This picture shows the empty chair of the Syrian Arab Republic during the 29th Summit of the Arab League at the Ithra center in…
جامعة الدول العربية علقت عضوية سوريا في نوفمبر 2011

في أول زيارة له إلى دولة عربية بعد توليه منصب وزير الخارجية السوري، وصل فيصل المقداد إلى عُمان. ولم يتضح ما إذا كانت جولة المقداد ستتوقف على السلطنة فقط أم ستمدد لتشمل دولا خليجية أخرى كانت تتبنى موقفا مشددا حيال نظام بشار الأسد، لكنها تدعو مؤخرا لضرورة عودة دمشق إلى "الحاضنة العربية".

ويرى خبراء أن التغير في مواقف بعض الدول العربية من النظام السوري تهدف إلى مزاحمة إيران وتركيا وروسيا في مرحلة ما بعد الحرب. إلا أن المصلحة الأساسية، والمتمثلة في تحقيق شيء من التوازن، مفقودة الآن.

ويقول مهند الحاج علي، الباحث بمعهد كارنيغي الشرق الأوسط لموقع "الحرة"، إن النظام السوري نفسه لا يرغب في إدامة الواقع الحالي، مشيرا إلى اختلال في التوازن لمصلحة إيران وروسيا وتركيا.

وأسفرت عشر سنوات من الحرب في سوريا عن مقتل أكثر من 387 ألف شخص، واعتقال عشرات الآلاف، ودمار البنى التحتية، واستنزاف الاقتصاد، ونزوح وتشريد أكثر من نصف سكان سوريا.

ولم يعكس الموقف العُماني تجاه الأزمة السورية الديناميكيات الإقليمية المتغيرة بنفس القدر الذي عكسه الموقفان السعودي والإماراتي. 

فالسعودية التي نددت وزارة خارجيتها في 2014 باستمرار روسيا في دعمها لنظام الرئيس السوري، بشار الأسد، واصفة هذا الدعم بأنه "مثار الاستغراب والدهشة"، وأنه أحد الأسباب التي تشجع نظام دمشق على "التمادي في غيه وطغيانه"، تغير موقفها في 2021.

ومؤخرا، بحث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في الرياض، مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الجهود الرامية للتسوية السياسية في سوريا.

ولي العهد السعودي ووزير الخارجية الروسي خلال لقائهما في الرياض

وقال وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، خلال مؤتمر صحفي، مع لافروف، قبل نحو أسبوعين: "المملكة منذ بداية الأزمة تدعو إلى إيجاد حل لها، وحريصة على التنسيق مع جميع الأطراف بما فيهم الأصدقاء الروس فيما يتعلق بإيجاد سبيل لإيقاف النزيف الحاصل في بلد شقيق علينا ومهم لنا (...) هذا البلد يستحق أن يعود إلى حضنه العربي".

أما الإمارات التي دعمت المعارضة السورية خلال السنوات الأولى من الحرب وفي نفس الوقت استضافت بعضا من أفراد عائلة الأسد على أراضيها، فقد أعادت، وإلى جانبها البحرين، فتح سفارتها في العاصمة السورية في ديسمبر 2018.

وفي مارس الماضي، أجرى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد اتصالا هاتفيا، بالأسد، هو الأول منذ اندلاع الصراع في سوريا عام 2011.

رهان خاطئ 

وعن هذا التحول في الموقف، تحدث مهند الحاج علي، قائلا إن هناك اهتمام بإعادة تعويم النظام السوري، مرجعا ذلك إلى سببين.

الأول هو الاصطفاف في مواجهة الإخوان المسلمين وتركيا وقطر، "نظرا لتاريخ النظام السوري في مواجهة هذه القوى"، مستشهدا بأن "النظام واجه حركة حماس (التي تتبنى فكر الإخوان)، وما زال يرفض التصالح معها بأي ثمن"، بعدما رفضت دعم الأسد في الحرب الأهلية.

وتحتفظ تركيا بعلاقات طيبة مع قطر في وقت تضررت علاقاتها بدول عربية أخرى بارزة. وقدمت أنقرة والدوحة الدعم لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، ودعمتا مقاتلين يحاربون للإطاحة بالأسد.

