الحكومات العربية والغربية تتهم النظام السوري بإنتاج مادة "الكبتاغون" ـ أرشيفية
تتورّط أجهزة أمنية وعسكرية سورية عدة في تجارة الممنوعات

خلال عشر سنوات من حرب مدمرة، تغيّرت خارطة سوريا، فرُسمت خطوط جديدة ومعابر داخلية تفصل بين المناطق، لكن شيئا واحدا بدا وكأنه عابر للتقسيم ولخطوط التماس فتحوّل إلى تجارة مربحة تفوق قيمتها عشر مليارات دولار: الكبتاغون.

والمسألة أكثر تعقيدا من كون الكبتاغون مجرد حبوب سحرية ارتبط اسمها بتنظيم الدولة الإسلامية، فهذا المخدر يدرّ مدخولاً هائلاً على أطراف متنوعة في بلد أنهكت الحرب اقتصادها.

من شمال سوريا إلى جنوبها مرورا بباديتها وسواحلها، وبغض النظر عن القوى المسيطرة عليها، سواء أكانت قوات موالية للنظام كان أم معارضة له، تتخطّى حبوب الكبتاغون الانقسامات، لتحوّل سوريا الغارقة في نزاع دام منذ 2011، إلى دولة مخدرات.

وتشمل دورة إنتاج وتهريب هذه الحبوب المخدرة لبنان المجاور الذي ينوء أيضاً تحت ثقل انهيار اقتصادي.

وتُعد حبوب الكبتاغون اليوم أبرز الصادرات السورية، وتفوق قيمتها كل قيمة صادرات البلاد القانونية، وفق تقديرات مبنية على إحصاءات جمعتها وكالة فرانس برس، وتوثّق الحبوب المصادرة خلال العامين الماضيين.

وباتت سوريا مركزا أساسيا لشبكة تمتد إلى لبنان والعراق وتركيا وصولاً إلى دول الخليج مروراً بدول إفريقية وأوروبية، وتُعتبر السعودية السوق الأول للكبتاغون.

تاجر ملثم يجلس لإجراء مقابلة مع فرانس برس في مدينة حلب شمال سوريا

أجرت وكالة فرانس برس مقابلات مع أكثر من 30 شخصا من مهربين ومسؤولين أمنيين حاليين وسابقين في سوريا ودول أخرى، فضلاً عن ناشطين ومسؤولين محليين على دراية بصناعة الكبتاغون، وطلب معظمهم عدم الكشف عن أسمائهم. وتتداخل علاقات تجارية وعشائرية وقبلية ومصالح بين خطوط تهريب وتجارة الكبتاغون.

"رأسمالها خفيف وأرباحها كبيرة" 

والكبتاغون تسمية قديمة لعقار يعود إلى عقود مضت، لكن تلك الحبوب، وأساسها الأمفيتامين المحفّز، باتت اليوم المخدّر الأول على صعيد التصنيع والتهريب وحتى الاستهلاك في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

في منطقة نائية في البقاع اللبناني، يقول شخص لديه علاقات مع عدد من التجار مكنته من الاطلاع والتوسّط في صفقات كبيرة، عن تجارة الكبتاغون، "رأسمالها خفيف وأرباحها كبيرة".

ويتقاسم أربعة أو خمسة تجار كبار، وفق هذا الوسيط، شحنة واحدة ميزانيتها عشرة ملايين دولار تغطّي المواد الأولية وطرق التهريب التي تُعرف بـ"السكة"، و"الرشاوى"، وتعود بربح قدره 180 مليون دولار.

ويوضح "إذا خسروا أول عشرة ملايين، وثاني عشرة ملايين، وحتى ثالث عشرة، بمجرّد أن تنجح شحنة واحدة في المرور، يكون التاجر رابحا".

مخدرات حجزتها السلطات الأمنية في سوريا

ويقول الوسيط "إنها شبكة واحدة، سورية سعودية لبنانية عراقية أردنية"، مشيراً إلى وجود رابط عشائري غالباً يجمع بين المناطق والبلدان.

ويؤكد الوسيط ومصادر أمنية في المنطقة أن العشيرة الأكثر نفوذاً هي بني خالد التي تعدّ الأكبر وتمتد بين سوريا ولبنان والأردن والعراق والسعودية، وتتحدّر منها قبائل متنوعة.

ومن مصدرها في سوريا إلى وجهتها في السعودية، قد تبقى شحنة الكبتاغون في يد العشيرة نفسها ما يمنحها ضمانات أكثر ويُسهّل عملية الدفع ويجعل ملاحقتها أكثر صعوبة.

ويتمّ إجمالا تهريب الكبتاغون في أكياس بلاستيكية صغيرة، ويطلق على كل كيس من مئتي حبة عبارة "الشدّ"، ويوضع أحياناً خمسة من أكياس "الشد" في كيس أكبر.

في العام 2021، ووفق بيانات رسمية، صادرت القوى الأمنية في دول عدة أكثر من 400 مليون حبة كبتاغون.

وبحسب ما أظهرت مضبوطات من العام 2022، يبدو أن "صادرات" الكبتاغون ستفوق تلك التي تمّت في العام السابق.

لكن هذا ليس سوى رقم بسيط جداً مقارنة مع ما لم يُضبط.

ويقول مسؤولون أمنيون إنه، مقابل كل شحنة يتمّ ضبطها، تصل تسع شحنات أخرى إلى وجهتها.

