذي يتلقاه داعش من المحيط".

"لا حل للخروج من المصيدة"

وتشير بيانات القيادة المركزية الأميركية إلى أن عدد مقاتلي تنظيم "داعش" في سوريا والعراق يبلغ نحو 2500 شخص، أي ضعف التقديرات الصادرة نهاية يناير الماضي.  
ويوضح تقرير لمركز "مشروع مكافحة التطرف" أن داعش "نفذ بشكل مؤكد ما لا يقل عن 69 هجوما في وسط سوريا خلال شهر مارس الماضي".

وتسببت هذه الهجمات في مقتل ما لا يقل عن 84 جنديا في النظام السوري و44 مدنيا، وهو أكثر من ضعف العدد الإجمالي لعمليات داعش المؤكدة خلال عام 2024.

وأشار "مشروع مكافحة التطرف" إلى أن شهر مارس "كان الأكثر عنفا في تمرد داعش في البادية (وسط سوريا) منذ أواخر عام 2017، حينما فقد التنظيم السيطرة على مناطق استولى عليها".

وتابع التقرير: "خلايا داعش استهدفت بنجاح وباستمرار مواقع النظام، ونصبت كمائن وأسرت جنودا وأعدمتهم بشكل متكرر".

ويشرح الباحث سعد الشارع أن أن قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية مجبرة على التحرك على طرقات البادية السورية، لأنها الشريان الوحيد الذي يربط مناطق نفوذها مع الشرق.

ورغم أنها تحاول التحرك بأرتال وبقطع تسمح لها تأمين الحماية تكون هجمات داعش في الغالب "مدروسة وتستند إلى خبرته الطويلة في المنطقة"، حسب الباحث.

ويشير الباحث عرابي إلى أن "داعش في حالة تطوير مستمرة على صعيد الكمائن والمصائد" على عكس قوات النظام السوري.

ويوضح أن الطبيعة الجغرافية للبادية وتضاريسها الصعبة تجعل من الصعب "إنهاء التنظيم أو دفعه لإيقاف الهجمات".
ويؤكد على ذلك الباحث الشارع، حيث يقول إن الحملات التي شنتها قوات الأسد وروسيا في المنطقة "لم تنجح في تحييد داعش عن الطرقات الرئيسية".

وبينما يشير إلى مقتل عنصرين من القوات الروسية في إحدى عمليات الإنزال الجوية ضمن حملة "الصحراء البيضاء" يضيف أن ما أقدمت عليه موسكو "أبعد داعش عن بعض المناطق لأيام.. وبعد ذهاب الطيران من الأجواء سرعان ما عاد إلى مناطقه".