كشفت وثيقة مسربة، حصلت عليها صحيفة الشرق الأوسط، عن خطة أردنية لتشجيع عمليات تطبيع عربية واسعة مع سوريا تحت حكم الرئيس بشار الأسد المتهم بارتكاب مجازر بشعة ضد شعبه.
وتركز الخطة على خروج جميع القوات الأجنبية من البلاد بما فيها الروسية والأميركية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية وعودة اللاجئين والإفراج عن المعتقلين.
وبحسب الصحيفة، تشكل هذه الوثيقة، التي سُميت "لا ورقة" ولا تتضمن جدولا زمنيا، أساس الخطوات التي تقوم بها الدول العربية وسوريا لتطبيع العلاقات.
وفي رد على استفسارات موقع الحرة، قال المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، جيمس جيفري "إنه تحدث مع الأردنيين حول خطتهم العامة بشأن سوريا، وكانت مشابهة لما جاء في الوثيقة" التي نشرتها صحيفة الشرق الأوسط.
تواصل موقع "الحرة" مع الديوان الملكي الأردني للتعليق، فحولنا إلى وزارة الخارجية، لكنها لم ترد بعد على استفساراتنا.
"منطقية وطموحة"
ولم يستعبد رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق، جواد العناني، أن يكون ما جاء في هذه الوثيقة "منطقيا وواقعيا"، وهناك شواهد كثيرة تشير إلى إمكانية تحقيقه على الأرض، بحسب قوله.
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات، عبد الخالق عبد الله، إن بنود الوثيقة تنطوي على قدر كبير من المصداقية؛ "لأنه لا يمكن التصالح مع النظام السوري مجانا، وإنما يأتي وفق خطة زمنية وخارطة طريق".
في المقابل، شكك الباحث السياسي التركي، مهند حافظ أوغلو بـ"واقعية" الوثيقة بما تتضمنته من" إخراج للقوات الأجنبية من سوريا".
وقال أوغلو في تصريحات لموقع "الحرة": "الحديث غير واقعي وليس عمليا لأنه لا يستند إلى تفاهمات ولا تصريحات رسمية، ولا الواقع يؤيده. ما يجري الآن يثبت مزيدا من التعقيدات والمشكلات، وعدم اتحاد الرؤى".
ويذهب عضو الهيئة العامة في "الائتلاف الوطني" السوري المعارض، زكريا ملاحفجي، إلى أن "التقرير هو تسريب لا قيمة له وليس له معنى"، ومجرد "حالة تبريرية لمسألة التطبيع مع النظام السوري". وقال إن هذا "كله يدور في دائرة من الوهم" بالإشارة إلى مضمون الوثيقة وهدفها.
المحلل السياسي السوري المقيم في دمشق، علاء الأصفري، أشار من ناحيته، إلى أن "المزاج في دمشق واضح بأننا مع الانفتاح العربي السوري والعربي العربي مع سوريا بدون أي نوع من الشروط. دائما سوريا متوازنة ولا تؤمن بوثائق سرية من تحت الطاولة".
خروج القوات الأجنبية
وتضمنت الوثيقة استراتيجية "خطوة مقابل خطوة" للوصول إلى تطبيع العلاقات بين دمشق والدول العربية، وركزت على انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا بما فيها القوات الأميركية والروسية والإيرانية، بالإضافة إلى ضمان وصول المساعدات الدولية والإفراج عن المعتقلين وعودة اللاجئين، ومشاركة النظام الفعالة في لجنة إصلاح الدستور، وتأكيد الحرب على داعش والإرهاب.
في مقابل هذه الخطوات، توافق دول عربية وغربية على التخفيف التدريجي للعقوبات المفروضة على سوريا، بما في ذلك تسهيل تجارة السلع مع أطراف ثالثة، ورفع العقوبات عن القطاعات العامة السورية، بما في ذلك البنك المركزي، والكيانات الحكومية، والمسؤولون الحكوميون، وإعادة فتح البعثات الدبلوماسية.
عن مدى إمكانية تطبيق هذه البنود في الواقع، يرى مدير مركز نما للدراسات الاستراتيجية في الأردن، فارس بريزات أن إيران ستعارض ما ورد في هذه الوثيقة وستقاومه بشدة ولن تقبل بها، لأنها ترفض خسارة الساحات التي يوجد لها فيه نفوذ.
