FILE - In this April 19, 2020 photo file photo, shows a large refugee camp on the Syrian side of the border with Turkey, near…
تبسط تركيا ووكلاؤها النفوذ على الحدود الشمالية من البلاد

قال معهد واشنطن إن النظام السوري استسلم للوجود الأجنبي على أراضيه الذي يبدو أنه سيكون دائما، وذلك بعدما تنازل عن السيطرة على حدوده ومجاله الجوي إلى جهات مختلفة.

وقال فابريس بالونش، وهو زميل زائر في معهد واشنطن، إن الوضع على الحدود السورية على الأقل لم يتغير، خلال العامين الماضيين.  

ويأتي ذلك الوضع في الوقت الذي تعارض فيه روسيا وشريكيها في محادثات آستانة للسلام (إيران وتركيا) أي جهود رسمية لتقسيم البلاد أو ترسيخ وجود كيان كردي منفصل في الشمال. 

ويقول بالونش إن "المشاكل التي أعقبت تقسيم السودان شككت صانعي السياسة الغربيين بشأن جدوى مثل هذا الحل في سوريا". 

وبدأت روسيا وإيران وتركيا إجراء محادثات منتظمة بشأن الصراع الدائر في سوريا في آستانة، عاصمة قازاخستان، بداية عام 2017.

ويرى زميل معهد واشنطن أنه رغم الاحتمالات الدولية المجهضة للتقسيم فإن القوى الخارجية تتقاسم البلاد بشكل غير رسمي عبر "مناطق نفوذ متعددة والسيطرة من جانب واحد على معظم حدودها، وبالتالي حرمان النظام السوري من أداة رئيسية للسيادة".

وحاليا تسيطر قوات النظام على ثلثي الأراضي السورية، بما في ذلك جميع المدن الرئيسية (دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودرعا ودير الزور)، وتحكم 12 مليون شخص من أصل 17 مليونا؛ هم المقيمين داخل الدولة، بينما لا يزال سبعة ملايين سوري يعيشون في الخارج كلاجئين. 

وكانت قوات النظام تسيطر على خمس مساحة البلاد فقط في ربيع 2013.

ومع ذلك فإن سيطرة النظام السوري تتلاشى على الحدود التي تعد رمزا قويا لسيادة الدولة. وقال بالونش إن الجيش السوري يسيطر على 15 في المئة فقط من الحدود البرية الدولية للبلاد، بينما تنقسم المساحة المتبقية بين جهات أجنبية.

وأضاف "يسيطر حزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى، المدعومة من إيران، حاليا، على حوالي 20 في المئة من حدود البلاد". 

ورغم أن سلطات الجمارك السورية هي المسؤولة رسميا عن المعابر مع العراق (البوكمال) والأردن (نصيب) ولبنان (العريضة والجديدة والجوسية والدبوسية)، تكمن السيطرة الحقيقية في أماكن أخرى، كما يقول الزميل الزائر في معهد واشنطن. 

وتابع "يسيطر حزب الله على الحدود اللبنانية، وأقام قواعده على الجانب السوري (الزبداني والقصير) التي يسيطر منها على منطقة القلمون الجبلية. وبالمثل، تدير الميليشيات الشيعية العراقية كلا جانبي حدودها من البوكمال إلى التنف". 

وبحسب بالونش، فإن قبضة القوات الموالية لإيران تمتد أيضا إلى العديد من المطارات العسكرية السورية، وهي غالبا وسيلة لنقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله ووخط المواجهة مع إسرائيل في مرتفعات الجولان، على حد قوله. 

وعلق بالونش قائلا: "هذا الوضع يكشف اندماج سوريا الكامل في المحور الإيراني".

أما في الشمال، حيث تبسط تركيا ووكلاؤها النفوذ، يقول بالونش: "في عام 2013، بدأت تركيا بناء جدار حدودي في منطقة القامشلي، معقل الأكراد السوريين. ومنذ ذلك الحين وسعت هذا الحاجز على طول الحدود الشمالية بأكملها". 

كان أحد الأهداف منع تسلل عناصر حزب العمال الكردستاني، المحظور في تركيا، والذي يعد المنظمة الأم للفصائل الكردية التي تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال سوريا.

كما كان الهدف الآخر هو منع تدفق المزيد من اللاجئين السوريين إلى تركيا التي تستضيف بالفعل 3.6 مليون، وفقا لبالونش.