أما السبب الثاني الذي تحدث عنه الحاج علي، يتعلق بإمكانية "لعب النظام دورا في التخفيف من التمدد الإيراني في سوريا"، قائلا إن الوجود العربي يُعيد التوازن إلى دمشق.

لكنه لا يعتقد أن "أحدا يقدر على لعب دور بشكل يسمح للنظام السوري بإيجاد توازن في علاقاته مع إيران (...) الرهان على انحسار كبير لدور إيران في سوريا، خاطئ وغير واقعي خلال المرحلة المقبلة".

ومؤخرا انتقد وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي عبد الله بن زايد العقوبات الأميركية، المعروفة باسم قانون قيصر، قائلا إنها تعرقل عودة سوريا إلى الساحة العربية، والتي يمكن أن تسهم في تسوية الصراع السوري.

وفي يونيو 2020، أعلنت الولايات المتحدة أشد عقوبات أميركية على سوريا، "قانون قيصر"، وهي عقوبات توسع من سلطة مصادرة أرصدة كل من يتعامل مع سوريا بغض النظر عن جنسيته، وتشمل قطاعات من التشييد والبناء إلى الطاقة.

و"قيصر" هو الاسم المستعار لمصور سابق في الجيش السوري خاطر بالفرار عام 2014 من البلاد، وبحوزته 55 ألف صورة لأعمال وحشية ارتكبت في سجون النظام السوري.

"نظام لا يقدم شيئا"

وفي هذا السياق، قال حاج علي: "ثمن إعادة تعويم النظام اقتصاديا أكبر بكثير من طاقة الدول العربية، نظرا للعقوبات الأميركية والأوروبية في هذا المجال".

وبحسب  الباحث بمعهد كارنيغي، فإن العائق الأساسي أمام عودة سوريا للحاضنة العربية، هي "العقوبات واحتمال تأثيرها على من يتعامل مع النظام".

وأضاف "أي دور عربي، وتحديدا في المجالين السياسي والاقتصادي، قادر على المساعدة. أي دور عربي في إعادة الإعمار أو مساعدة النظام السوري على تخطي أزمة سعر صرف الدولار سيُعيد بعض التوازن إليه، ويُخفف من النفوذ الإيراني".

وبالتزامن مع هذا التغير الديناميكي، عقد كبار المسؤولون في وزارات الخارجية في أربع دول عربية (السعودية، الإمارات، مصر والأردن) اجتماعا تشاوريا لبحث سبل تسوية الأزمة، "وصون عروبة سوريا، ومقدرات الشعب السوري الشقيق".

بيان صحفى ——- عقدت مصر والسعودية والإمارات والأردن اجتماعاً تشاورياً اليوم على مستوى كبار المسئولين فى وزارات الخارجية...

Posted by ‎الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية‎ on Thursday, November 26, 2020

لم تتضح ماهية السبل التي يبحثها العرب لتسوية الأزمة، لكن الخارجية المصرية قالت إن السبل تتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2254 بما يحفظ وحدة سوريا وسلامة أراضيها.

وينص قرار مجلس الأمن الرقم 2254 الذي أقر في ديسمبر 2015 على مراجعة الدستور، وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

وفي سبتمبر 2019، تشكلت اللجنة الدستورية المكلفة بمراجعة دستور عام 2012، وعقدت أول اجتماعاتها بعد شهر من ذلك في جنيف بحضور 150 شخصا، لكنها لم تحقق شيئا حتى الآن.

ويقول جمال عبد الجواد، عضو الهيئة الاستشارية للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، لموقع "الحرة": "النظام السوري لم يقترح خطوات على الأطراف الأخرى، رغم أن بعضا من الدول أعادت العلاقات معه وفتح السفارات، واستقبلت مسؤوليه السياسيين".

ووفقا لعبد الجواد، فإن "النظام السوري لم يقدم شيئا، وأعتقد أن هذا ما تتناوله المفاوضات العربية".

دعا بعض الدول العربية بإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية

وفي اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي انعقد بداية هذا الشهر، نادى البعض بإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية التي علقت عضويتها في نوفمبر 2011 بينما قطعت عدة دول العلاقات الدبلوماسية مع سوريا.

ويعتبر عبد الجواد المباحثات العربية بشأن إعادة عضوية سوريا إلى الجامعة "قضية رئيسية جدا".

