التضامن
الفيديو الذي نشرته صحيفة "ذا غارديان" وثق عمليات القتل وهوية القتلة

أثار تحقيق "مجزرة التضامن" الذي نشرته صحيفة "الغارديان" أصداءً واسعة بين أوساط السوريين، وبينما تفاعل الكثيرون بصدمة وعجز مع هول المشاهد التي احتواها، أبدوا شعورا بـ"الخذلان"، مستبعدين أن "يتحرك" المجتمع الدولي لوقف انتهاكات نظام الأسد، أو حتى محاسبته عما فعله خلال 11 عاما.

وذلك الشعور بات سائدا لدى الكثيرين منهم، وارتبط بشكل أساسي بطريقة تعاطي المجتمع الدولي مع ملفات الانتهاك الكثيرة التي قدمت له موثّقة بالصور والشهادات، أولا "صور قيصر" الشهيرة، ومن ثم التوثيقات المتعلقة بقصف الغازات السامة على مناطق متفرقة في سوريا، وقصف البراميل المتفجرة.

وتعتبر مجزرة التضامن التي حصلت في 2013، وكشفها تحقيق الغارديان بالصور وأسماء ووجوه الجناة آخر التوثيقات المتعلقة بالانتهاكات التي ارتكبتها قوات النظام السوري ضد المناهضين للأسد في سوريا.

ورغم أنها ليست الأولى من نوعها، إلا أن الآلية التي سردت تفاصيلها توقف عندها الكثير من الحقوقيين، بداية من مشاهدها الصادمة ذات الدقة العالية وطريقة وصولها إلى معدي التحقيق في أوروبا، ومن ثم طريقة التواصل مع مرتكبي الفعل، واستجوابهم للاعتراف بطريقة غير مباشرة.

"هل تُنسى؟"

وقد شكّل "الخذلان" الذي يعبّر عنه سوريون مناهضون للنظام السوري منذ سنوات حالةً باتت تقلل من أثر أي انتهاك يكشف عنه، سواء على المستوى السياسي أو القضائي، والذي بات ينحصر بشكل أساسي في دول أوروبية، كألمانيا وغيرها.

وانتشرت الكثير من التعليقات، في اليومين الماضيين، وأشارت في معظمها إلى أن "مجزرة التضامن لن تسفر عن أي تحرك"، وستكون كسابقاتها من الانتهاكات الموثقّة دوليا. بمعنى أنها ستبقى حبرا على ورق، أو كتسجيلات مصورة من "ذاكرة جرائم الأسد".

وكانت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" وهي جهة حقوقية سورية قد وثقت الكثير من هذه الانتهاكات والجرائم، على مدى السنوات الماضية، حتى أنها باتت مرجعا لعدد من منظمات حقوق الإنسان الدولية.

وبينما يتفهم مديرها فضل عبد الغني أن هناك شعورا عاما بالخذلان، و"أننا عملنا على أكثر من موضوع ولم يأت بنتيجة"، سواء "صور قيصر" أو الأسلحة الكيماوية وحالات الإخفاء القسري، إلا أنه يرفض التوجه للقول: "إن وجود الشيء مثل عدمه".

ويوضح عبد الغني ذلك في حديث لموقع "الحرة": "لا نريد أن نصل إلى العدمية السياسية والعدمية غير الفاعلية. تحقيق مجزرة التضامن على مستوى عالٍ من الأهمية، وسيقدم الكثير من الأمور".

ويرى الحقوقي السوري أن "المستوى السياسي لتحقيق مجزرة التضامن أهم من المستوى القضائي"، معتبرا أن مسار القضاء محدود، وعبر الولاية القضائية العالمية.

في المقابل فهو "غير قادر على محاسبة الشخص أمجد يوسف. هو عنصر سخيف في ترتيب النظام وهناك أناس أشد منه إجراما. محاسبة عنصر واحد لا يقدم أي شيء"، وفق ذات المتحدث.

هل من قيمة مضافة؟

وبحسب ما أورد تحقيق الصحيفة البريطانية الذي أعده الباحثان أنصار شحّود وأوغور أوميت أونجور، العاملان في "مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية" في جامعة أمستردام فإن المنفذ الرئيسي للمجزرة في حي التضامن عام 2013 هو العنصر في مخابرات النظام "أمجد يوسف".