الجزء الوحيد من الحدود الشمالية الخاضعة لسيطرة النظام السوري هو معبر كسب شمال اللاذقية، وحتى هذا تم إغلاقه من الجانب التركي منذ عام 2012. 

ومن كسب إلى أقصى الحدود الشرقية، يتم السيطرة على الحدود السورية على النحو التالي:

خربة الجوز من قبل تركمان موالين لتركيا 

المنطقة بين جسر الشغور وباب الهوى من قبل هيئة تحرير الشام 

نهر الفرات من قبل ما يعرف بـ"الجيش الوطني السوري" الموالي لتركيا 

كوباني من قبل الجيش الروسي وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد

المنطقة بين تل أبيض ورأس العين بواسطة الجيش الوطني السوري 

من رأس العين حتى نهر دجلة من قبل الجيش الروسي وقوات سوريا الديمقراطية 

بالإضافة إلى ذلك، فشل النظام أيضا في إعادة بسط سيطرته على سماء سوريا ومياهها الإقليمية. وتخضع مناطقها البحرية لمراقبة القاعدة الروسية في طرطوس، ويتم التحكم في معظم مجالها الجوي من القاعدة الروسية في حميميم. 

كما تعتمد إيران على الأصول الجوية لموسكو للحماية من الضربات الإسرائيلية "وهي ضمانة محدودة"، كما يقول بالونش لأن روسيا لا تحمي أنشطة طهران الأكثر استفزازا مثل نقل الصواريخ إلى حزب الله أو تعزيز مواقعها في الجولان. 

أما الولايات المتحدة فهي تحتفظ بممر جوي بين نهر الخابور والحدود العراقية، حيث توجد آخر قواتها البرية.

سوريا

"وما زال الليل سكوت وبعدك بتحنّ/ إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام"، تقول السيدة فيروز في حوار غنائي مع نصري شمس الدين في إحدى مسرحيات الأخوين رحباني. 

تحمل هذه العبارة، إلى القرب الجغرافي بين بيروت ودمشق، إشارات إلى التقارب الثقافي بين المدينتين، لجهة الليل والسهر والغناء.

مايا عمّار، الناشطة النسوية اللبنانية شعرت بهذا التقارب الثقافي، حينما زارت الشام بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد، وسهرت مع أصدقائها في مطاعم دمشق حيث الغناء والموسيقى. بدا كل شيء مبشرا، كما تتذكر عمّار، وشعرت، حتى مع تواجد المسلحين في الشوارع، بالأمان والأمل. 

كان الناس، على ما تصف عمار، يعبّرون عن فرحهم بسقوط الطاغية كلّ بأسلوبه، وكان الفرح يوحدهم، ولم يكن هناك خوف بعد أن سقط مصدر الخوف الأساسي، وهو نظام الأسد.

اليوم تتابع مايا ما يحدث في دمشق من قيام مسلحين بمداهمة نوادٍ ليلية وأماكن سهر، وإقدامهم على ضرب الناس بالسياط. وتشعر بقلق كبير. 

الشرع أم الجولاني؟
لم يكن مشهد مديرة مدرسة عمر بن الخطاب وهي تعبر بارتباك عن فرحتها بضيفها قائد معركة "ردع العدوان" أحمد الشرع -المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني- أمراً عادياً. فبعد أن أصرّت عليه أن يأخذ ما تبقى من حلوى "الملبس" الشهيرة والتي تُوزَّع في احتفالات المولد النبوي الشريف في دمشق، طلب منها التقاط صورة تذكارية خرجت للعلن في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2024 لتثير موجة عارمة في الشارع السوري.

تقول لموقع "الحرة": "شعرت بأنني كنت محظوظة بأنني حظيتُ بفرصة عيش هذه المقولة (إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام)، كانت التجربة لذيذة وشعرت أنني يجب أن ألتقط هذه اللحظة من الفرح قبل أن تسلب منا ونعود إلى زمن الخسارات. وبالفعل حدث ما كنت أخشاه".

تشهد العاصمة دمشق منذ فترة حوادث متفرقة، تقلق ناشطي حقوق الإنسان. بعض هذه الحوادث يتخذ طابعاً فردياً، وبعضها يبدو ممنهجاً لجهة تورط جماعات مسلحة فيه.