وقال إن المباحثات تتطرق إلى النظر في طريقة عودة سوريا، وما إذا كانت ستشمل اتفاقا يضم الفرقاء، ويسفر عن نظام سياسي يختلف قليلا عن الحالي، مما يسمح بعودتها للجامعة.

ووفقا لعبد الجواد، فإن "الجميع يتطلع للفترة المقبلة، بالنظر إلى أعمال اللجنة الدستورية، واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية" التي يجب أن تعقد بين 16 أبريل و16 مايو 2021، وفقا لقانون الانتخابات. 

ومضى يقول: "الإقليم يتغير الآن في جميع الاتجاهات؛ دول الخليج وتركيا ومصر، للتوائم مع قضايا المنطقة، وفي هذا السياق يتم النظر إلى الأزمة السورية".

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

من المتوقع أن يكون إسقاط العقوبات الأميركية عن سوريا بداية عهد جديد للاقتصاد الذي دمرته الحرب على مدى 13 عاما، وأن يفسح الطريق أمام تدفقات الاستثمارات من السوريين في الخارج ومن تركيا ودول في الخليج تدعم الحكومة الجديدة.

وقال رجال أعمال ووزير المالية السوري ومحللون لرويترز إنهم يتوقعون تدفق رؤوس الأموال إلى الاقتصاد المتعطش لها بمجرد إسقاط العقوبات وفق إعلان الرئيس دونالد ترامب المفاجئ، على الرغم من تحديات كثيرة ما زالت تواجه الدولة المنقسمة بشدة.

وقال رجل الأعمال السوري الملياردير غسان عبود لرويترز إنه يضع خططا للاستثمار، ويتوقع أن هناك سوريين آخرين لهم علاقات تجارية دولية يفكرون في ذلك أيضا.

وأضاف الرجل الذي يعيش في الإمارات "كانوا خائفين من القدوم والعمل في سوريا بسبب مخاطر العقوبات... هذا سيختفي تماما الآن".

ومضى يقول "أُخطط بالطبع لدخول السوق لسببين: (أولا) أريد مساعدة البلاد على التعافي بأي طريقة ممكنة، وثانيا، هناك أرض خصبة: فأي بذرة توضع اليوم قد تدر هامش ربح جيدا". وعرض عبود خطة بمليارات الدولارات لدعم الفن والثقافة والتعليم في سوريا.

وقد يعيد رفع العقوبات تشكيل الاقتصاد جذريا في مسار جديد لحكام سوريا الجدد الذين اتبعوا سياسات السوق الحرة وابتعدوا عن نموذج تخطيط الدولة الذي اتبعته عائلة الأسد في خمسة عقود من حكمها.

وفرضت الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى عقوبات صارمة على سوريا في أثناء الحرب التي اندلعت بسبب الاحتجاجات ضد حكم بشار الأسد في 2011.

وأبقت واشنطن على هذه العقوبات بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق في ديسمبر، بينما كانت تصوغ سياستها تجاه سوريا وتراقب تصرفات الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وهو قيادي سابق في تنظيم القاعدة.

وحثت السعودية وتركيا اللتان تدعمان حكومة الشرع واشنطن على إسقاط العقوبات. وقال وزير الخارجية السعودي الأربعاء إن فرص الاستثمار ستكثر بمجرد حدوث ذلك.

وفي خطاب أُذيع على التلفزيون في وقت متأخر من مساء الأربعاء، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رفع العقوبات عن سوريا قرار تاريخي شجاع، مؤكدا التزام سوريا بتعزيز المناخ الاستثماري.

وأضاف "نرحب بجميع المستثمرين من أبناء الوطن في الداخل والخارج ومن الأشقاء العرب والأتراك والأصدقاء حول العالم وندعوهم للاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف القطاعات".

وترك الصراع مناطق حضرية كثيرة أنقاضا وقتل مئات الآلاف من الأشخاص. وتقول وكالات الأمم المتحدة إن أكثر من 90 بالمئة من السوريين البالغ عددهم 23 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

ويقول تيموثي آش، المحلل الاستراتيجي البارز للأصول السيادية في الأسواق الناشئة في شركة "آر.بي.سي بلوباي" لإدارة الأصول "هناك فرصة حقيقية لإحداث تغيير جذري في سوريا والمنطقة الأوسع".