وكان يوسف يشغل بعد عام 2011 منصف صف ضابط "مُحقِّق"، في فرع المنطقة أو الفرع 227، وهو فرع تابع للأمن العسكري "شعبة المخابرات العسكرية".

وأظهر تسجيل مصور استعرضته "الغارديان" كيف كان "يوسف" يقتاد مع شخص آخر أناسا معصوبي العينين ومكبلي اليدين إلى شفا حفرة، ومن ثم يدفعهم إليها ويطلق النيران على رؤوسهم وأجسادهم.

وتحدث  مدير مركز العدالة والمساءلة الحقوقي ومقره واشنطن، محمد العبد الله، أنه وبعد قراءة تحقيق الغارديان "نستطيع أن نلاحظ أن الجاني أو الفاعل لا يزال داخل سوريا. أي هو شخص لا يوجد ضمن مدى يد العدالة حتى تطاله. ليس في أوروبا أو في دولة ستحاكمه بعدما فضحت هويته".

ويقول العبد الله، في حديث لموقع "الحرة"، : "لذلك ومع كل تقدير لمخاطرة المصدر بنفسه لإخراج الفيديو هناك تساؤل عن جدوى نشر الفيديو نفسه من زاوية العدالة؟".

ومن ناحية أولى فإن الفاعل وبعد انتشار التسجيل على نطاق واسع "سيعرف بأنه بات معروفا ولن يغادر سوريا، وعلى الأغلب سيخضع للتصفية لإخفاء الأدلة ودفن آثار الجريمة".

ويضيف العبد الله: "ثانيا ليس هناك فاعلين آخرين في أوروبا لتطالهم يد العدالة"، بمعنى وجود أشخاص على ارتباط معه في جريمة الحرب التي ارتكبها.

ويعتبر الحقوقي السوري أن "الجهود كبيرة لفضح هذا الانتهاك"، بينما يرغب بـ"تأطير ما حصل ضمن جهود المناصرة، بأن النظام السوري ارتكب جرائم لا نعرفها وهناك المزيد من الجرائم التي لم نسمع بها. فقط لأن مصادرها لم تنشرها ولم تخرج للعلن، وهذا ما يؤكد على ضرورة البحث عن المعتقلين والمفقودين".

"مفعول سياسي"

في غضون ذلك، يؤكد مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، على فكرة الأثر السياسي للتحقيق، والذي استمر العمل عليه قرابة 3 سنوات.

يقول عبد الغني: "الذي يقدمه أكثر هو سياسي. أي نفض اليد من النظام السوري البربري ذو التصرفات السادية. مفعوله السياسي هام، ويجب أن يتم الدفع في هذا الاتجاه، أولا بعدم التصالح مع النظام، وعدم الجدوى من بقائه في العصر الحالي".

ويضيف الحقوقي السوري أن الكشف عن "مجزرة التضامن" ستشكل أيضا "إحراجا سياسيا لأي يد تمد لمصافحة رأس النظام بشار الأسد وهو الذي يقود الجيش والقوات المسلحة التي تضم الأجهزة الأمنية".

"التحقيق أخذ زخما كبيرا ويستحقه، لأنه كشف هوية المجرم، وحصل على إدانة منه".

من جانبه، يشير العبد الله إلى أن قسم من الضحايا الذين ظهروا في تسجيل "الغارديان" هم ليسوا معتقلين، بل أناس مدنيون تم اعتقالهم على حاجز. "ما يزالون بملابسهم النظيفة وليس عليهم آثار تعذيب أو هزال".

ويضيف: "نحن نتحدث هنا عن إعدام ميداني واعتقال على حاجز، وبالتالي من المهم العمل على محاولة الكشف عن مصير المفقودين والمعتقلين. لا تزال الكثير من العائلات تبحث عنهم وتدفع الأموال للكشف عن مصيرهم".

"دور كنوز المعلومات"

وتتّبع الجهات الحقوقية في سوريا والأخرى التي تعمل على نطاق دولي آليات عدة لتوثيق الانتهاكات أو الكشف عنها، وإثبات الأطراف الضالعة بها.

وكان لـ"المصدر السري" أو كما يعرفه حقوقيون بـ"كنز المعلومات" دورا كبيرا في توثيق سلسلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي ارتكبتها النظام السوري.

