نائب قائد حركة حماس في غزة، خليل الحية التقى الأسد في دمشق

بعد قطيعة استمرت لسنوات طرقت حركة "حماس" أبواب النظام السوري، معلنةً على لسان أحد مسؤوليها ومن دمشق "طي صفحة الماضي مع الأسد، وأي فعل فردي لم تقره القيادة"، في إشارة إلى الموقف الذي اتخذته في المراحل الأولى لانطلاقة الثورة السورية، وتقلبت عليه على مدى سنوات.

ووصل إلى العاصمة السورية، صباح الأربعاء، نائب قائد الحركة في قطاع غزة، خليل الحية على رأس وفد من بين وفود فلسطينية أخرى، وعقب لقائه مع رأس النظام السوري، بشار الأسد خرج في مؤتمر صحفي، قائلا: "اللقاء مع الأسد كان دافئاً، وقد أبدى تصميمه على تقديم كل الدعم من سوريا للشعب الفلسطيني ومقاومته".

وأضاف الحية أن قيادة "حماس" طوت صفحة الماضي، وأن الاجتماع مع الأسد "فاتحة خير وصفحة جديدة من العلاقات مع دمشق، والتي طال انتظارها"، حسب تعبيره.

ورغم أن هذه الخطوة من جانب الحركة الإسلامية الفلسطينية لم تكن مفاجئة، بل تم التمهيد لها إعلاميا ورسميا على مدى الأشهر الماضية، إلا أن السياق العام الذي جاءت فيه أثار تساؤلات من جهة، فيما حمل مؤشرات "إهانة" و"صك بأثر رجعي"، حسب ما يرى مراقبون.

وكان النظام السوري قد أحجم عن التعليق بشأن الزيارة الأولى من نوعها، بعدما انتشرت الأخبار الخاصة بها، لكن وفي المقابل استخدمت وسائل إعلام مقربة منه خطا تحريريا، وجه انتقادات لاذعة لـ"حماس"، وأن "الخطوة التي اتخذتها الآن جاءت بدفع من الجناج المقاوم وليس الإخواني".

وهذه العبارة لطالما كررتها صحيفة "الوطن" شبه الرسمية، خلال الأيام الماضية، إذ قالت قبل يومين إن "الفصائل الفلسطينية في سورية تلقت دعوات من القيادة السورية لمشاركة ممثلين عنها في اللقاء، وسيكون ضمن وفد الفصائل، ممثلون عن حركة المقاومة الفلسطينية حماس، وتحديداً من الجناح المقاوم وليس الإخواني".

"مصلحة إيرانية"

وتعتبر زيارة خليل الحية القيادي في "حماس" إلى دمشق الأولى من نوعها، منذ عام 2012، وإلى جانب إعلانه "طي صفحة الماضي" اعتبر أن خطوة القيادة "تعطي قوة لمحور المقاومة ولكل المؤمنين بالمقاومة"، فيما وجه عدة كلمات "معسولة" للأسد.

وهذا الموقف يأتي منقلبا على نحو كبير عن ذاك الذي ساد من جانب الحركة قبل عشر سنوات. 

في ذلك الوقت (الثامن من ديسمبر 2012) وقف رئيس المكتب السياسي السابق لـ"حماس"، خالد مشعل، ورئيس المكتب الحالي، إسماعيل هنية، أمام حشد من المئات ورفعا علم الثورة السورية، ليكون إعلانا واضحا بقطع العلاقات مع النظام السوري والوقوف إلى جانب المتظاهرين السلميين.

ويرى باحثون ومحللون سياسيون في حديثهم لموقع "الحرة" أن خطوة "حماس" الحالية ترتبط بجزء كبير منها بدور إيراني وآخر يتعلق بـ"حزب الله" اللبناني"، وهو ما ترجمه الجو الذي ساد مؤخرا.

وتحدثت الكاتبة السياسية السورية، عالية منصور عن عدة أسباب تقف وراء عودة العلاقات"، "ليس من ضمنها القضية الفلسطينية"، فيما استبعدت أي "ضغوط مورست على الحركة، بل واساطات قام بعا حزب الله وإيران، لإعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين ".

"في النهاية رغم قطيعتهما ظلا ينتميان لنفس المحور وهو المحور الإيراني".

وتشرح منصور أولى أسباب العودة، بقولها لموقع "الحرة" إنه ذو شقين: "الأول إيراني، في مسعى من طهران لإعادة ترتيب صفوف حلفائها، حيث بدأت وساطتها أثناء اجتماعات فيينا".