قبل أيام، جرى توقيف ناشط برفقة خطيبته، لأنه لم يكن يحمل أوراقاً تثبت ارتباطه بها. وهي حادثة تضاف إلى حوادث أخرى يعتبرها كثيرون استهدافاً للحريات الفردية، وتثير تساؤلات عن احترام حقوق الانسان.

ما حدث في دمشق بعضه موثق بمقاطع فيديو مأخوذة من كاميرات المراقبة، تظهر مسلحين وهم يطردون بالسياط مواطنين في ملهى ليلي في العاصمة السورية.

وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان الحادثتين، وأشار إلى أن ملهى "الكروان" الشهير، شهد هجوماً مسلحاً، بعد اقتحامه من مسلحين أطلقوا النار بشكل عشوائي من أسلحة رشاشة، ما أدى إلى مقتل راقصة وإصابة عدد من الأشخاص.

وقد شهدت العاصمة السورية هجومين مسلحين من هذا النوع على ملهيين ليليين خلال أسبوع واحد، ما أثار مخاوف من تزايد القيود على الحريات الشخصية في ظل الإدارة الانتقالية الجديدة.

وأعلنت وزارة الداخلية أنها حددت هوية المسلحين المتورطين في الحادث وألقت القبض عليهم.

وتمكنت رويترز من التأكد من موقع اللقطات من اللافتات والأرضيات والمحلات التجارية، والتي تطابقت مع صور الأرشيف.

وبحسب الوكالة، منذ الإطاحة ببشار الأسد على يد المتمردين الإسلاميين، استمرت العديد من الحانات في دمشق في العمل، على الرغم من توقف بعضها عن تقديم الكحول.

أثارت هذه الهجمات قلقًا من احتمال فرض قيود متزايدة على الحريات الفردية من قبل السلطة الانتقالية، خصوصاً بعد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في اشتباكات وهجمات مسلحة على مناطق الأقليات أدت إلى سقوط مئات الضحايا في الساحل السوري حيث الأقلية العلوية، وفي مناطق جرمانا وصحنايا حيث تتواجد أقلية درزية جنوبي العاصمة دمشق.

وقد دعت السفيرة الأميركية المؤقتة لدى الأمم المتحدة، دوروثي شيا، إلى "محاسبة جميع مرتكبي أعمال العنف الأخيرة في سوريا ولا سيما من يتولون مناصب قيادية أو يتمتعون بصفة بارزة".

وعلى الرغم من استمرار بعض الفعاليات الليلية في مناطق أخرى من دمشق، جعف تكرار الهجمات ارتياد أماكن السهر مصدر قلق للسكان.

الصحفية السورية مناهل السهوي تشرح لموقع "الحرة" أن هناك "مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن السلطة إما غير قادرة على ضبط عناصرها أو أنها متواطئة معهم. فمن غير المنطقي أن تتجول مجموعة مسلحة في وسط العاصمة، قرب مبنى المحافظة، بأسلحتها وبهذه الحرية، من دون أن يعترضها أحد. يُفترض أن السلاح الخارج عن سيطرة الدولة قد تم جمعه، لا سيما في دمشق".

من الصعب، بحسب السهوي، تجاهل التوجهات العقائدية لبعض القادة في الحكومة الحالية، "فكثير منهم مصنفون على قوائم الإرهاب أو خاضعون لعقوبات أميركية". 

وتضيف السهوي: "تاريخ هؤلاء يشير بوضوح إلى عدائهم للحريات الفردية. وحتى إن كان الرئيس المؤقت أحمد الشرع، يبدو منفتحاً، فلا ضمانة بأن جميع المسؤولين المحيطين به يتبنون التوجه نفسه".

بالنسبة إلى السهوي، فإن العنف قد يفرض وقائع على الأرض، "لكن في الوقت نفسه هناك رفض واسع للتشدد داخل المجتمع في الشام". 

من الناحية الثقافية والاجتماعية، تعتقد السهوي أنه من الصعب أن ينجح هذا التوجه، "فدمشق تحديداً مدينة ذات تاريخ طويل من التنوع والانفتاح، وتحتضن شرائح مجتمعية متباينة في المعتقدات وأنماط الحياة". 

"المجتمع الدمشقي عموماً يملك حساسية عالية تجاه فرض أنماط متشددة. حتى إن سُكِت عن التشدد بفعل الخوف أو العنف، فلن يكون ذلك قبولاً فعلياً، بل مجرد تعايش مؤقت مع واقع مفروض"، تضيف.