وذلك ما تقمصته أولا شخصية "قيصر" الضابط السوري المنشق الذي سرب آلاف الصور لجثث معتقلين في سجون نظام الأسد.

أما اليوم فقد انعكس ذات المشهد على العنصر الذي صدم بتسجيل "مجزرة التضامن" على إحدى الحواسيب التابعة لفرع المخابرات العسكرية، ما دفعه لسحبه وتسريبه إلى أيدي نشطاء في أوروبا.

ويقول مدير مركز العدالة والمساءلة إن "حالة قيصر كانت متقدمة ومبكرة. كان هناك فرصة لإيقاف النظام عن الانتهاكات، لكن اليوم نحن نتحدث عن انتهاكات حصلت قبل ثماني سنوات".

ولا يعتبر العبد الله ذلك "تقليلا من قيمة التوثيق، بقدر ما يجب وضع الأمور في سياقها حول المنشقين والمصادر الداخلية".

ويضيف العبد الله: "هو أمر مفيد لفهم الحالة في سوريا، ولمحاولة التصرف بأفضل طريقة حول المصادر والفيديوهات التي يقدمونها"، مشيرا إلى أن "هناك أزمة داخلية داخل النظام ووضع اقتصادي متفاقم وحالة يأس، وفقدان أمل بأن الوضع لن يعود للسابق، كما أن هناك رغبة من الخلاص والنجاة ومغادرة سوريا للخارج".

ويتابع أن "معظم الشهود الداخليين وأصحاب المصادر الذين يسربون المعلومات وهم أسرار وكنوز بالمعلومات يتعاملون مع المعلومات على أنها فيزا خروج للمغادرة خارج سوريا، من أجل حماية أنفسهم ولحماية عائلاتهم والحصول على عيشة كريمة بعدما ضاقت سبل العيش".

وتحدث عن أنه يجب التعاطي بـ"مهنية وأخلاقية مع المواد الخاصة بهم، وعدم نشرها للعلن فقط، لكي تستقطب جمهورا وتحصد قراءات. يجب البحث عن القيمة المضافة لنشر المعلومات".

"المبادرة من الشهود"

من جهته، يرى الحقوقي السوري، فضل عبد الغني، أن موضوع الشهود والمصادر السرية "طويل وكبير"، موضحا أن الأمر لا يتم بصورة سهلة، بل يخضع لعمليات فحص وتدقيق للروايات واختبار. وهذه من مهمة المؤسسات الحقوقية.

أما الحقوقي السوري، محمد العبد الله، فلا يعتقد أن التحرك بخصوص "الشهود وكنوز المعلومات" يتم من جانب منظمات حقوق الإنسان، بل العملية تكون كمبادرة من الطرف الأول.

ورغم وجود "جهود لمنظمات حقوقية من أجل تأمين المنشقين وإخراجهم والحفاظ على المواد ومشاركتها مع مدعين عامين واستخدامها في محاكمات، كما استخدمت صور قيصر في كوبلنز".

إلا أن العبد الله يضيف: "المبادرة تأتي من طرف الشهود الداخليين الذين يتعاملون مع هذه المواد كفيزا خروج خارج سوريا. وهنا يفرض علينا التروي والتمهل والتعاطي مع الموضوع بأخلاقية ومهنية. كيف نتعاطى مع هؤلاء؟ هل هم متورطون؟ هل يحصلون على نوع من الحصانة؟ كيف نؤمن لهم مغادرة؟. هذه أسئلة مشروعة ومحقة".

تأكيد أميركي على محاسبة النظام

وكان متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية قال لموقع "الحرة" إن الولايات المتحدة ملتزمة "بمحاسبة النظام السوري على الفضائع التي ارتكبها بحق شعبه".

وفي رد على تحقيق الغارديان، قال المتحدث، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن الوزارة تثني على "جهود أولئك الذين يعملون لتقديم الأسد ونظامه إلى العدالة.. وغالبا ما يعرضون حياتهم للخطر".

وأوضح أن "النظام السوري مسؤول عن موت ومعاناة عدد لا يحصى من السوريين، وتشريد أكثر من نصف سكان البلاد، إضافة لاستمرار الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري لأكثر من 130 ألف رجل وامرأة وطفل".