وتوضح: "من المعروف أن إيران تمسك بجميع هذه الملفات وتفاوض عليها وتستخدمها كأوراق ضغط في مفاوضاتها مع الغرب ومع الدول الإقليمية".

في المقابل يذهب السبب الآخر لخطوة الحركة الإسلامية إلى أن "حماس تتحضر لمرحلة ما بعد محمود عباس فلسطينيا، وترصد الانقسامات داخل السلطة وتتحين اللحظة المناسبة للانقضاض على مؤسسات السلطة".

ومن أجل ذلك "تعيد ترتيب علاقاتها لا مع النظام في دمشق فحسب، بل مع دول عدة. هنا لا يمكن أن ننسى كيف تعاملت الحركة ببراغماتية مع التصعيد الذي حصل بين الجهاد الإسلامي واسرائيل". "هو تقاطع مصالح بين إيران وحماس لفرض النفوذ على مناطق جديدة"، حسب تعبير منصور. 

"أثر رجعي"

في غضون ذلك اعتبر الباحث والمحلل السياسي، الدكتور ماجد عزام أن"حماس أو القيادة المتمثلة بها تم إجبارها أو حتى ابتزازها بشكل صريح من إيران وحزب الله، بشرط إعادتها إلى محور المقاومة المزعوم، وأن تعيد العلاقة مع الأسد".

يقول عزام لموقع "الحرة": "القيادة المتنفذة في حماس فاوضت بقصر نظر ودون رؤية ولم تفهم أنها المقاومة وأن إيران والحزب بحاجة إليها أكثر من حاجتها إليهم".

"لا يمكن تبييض صفحة المقاومة وإيران بأثر رجعي، والقول إن كل ممارساتهم الدموية في سوريا وإيران والعراق واليمن من أجل فلسطين. قيادة حماس تعطيهم هذا الأمر".

ويضيف الباحث: "ما سبق كان شرطا أساسيا على المدى الطويل لإعادة الدعم والعلاقة من إيران لحماس".

في المقابل يعتقد المحلل السياسي المقيم في دمشق، علاء الأصفري أن "هناك إعادة تقييم للوضع داخل حماس وبشكل كامل. لقد أساء لها كثيرا انتماء الكثير من قيادتها للإخوان، على حساب قضايا المقاومة".

ويقول الأصفري في حديث لموقع "الحرة": "اليوم هناك وصول بطاقات شابة إلى مراكز حماس، وتؤكد الرجوع إلى حضن دمشق. العاصمة تشكل العمود الفقري لمحور المقاومة"، حسب تعبيره.

واعتبر المحلل السياسي أن ما حصل "خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، وأنها تدخل في نطاق لم الشمل المقاوم، بعد المؤامرة الكونية التي تعرضت لها سوريا".

"لا فائدة وشرعنة"

و كانت "حماس"، المصنفة على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، قد أصدرت بيانا، الشهر الماضي، دون مقدمات، دعت فيه للمصالحة و"بناء وتطوير العلاقات" مع نظام الأسد.

وجاء في البيان أن "حماس تؤكد على مُضيّها في بناء وتطوير علاقات راسخة مع الجمهورية العربية السورية، في إطار قرارها باستئناف علاقتها مع سوريا الشقيقة".

وبررت ذلك بأنه "خدمة لأمتنا وقضاياها العادلة، وفي القلب منها قضية فلسطين، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تحيط بقضيتنا وأمتنا".

لكن ما سبق تراه الكاتبة السورية، عالية منصور مغايرا للواقع، إذ تقول إن "عودة علاقات حماس مع النظام السوري مصلحة إيرانية أولا".

ومن جانب آخر هي "محاولة لشرعنة نظام الأسد على حساب القضية الفلسطينية مقابل شرعنة ما قد تقوم به الحركة داخل فلسطين في مرحلة ما بعد عباس"، وفق منصور.

بدوره يوضح الباحث والمحلل السياسي، ماجد عزام أنه لا يرى أي فائدة لـ"حماس" من عودة علاقاتها مع النظام في دمشق، مشيرا بالقول: "البيئة لم تعد آمنة في العاصمة، وحتى لو وافق النظام على فتح مكتب لها لن تستطيع التحرك في ظل الاختراق الكبير من إسرائيل وعدم الثقة المرتبطة بروسيا".