وتوقع بريزات خروج روسيا والولايات المتحدة من سوريا إذا ضمنت الدولتان الحفاظ على مصالحهما في المنطقة.
لكن رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق استبعد إمكانية خروج القوات الأجنبية من البلاد، وقال من الصعب خروج القوات الروسية في المنظور القريب، وبالتالي لن تخرج القوات الأميركية.
وتابع أن القوات التركية "يمكن أن تخرج في حالة وصول القوات الكردية إلى اتفاق مع النظام السوري وتوقف الهجمات الكردية على تركيا".
وبالنسبة لإيران، أكد العناني أن أحد أهداف التطبيع العربي والوثيقة هو تحييد نفوذ طهران في سوريا، وخروج القوات الإيرانية، وقال إنه يمكن تحقيق ذلك إذا حدثت انفراجه في عمليات مفاوضات إحياء الاتفاق النووي.
وقال عبد الخالق عبدالله إن "هذا المطلب عربي مشروع ويمكن تحقيقه، وإن لم يكن كليا الآن، فيمكن تحقيق 80% منه على الأرض". وأضاف أن "القوات الأجنبية يجب أن تنسحب وستنسحب"، مشيرا إلى "أنه في حالة وجود موقف عربي جماعي قوي مؤيد للنظام، يستطيع نظام بشار تحقيق هذا الهدف".
وتابع: "ليس المطلوب إحداث قطيعة بين إيران أو سوريا، فهي علاقات مشروعة، ولكن المطلوب الحد أو التقليل من النفوذ الإيراني في البلاد"، وقال: "المعادلة هي: بزيادة الحضور العربي سيتراجع النفوذ الإيراني".
وقال المحلل التركي إن وجود تركيا في سوريا "هي مسألة أمن قومي بسبب الحدود المشتركة الطويلة. في الشمال السوري الكثير من الأفكار والإيديولوجيات التي تهدد تركيا بشكل مباشر".
وأضاف: "لا الوجود الروسي يريد الخروج ولا الوجود الإيراني بحكم أنهما داعمان للنظام السوري. وجود النظام واستمراره مرتهن بهذين الجانبين".
وتابع: "الوجود التركي كذلك. لا يمكن أن تخرج القوات التركية من الأراضي السورية، لأن حل الملف السوري حتى اللحظة لم تتوضح المعالم فيه".
وطرح الباحث التركي في سياق حديثه تساؤلات: "على أي أساس يمكن أن تخرج القوات التركية؟ هل هناك خطوات عملية تضمن حماية الأمن القومي التركي أولا؟ هل هناك تفاهمات كبيرة ما بين الفاعلين الأساسيين في سوريا لكي يقال إنه سوف يتم إخراج القوات الأجنبية على غرار الملف الليبي؟".
موقف الولايات المتحدة
في المقابل، يقول الأصفري: "بالنسبة للحكومة السورية تنتفي الحاجة لوجود قوات دعم إيرانية استشارية في حال انكفئ الإرهاب من سوريا. عندما دخلت إيران بطلب من الحكومة الرسمية فذلك يرتبط بمحاربة الإرهاب وليس غير ذلك".
ويضيف المحلل السياسي: "لا أعتقد أن التطبيع مع العرب سوف ندفع ثمنه من علاقتنا مع إيران". ويتابع: "على العكس يمكن أن تلعب سوريا دورا جوهريا في إعادة العلاقات الرسمية بين دول الخليج قاطبة وإيران، لأن سوريا تمون بشكل كبير عليها".
ويعتقد الأصفري أن "هناك إشكالية في هذه الخطة" إذ لا تحدد كيفية انسحاب القوات الأجنبية من سوريا، "وكلنا نعرف بأن تركيا تدعم هذه الجماعات وخاصة في الشمال السوري، اعتقادا منها بأن لديها مشكلة في الأمن القومي التركي تكمن في وجود الأكراد الانفصاليين على حدودها. هذه مشكلة أخرى يجب أن تشمل هكذا نوع من الوثائق".
وتابع "يمكن أن يكون هناك انسحاب لكل القوات غير السورية في حال استتب الأمن وفي حال كافحنا الإرهاب بشكل دائم. لا يعقل أن نطلب من الدول التي ساندتها بالانسحاب وما زالت النصرة وداعش".