وقال إنه "من دون المساءلة لا يمكن أن يكون هناك حل دائم للصراع. نحن نؤيد الدور الهام للجنة التحقيق والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، كما نرحب بالجهود المستمرة التي تبذلها المحاكم الوطنية للتحقيق والملاحقة القضائية في الجرائم الواقعة ضمن اختصاصها والمرتكبة في سوريا".

دبابات إسرائيلية في سوريا
دبابات إسرائيلية في سوريا

"الخطوط الحمر" التي رسمتها إسرائيل أمام تركيا حول تدمر السورية لا تأت من فراغ كما يقول خبراء لموقع "الحرة"، بل ترتبط في غالبيتها بما تشكله هذه المنطقة الواقعة في وسط سوريا من أهمية استراتيجية كبرى لأي طرف ينوي التمركز فيها، على صعيد إنشاء القواعد اللازمة للسيطرة على الأرض، ولحجز مكانٍ في الجو.

وتردد الحديث عن هذه "الخطوط الحمر" على لسان مصادر في تل أبيب نقلت عنها وكالة "رويترز"، الخميس، وجاء ذلك في أعقاب الكشف عن أول اجتماع جمع وفدين من إسرائيل وتركيا في أذربيجان، لمناقشة آلية منع الاشتباك بينهما في سوريا.

وقالت الوكالة إن الوفد الإسرائيلي أبلغ نظيره التركي خلال اجتماع باكو بأن "أي تغيير في انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخاصة إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر هو خط أحمر"، وأبلغه أيضا بأن أي خطوة من هذا القبيل "ستكون خرقا لقواعد اللعبة".

ولم تصدر أي تفاصيل من الجانب التركي عن فحوى الاجتماع الأول مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان، لكن وزارة الدفاع في أنقرة أكدت الخميس حصول الاجتماع، وقالت إنه يأتي في إطار إنشاء آلية هدفها "منع الاشتباك".

تدمر التي حددتها إسرائيل دون غيرها من المناطق السورية كمنطقة يمنع الاقتراب منها تقع في ريف محافظة حمص وسط البلاد، وهي منطقة صحراوية يوجد فيها مدينة مأهولة بالسكان وقواعد عسكرية وجوية.

وقبل سقوط نظام الأسد تعرضت هذه المنطقة لعدة غارات جوية استهدفت مواقع انتشار ميليشيات تتبع لإيران، ورغم تغيّر خرائط السيطرة هناك بعد الثامن من ديسمبر 2024 إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من استهدافها مجددا.

على مدى الأيام الماضية، وقبل بدء تركيا وإسرائيل الاجتماعات المتعلقة بآلية منع الاشتباك، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على تدمر لـ5 مرات، واستهدف بها مطارها العسكري وقاعدة التياس الجوية القريبة منها، والمعروفة باسم "T4".

وجاءت تلك الضربات في أعقاب انتشار تقارير غير مؤكدة رسمية عن نية تركيا التمركز في القواعد الجوية هناك، وذلك في مسعى للتمركز على الأرض مع استقدام منظومات للدفاع الجوي من نوع "حصار".

لماذا تدمر بالتحديد؟

وتُعتبر قاعدة "T4" الجوية في منطقة تدمر من أهم القواعد الجوية في سوريا. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا خريف عام 2015، اختارت موسكو هذه القاعدة، بالإضافة إلى "حميميم" بريف اللاذقية، لتكون جزءا من منطقة النفوذ العسكري الروسي.

وطورت روسيا بنيتها التحتية، وزادت عدد حظائر الطائرات، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، التي توضح لموقع "الحرة" أن القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة.

ووفقا لتقارير وسائل إعلام إسرائيلية فإن الضربات الأخيرة على هذه القاعدة وعلى مناطق عسكرية أخرى في تدمر أسفرت عن تدمير طائرات من نوع "سوخوي" وحظائر كانت موجودة فيها.

كما أسفرت الضربات عن تدمير المدارج الخاصة بقاعدة "التياس"، مما جعلها خارج الخدمة.

وتشرح كولوريوتيس أنه توجد عدة ميزات تجعل "T4" أهم قاعدة جوية عسكرية في سوريا.