ويتابع عزام: "حركة الجهاد الإسلامي تقول إن روسيا متورطة في نقل المعلومات عن قياداتها في الغارات التي استهدفت أكرم العجوري وأدت إلى مقتل ابنه مع أعضاء الحركة. بذلك لن يكون هناك حرية حركة وأمن".

ويضيف الباحث: "النظام يحاول إهانة حماس الآن، وأن التيار المقاوم هو من يأتي بعيدا عن حماس الدوحة وحماس الإخوان. هي إهانة لتيارات واسعة من الحركة. النظام لم يفاوض على عودتها، ويحاول أن يظهر أنه الموافق وهو الذي يتحكم".

"ليس هناك مصلحة من حماس وهي تعطي الفرصة للنظام من ذلك"، وتحدث عزام عن "خلافات كبيرة وتباين واسع داخل حماس بشأن العلاقة مع الأسد، وعلى افتراض أنه حتى العلاقات مع إيران تمر على مضض أيضا".

"حماس دون أجنحة"

وعلى مدى السنوات العشر الماضية، وبعدما اتخذ قياديون في "حماس" موقفا داعما للثورة السورية هاجم النظام السوري في عدة مناسبات الحركة، وجاء الأبرز منها على لسان بشار الأسد.

وقال الأسد في لقاء مع صحيفة "اكسبرسن" السويدية في أبريل 2015، إن "الأحداث أثبتت أن جزءا من حماس، التي كانت بدورها جزءا من الإخوان المسلمين، يدعم جبهة النصرة داخل مخيم اليرموك".

كما قال في مقابلة مع صحيفة "الوطن" شبه الرسمية، في ديسمبر 2016: "كنا ندعم حماس ليس لأنهم إخوان، كنا ندعمهم على اعتبار أنهم مقاومة، وثبت في المحصلة أن الإخونجي هو إخونجي في أي مكان يضع نفسه فيه (…) يبقى من الداخل إخونجيا إرهابيا ومنافقا".

ورغم أن هذه الكلمات الهجومية لم تعد حاضرة في الوقت الحالي، إلا أن وسائل إعلام النظام السوري بقيت تفرق بين ما تصفها بـ"حماس المقاومة" و"حماس الإخوانية".

ويؤكد المحلل السياسي السوري، علاء الأصفري أن عودة العلاقات تأتي "لتصحيح المسار وتصب في صالح المقاومة، بعيدا عن الشيء الشخصي"، مضيفا: "سوريا تفتح أذرعها للجميع. سوف نشهد زيادة صلابة محور المقاومة".

بدورها تقول الكاتبة السورية، عالية منصور: "موضوع الجناح المقاوم للحركة يذكرني بموضوع الجناح العسكري حزب الله".

وتضيف: "حماس هي حماس من دون أجنحة. قد يكون للنظام حساسية على شخصيات معينة في الحركة وهناك تفهم إيراني حمساوي للأمر. ما عدا ذلك كلاهما - أي النظام السوري وحركة حماس - ينتميان لمحور واحد ويسعيان لخدمة أجندته".

وتابعت الكاتبة: "استغرب ممن استغرب قيام حماس بالتطبيع مع النظام، وهي التي ورغم موقفها المؤيد للثورة السورية سابقا إلا انها لم تتوقف يوما عن كيل المديح وتأييد إيران شريكة الأسد بقتل السوريين".

الرئيس السوري أحمد الشرع ـ أرشيفية/رويترز.
الرئيس السوري أحمد الشرع ـ أرشيفية/رويترز.

عندما نشرت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، بيانا على منصة "أكس" حدّدت فيه خمس نقاط أساسية حث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الرئيس السوري أحمد الشرع على تنفيذها، لم يكن ذلك مجرد بادرة دبلوماسية، بل خارطة طريق لعودة سوريا إلى النظام الدولي.

بعد سنوات من الحرب والعزلة والتدخلات الخارجية في سوريا، يقف الرئيس الشرع أمام مفترق طرق تاريخي. رفع العقوبات الأميركية، بدعم من السعودية وتركيا، يفتح الباب لتحول سياسي جذري. لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لإعادة بناء سوريا. ما سيفعله الشرع الآن هو ما سيحدد مستقبل البلاد.

بحسب بيان ليفيت، حث ترامب نظيره السوري على حسم خمسة ملفات أساسية:

الملف الأول: الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام والاعتراف بإسرائيل. وهو ما سيكون خطوة تقلب الموازين في الشرق الأوسط، إذ تصبح سوريا أول دولة من "دول المواجهة" التقليدية التي تطبّع علاقاتها مع إسرائيل، وتوقع اتفاقية سلام. وهذا ليس ملفا بسيطا في سوريا، مع أنه يلاقي قبولا شعبيا بعد سقوط نظام بشار الأسد.