وعن الموقف الأميركي، قال جيمس جيفري: "ليس من الواضح ما الذي ستفعله هذه الإدارة. لكن سلوكها الفعلي وتفسيرها الواسع لإعفاءات قانون قيصر، وعدم الرد على الهجوم على قاعدة التنف، والموافقة على صفقة درعا المنهارة هذا الصيف، يدل أنها ستأخذ موقفا أكثر ليونة".
وأضاف جيفري في تصريحات لموقع "الحرة" أنه "لتحقيق هذه الوثيقة يتطلب تحديد الأسباب التي دفعت هذه القوى وخصوصا الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل إلى دخول سوريا، وحلها، مثل سلوك نظام الأسد، وقضية الأسلحة الكيميائية، والصواريخ الإيرانية وعودة اللاجئين، ومعالجة التخوفات التركية.
وأكد أنه بدون إيجاد حلول لكل هذه الأمور التي تتطلب تغييرات كبيرة في سياسات الأسد، ستوجد صعوبات كبيرة لتحقيقها.
والجمعة، حث وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، شركاء الولايات المتحدة على "تذكر ما اقترفه النظام السوري من جرائم ونشجعهم على عدم التطبيع معه".
تغير مواقف الدول العربية
لم تكن زيارة الوفد الرسمي الإماراتي برئاسة وزير الخارجية، عبدالله بن زايد، الثلاثاء، إلى دمشق هي أولى الخطوات التي تكسر عزلة نظام بشار الأسد في محيطه الإقليمي والعربي. فرغم أنها الزيارة الأولى منذ عشر سنوات، إلا أن مكالمة سبقتها بين ولي عهد أبوظبي ورئيس النظام السوري، في أغسطس الماضي.
وتواصل الأسد أيضا مع ملك الأردن، عبدالله الثاني، في أكتوبر الماضي، لأول مرة أيضا منذ عشر سنوات.
ولا يقتصر الأمر على مكالمات أو زيارات ضمت مسؤولين مصريين أيضا، على مدار السنوات القليلة الماضية. فقد شملت خطوات أخرى إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق عام 2018، وفتح معبر جابر الحدودي بين الأردن وسوريا، إضافة إلى استئناف الرحلات البرية والجوية بين البلدين.
كما رحب وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، في تصريحات الأربعاء، بزيارة وزير الخارجية الإماراتي. وقال: "نتمنى أن تساهم في تذليل العقبات وتقريب وجهات النظر". وأضاف: "آن الأوان لعودة سوريا إلى الجامعة العربية ومقعدها في الجامعة يجب أن يعود إليها".
وأعربت الخارجية الأميركية، الثلاثاء، عن قلقها إزاء هذه الزيارة. وقال المتحدث باسم الخارجية نيد برايس، في إيجازه الصحفي اليومي: "كما قلنا سابقاً إن هذه الإدارة (الأميركية) لن تعبر عن دعمها لأي جهود للتطبيع أو لتأهيل بشار الأسد الذي هو ديكتاتور متوحش".
من جانبه، قال وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الجمعة، إن بلاده لا تفكر في تطبيع العلاقات مع النظام السوري وتأمل في أن تحجم دول أخرى عن اتخاذ مزيد من الخطوات للتقارب مع حكومة الرئيس السوري بشار الأسد.
وأضاف "سيكون من قبيل التمني الاعتقاد بأن كل الدول في المنطقة ستتحد في ما يتعلق بالموقف من سوريا، لكن نأمل أن تحجم الدول عن اتخاذ مزيد من الخطوات صوب النظام السوري حتى لا (تتفاقم) معاناة الشعب السوري".
ويعتقد العناني أن كثيرا من الدول، وخاصة الخليجية، أصبحت تؤمن بصعوبة تغيير النظام السوري بعد 10 سنوات من الحرب، لذلك سيغيرون طريقتهم في التعامل معه في محاولة للحفاظ على وحدة التراب السوري.
وأشار إلى أن المصالح الغربية في المنطقة ممكن أن تدفعها فيما بعد لعملية التطبيع. وأكد أن الأردن هو من يقود محاولات إعادة سوريا للحضن العربي، وأن هذه التحركات ما كانت تتم بدون موافقة مع الولايات المتحدة.