فمن جانب يعتبر موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا مثالي، إذ تبعد حوالي 220 كيلومترا عن مرتفعات الجولان، و250 كيلومترا عن الحدود مع تركيا، و300 كيلومتر عن معبر البوكمال مع العراق.

ومن جانب آخر تضيف الباحثة أن "القاعدة معزولة عن الوجود البشري"، مما يجعل مراقبتها الأرضية معقدة. كما تقع بالقرب من البادية السورية، حيث تتواجد خلايا تنظيم "داعش"، وعلى بُعد حوالي 200 كيلومتر من نهر الفرات، حيث تتمركز "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

كولوريوتيس تؤكد أن الاعتراض الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في سوريا يقتصر على رفض إسرائيل وجود قاعدة جوية هناك أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو، دون أن يشمل الأمر الاعتراض على القواعد البرية.

"3 أسباب"

وتمتلك أنقرة عدة قواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي، بعضها يعود إلى عام 2016، ولم تعتبرها إسرائيل في السابق أنها تشكل تهديدا لأمنها القومي.

أما سبب الاعتراض الإسرائيلي على وجود قاعدة جوية تركية في سوريا (في T4)، فيمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء ذلك، وفقا للباحثة في شؤون الشرق الأوسط.

السبب الأول عسكري، إذ ستحد القاعدة الجوية التركية في سوريا من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وستضطر إسرائيل إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع وزارة الدفاع التركية لتنسيق تحركاتها الجوية في سوريا مسبقا لتجنب الحوادث. وهذا أمر لا تريده إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، بحسب كولوريوتيس.

والسبب الثاني استراتيجي، إذ تعتقد إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا سيزيد من أهمية المواقف التركية إقليميا ودوليا، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون قائدة المنطقة، وهو هدف عملت عليه خلال العام الماضي من خلال استهداف النفوذ الإيراني لملء هذا الفراغ بنفسها.

وتتمتع تركيا بنفوذ كبير في شمال العراق وعلاقات ممتازة مع قطر، ووجود عسكري في شمال قبرص، وعلى أساس ذلك توضح الباحثة أن "التوسع في سوريا قد يفتح الطريق أمام أنقرة لزيادة نفوذها في لبنان والأردن أيضا".

وعلاوة على ما سبق يذهب السبب الثالث باتجاه مسار سياسي، تضيف كولوريوتيس.

وتقول إنه رغم وصف إسرائيل للإدارة السورية الجديدة "بالإرهابية"، إلا أنها تعلم أنه ستكون هناك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة لاحقة.

ولذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المجال الجوي السوري، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مستخدمة إياها كأوراق مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

وبخلاف ما سبق تعتقد الباحثة أن "الوجود العسكري التركي في سوريا سيحد من هذه السيطرة الإسرائيلية، ويدعم موقف الإدارة السورية في أي مفاوضات".

"لا تريد هيمنة جوية لتركيا"

ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانت آلية "منع الاشتباك" بين تركيا وإسرائيل في سوريا ستخفف من التصعيد الحاصل بينهما، ولا يعرف أيضا ما إذا كان الطرفان ستجمعهما أي قواسم مشتركة في البلاد، في المرحلة المقبلة.

وتشير التصريحات الرسمية التركية الصادرة عن وزارة الدفاع إلى أن أنقرة لن تتراجع عن تقديم الدعم للإدارة السورية الجديدة، ولن تتراجع أيضا عن مساعي إنشاء القواعد في سوريا.

لكن في المقابل يبدو من التصريحات الرسمية في تركيا أن تلك القواعد ستكون "تدريبية" على نحو أكبر، دون أن يعرف المكان الذي ستتموضع فيه، سواء في وسط البلاد أو في شمالها كما المعتاد.

ويقول الباحث السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن إن القاعدة الجوية الموجودة في تدمر (T4) تزعج إسرائيل، وبالتالي هي لا تريد لأي طرف التمركز فيها، كي لا تتأثر حرية حركتها الجوية في سوريا.

ويضيف شتيرن لموقع "الحرة": "وفي حال دخلت تركيا للعمق السوري ربما ستكون هناك سيطرة معينة ونوع من الحماية على هذه المناطق وهذا ما لا تريده إسرائيل ويقلقها".