الملف الثاني: طرد الإرهابيين الأجانب، وهم على الغالب المقاتلين الأجانب، الذين قاتلوا إلى جانب الشرع، والمتهمين بارتكاب مجازر وجرائم حرب في سوريا. وهؤلاء المقاتلون، الذين انخرطوا في صفوف المعارضة منذ عام 2011، يحملون تجارب قتالية متنوعة وارتباطات أيديولوجية متعددة، معظمها تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وقد جرى دمج كثيرين منهم في الجيش السوري.

هذا الملف يعتبر معقدا بالنسبة إلى الرئيس السوري.

في تصريحات سابقة، أكد الشرع، أن المقاتلين الأجانب الذين ساهموا في الإطاحة بنظام الأسد "يستحقون المكافأة".
وأوضح، في لقاء مع صحفيين منتصف يناير الماضي، أن جرائم نظام الأسد أدت إلى الاعتماد على مقاتلين أجانب يستحقون المكافأة على مساندة الشعب السوري، بعدما شاركوا في الثورة وساهموا في إسقاط النظام، ملمحاً إلى إمكانية منحهم الجنسية السورية.

وأضاف: "جاؤوا من جميع أنحاء العالم الإسلامي إلى سوريا، من منطلق التعاطف مع السوريين، وعددهم حالياً ليس كبيراً جداً، وجميعهم وافقوا على الامتثال لتوجيهاتنا وسياستنا، وهم لا يشكلون خطراً على الدول الأخرى، ويستحقون أن نكافئهم على جهودهم". وأكد أنه ستتم معالجة أوضاعهم وتسويتها وفقاً للقانون.

اليوم يواجه الشرع تحدياً في ترحيل هؤلاء المقاتلين مع ما يحمله هذا الأمر من احتمالات الاصطدام معهم داخلياً.

الملف الثالث الساخن، هو ترحيل المسلحين الفلسطينيين الذين تصنفهم الولايات المتحدة على لوائح الإرهاب، خصوصاً حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي". ولطالما استضافت سوريا، في عهد الرئيسين حافظ وبشار الأسد فصائل فلسطينية مسلحة ذات صلات عميقة بإيران. وبالفعل بدأ الشرع بتطبيق خطوات في هذا المجال منذ نهاية أبريل الماضي حينما قامت القوات الأمنية السورية باعتقال قياديين بارزين من حركة "الجهاد الإسلامي".

الملفان الرابع والخامس مرتبطان بتنظيم داعش الإرهابي. في الملف الرابع المطلوب من الشرع، بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض، التعاون مع الولايات المتحدة لمنع عودة نشاط داعش في سوريا، والعمل على عدم تحول سوريا مجددا أرضاً خصبة لنمو التنظيمات المتطرفة. 

ويرتبط الملف الخامس بإدارة معتقلات داعش في شمال سوريا. هذه السجون تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تتولى إدارتها والاشراف على آلاف المعتقلين من عناصر التنظيم الإرهابي. 

يطلب ترامب بوضوح من الشرع تولي هذا الملف وتحمل مسؤوليته من الدولة السورية المركزية، وهو ما قد ينعكس أيضاً على العلاقة المتوترة أصلاً بين الشرع و"قسد".

ومن خلال دعوته الشركات الأميركية للاستثمار في النفط والغاز السوري، وتأكيده على التزامه باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 مع إسرائيل، يُطلق الرئيس الشرع نهجاً جديداً للسياسات السورية التي اتسمت بمعاداة الغرب والانخراط في محور إيران في زمن الرئيس المخلوع بشار الأسد. لكن الخطاب وحده لا يكفي. كل واحدة من الخطوات الخمس التي حددها البيت الأبيض هي متطلبات أساسية تتسم بالجدية لدى إدارة ترامب، وهي ليست مجرد مقترحات.

سيكون الشرع أمام امتحان تطبيق هذه الخطوات في الشهور المقبلة على طريق عودة سوريا إلى المجتمع الدولي بعد رفع العقوبات. إذا فشل الشرع بذلك، فإن سوريا على الأرجح مهددة بالعودة إلى العزلة. وإذا نجح، يكون قد حوّل سوريا من ساحة حرب إلى فرصة حقيقية للسلام والازدهار.