وقال أونور جنش، الرئيس التنفيذي لمجموعة "بي.بي.في.إيه" المالية العالمية التي تضم مصرف غرانتي، ثاني أكبر بنك خاص في تركيا، إن الشركات والبنوك التركية من المتوقع أن تستفيد من إسقاط العقوبات.

وأضاف لرويترز "بالنسبة لتركيا، سيكون الأمر إيجابيا لأن هناك حاجة إلى عمليات إعادة إعمار كثيرة في سوريا. من يفعل هذا؟ الشركات التركية".

ومضى يقول "سيسمح إسقاط العقوبات للشركات التركية بالذهاب إلى هناك الآن بشكل أفضل بكثير، وستتمكن البنوك التركية من تمويلها، وهذا سيدعم الأمر".

ودعمت تركيا قوات المعارضة السورية في أثناء الحرب التي دمرت اقتصادا متنوعا ومنتجا.

وأظهرت بيانات سورية رسمية أوردها البنك الدولي في عام 2024 أن الاقتصاد السوري انخفض إلى أكثر من النصف بين عامي 2010 و2021. لكن البنك قال إن هذا على الأرجح أقل من الواقع.

فرص في كل المجالات

ارتفعت قيمة الليرة السورية منذ إعلان ترامب.

وقال متداولون إن العملة تراوحت بين 9000 و9500 مقابل الدولار يوم الأربعاء، مقارنة مع 12600 في وقت سابق من هذا الأسبوع. وقبل الحرب في عام 2011، كان الدولار يعادل 47 ليرة سورية.

وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية لرويترز إن مستثمرين من الإمارات والكويت والسعودية ودول أخرى، قدموا ستفسارات عن الاستثمار.

وأضاف برنية لرويترز "سوريا اليوم هي أرض الفرص، وهناك إمكانات كامنة هائلة في جميع القطاعات، من الزراعة إلى النفط والسياحة والبنية التحتية والنقل".

وقال "ندعو جميع المستثمرين إلى اغتنام هذه الفرصة".

ووصف كرم بشارة، المدير العام لبنك (شهبا بنك) وهو يشاهد في مكتبه بدمشق لقطات من اجتماع ترامب مع الشرع في الرياض يوم الأربعاء، الحماس الذي يسود مجتمع الأعمال قائلا "إنه رائع بشكل يفوق التصور".

وقال "نحن على المسار الصحيح الآن على الصعيد الدولي ما لم يحدث شيء في سوريا يعرقل العملية".

وما زالت الأوضاع في سوريا هشة. فبعض الجماعات المسلحة لم تسلم أسلحتها للحكومة بعد، ومطالب الحكم الذاتي من الأكراد نقطة خلاف، والعنف الطائفي جعل الأقليات تخشى من حكم الشرع رغم وعوده بتوفير الحماية والحكم بطريقة تشمل جميع الأطياف. 

وتعارض إسرائيل الشرع وتقول إنه ما زال من المتشددين. وقصفت إسرائيل سوريا مرات كثيرة.

وقال جهاد يازجي، وهو صحفي ومؤسس ورئيس تحرير "التقرير السوري" الإخباري الاقتصادي على الإنترنت، إن قرار الولايات المتحدة يمثل تحولا جذريا لأنه نقل "رسالة سياسية قوية جدا" وفتح الطريق أمام عودة التكامل مع الخليج والمنظمات المالية الدولية والعدد الكبير من السوريين في الغرب.

وقال المستثمر اللبناني عماد الخطيب إنه يعجل بخططه للاستثمار في سوريا بعد إعلان ترامب.

وتعاون الخطيب مع شركاء لبنانيين وسوريين في إجراء دراسة جدوى لإقامة مصنع لفرز النفايات في دمشق بقيمة 200 مليون دولار قبل شهرين. وأرسل في صباح الأربعاء فريقا من المتخصصين إلى سوريا لبدء التحضيرات".

وقال "هذه هي الخطوة الأولى... وستتبعها خطوات أكبر إن شاء الله. وسنعمل بالتأكيد على جذب مستثمرين جدد لأن سوريا أكبر بكثير من لبنان".