"إسرائيل تريد المنطقة مفتوحة وأعتقد أن الخطوط الحمر تتجاوز تدمر لتصل إلى حد الموضوع الجوي في سوريا وسلاح الجو التركي"، يتابع الباحث الإسرائيلي.

ويردف: "إسرائيل لا تريد هيمنة تركية جوية على هذه المنطقة، سواء من خلال الطائرات بالجو أو على مستوى نشر منظومات دفاع جوي"، في إشارة منه إلى تدمر الواقعة وسط سوريا.

ومن جهته يوضح الباحث السوري، ضياء قدور أن "تثبيت تركيا لوجودها العسكري في مدينة تدمر يمكن أن يشكل تحولا كبيرا في المشهد العسكري في سوريا والمنطقة بشكل عام".

ومن خلال إقامة منظومات دفاع جوي متطورة وتشغيل القواعد الجوية في الشعيرات و"T4" ومطار تدمر "ستحقق تركيا قدرة على فرض سيطرة جوية قوية في وسط سوريا"، يضيف الباحث لموقع "الحرة".

ويشير أيضا إلى أن هذه الخطوة قد تتيح لتركيا تشكيل "فقاعات دفاعية" استراتيجية، مما يزيد من تعقيد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية ليس فقط في سوريا، بل في الشرق الأوسط ككل.

"انتكاسات ممر داوود"

وقبل سقوط نظام الأسد دائما ما كان ينظر المراقبون والخبراء لتدمر على أنها تقع وسط "الكوريدور الإيراني"، الذي يخترق سوريا قادما من العراق.

وكان هذا "الكوريدور" أو الممر تستخدمه إيران لإيصال السلاح إلى "حزب الله" في لبنان، ولدعم ميليشياتها الأجنبية والمحلية، التي كانت تنتشر في مناطق متفرقة بسوريا.

وشكّل سقوط نظام الأسد نهاية الحلم الإيراني المتعلق بهذا الممر. ورغم حصول ذلك لم تتوقف إسرائيل من استهداف المناطق المحيطة به أو الواقعة في منتصفه، بينها تدمر والقواعد الموجودة فيها.

ومنذ أشهر تتوارد أنباء وتقارير غير مؤكدة عن مساعي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب سوريا وصولا إلى حدود العراق، وتتعلق على نحو خاص بما سمي بـ"ممر داوود"، الذي تقول الباحثة كولوريوتيس إنه بات من الماضي، لعدة أسباب.

وتوضح الباحثة أن المناقشات حول الممرات الإسرائيلية في سوريا تبدو، في هذه المرحلة، غير منطقية.

وتشرح أنه كان هناك حديث عن إنشاء ممر يربط إسرائيل بالسويداء ومع مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" عبر منطقة التنف، حيث يوجد نفوذ للولايات المتحدة، تحت اسم "ممر داوود".

وتضيف أن هذا المشروع عانى من ثلاث انتكاسات رئيسية: الأولى كانت الاتفاق بين "قسد" ودمشق؛ والثانية كانت تأكيد إدارة ترامب على أنها ستنسحب من سوريا؛ والثالثة كانت عدم وجود توافق داخل السويداء بشأن العلاقات مع إسرائيل.

ونتيجة لذلك، وحتى داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصبح الحديث عن "ممر داوود" شبه معدوم مؤخرا، وفقا للباحثة.

ومن المهم التأكيد على أن إسرائيل لا تنوي الانخراط في عمليات برية في سوريا، بحسب كولوريوتيس، التي ترى أن "وجودها العسكري البري لن يتجاوز إلى ما وراء المناطق القريبة من منطقة فض الاشتباك".

ويعتقد الباحث قدور أن تدمر تحولت خلال الأيام الماضية من منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى نقطة صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الفراغ العسكري الهائل الذي نشأ في البلاد، بعد انهيار نظام الأسد، وتدمير جميع دفاعاته وقدراته العسكرية.

ويقول إن الصراع الحالي الحاصل في سوريا "قد يؤدي توترات متزايدة أو ربما إلى اتفاقات لخفض التصعيد، يتم من خلالها إنشاء آلية تنسيق عسكرية تهدف لتقليل التصعيد في المنطقة وضمان مصالح الأطراف المتنازعة".