ويترواح سعر حبة الكبتاغون بين دولار و25 دولارا.

مقاتلون تابعون للتنظيم المعروف باسم "هيئة تحرير الشام" يعرضون مخدرات سبق ضبطها عند نقطة تفتيش يسيطرون عليها.

واذا احتُسب سعر الحبة بخمس دولارات، ووصلت أربع من أصل خمس شحنات الى وجهتها، تتخطّى قيمة تجارة الكبتاغون السنوية عشرة مليارات دولار. ويّعد ذلك أقل تقدير لتلك التجارة الضخمة.

لا محرمات

وبما أن ثمانين في المئة من تلك التجارة مركزها سوريا، وفق مسؤولين أمنيين، يكون الكبتاغون أبرز صادرات تلك الدولة، ويعود عليها بأرباح تفوق حجم ميزانيتها بثلاثة أضعاف.

ويستفيد نظام الرئيس بشار الأسد ودائرون في فلكه وشبكة تجار الحرب بشكل هائل من تجارة الكبتاغون.

ويقول مستشار سابق للحكومة السورية لوكالة فرانس برس من خارج سوريا "لا توجد محرّمات في الحروب، والبلاد كانت ولا تزال في حاجة ماسة للنقد الأجنبي من أجل رفد اقتصاد الدولة".

ويضيف "استطاعت صناعة الكبتاغون أن ترفد الخزينة ولو بجزء من العملة الأجنبية من خلال اقتصاد ظل متكامل يبدأ من استيراد المواد الأولية، وصولاً للتصنيع وأخيراً التصدير".

وتتورّط أجهزة أمنية وعسكرية سورية عدة في تلك التجارة، قد تكون أبرزها الفرقة الرابعة التي تتبع ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، وفق ما أفادت مصادر عدة بينها أمنيون سابقون في سوريا ومهربون وخبراء.

وتقول كارولين روز من معهد نيولاينز الذي نشر تحقيقاً حول صناعة الكبتاغون قبل أشهر، "لعبت الفرقة دوراً أساسياً في حماية وتسهيل وتهريب الكبتاغون في حمص واللاذقية، وفي نقل الشحنات إلى مرفأي طرطوس واللاذقية".

ويقول ناشط معارض متابع لعمليات التهريب "يحصل مصنعو الكبتاغون أحياناً على المواد الأولية من الفرقة الرابعة، وتكون موضوعة أحيانا في أكياس عسكرية".

ويشير باحثون في الموضوع إلى أن لحزب الله اللبناني دورا مهما في حماية صناعة الكبتاغون، وخصوصا في المنطقة الحدودية. ويتهمه سكان في جنوب سوريا بالوقوف خلف انتشارها في مناطقهم. وينفي الحزب أي علاقة له بهذه الصناعة.

مخدرات مضبوطة ومنها الكبتاغون، تعرض على وسائل الإعلام في ريف حلب الشمالي، في 24 مايو 2022 ، إثر اشتباكات بين مختلف الفصائل الموالية لتركيا في سوريا

وتُعد الفرقة الرابعة أبرز الفرق العسكرية المنتشرة في المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا، وتتمتع بنفوذ كبير في مرفأ اللاذقية في غرب البلاد.

ولطالما شكّلت الحدود اللبنانية السورية مسارا لتهريب البضائع على أنواعها. ولم تعد تقتصر عمليات تهريب الكبتاغون على الحدود الشرقية للبنان خصوصا بعد حملة أمنية طالت التجار، فتحوّل كثر إلى الحدود الشمالية.

ويقول مصدر قضائي لبناني يلاحق قضايا كبتاغون، إن منطقة وادي خالد المعروفة بالتهريب وخصوصاً السلاح خلال أعنف سنوات النزاع السوري، "باتت مليئة اليوم بمهربي" الكبتاغون.

من الجنوب إلى فصائل الشمال

مع التشديد الذي حصل خلال السنة الأخيرة في لبنان على صعيد ضبط عمليات صناعة وتجارة الكبتاغون، تراجعت أعداد المختبرات في منطقة البقاع، وانتقل تجار إلى المنطقة الحدودية داخل الأراضي السورية، وساعدتهم في ذلك إعادة فتح معبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن فتوسّعت اليه طرق التهريب، عدا عن المعابر غير الشرعية.

ويعد جنوب سوريا، وتحديدا محافظتا السويداء ودرعا، معقل طرق تهريب أساسية لحبوب الكبتاغون نحو الأردن، وفق ناشطين وأمنيين سابقين من المنطقة.

في السويداء، دفع التردي الاقتصادي بشبان كثر إلى الانضمام إلى عصابات محلية تعمل في تخزين وتهريب البضائع، وعلى رأسها الكبتاغون.

ويقول المتحدث باسم "حركة رجال الكرامة" المعارضة أبو تيمور "هناك استغلال للوضع المعيشي للسكان"، فضلاً عن فوضى انتشار السلاح في المحافظة.

ويضيف "السويداء منطقة تهريب وتخزين" للحبوب، مشيرا إلى أن أفراد عشائر في البادية المجاورة ينقلون البضائع إلى السويداء حيث يجري تخزينها ثم تهريبها غالباً عبر الحدود الأردنية بالتعاون مع "أكثر من مئة عصابة مسلحة".

في ظلّ عقوبات خانقة وغياب أي أفق حلول في سوريا من شأنها أن تأتي بأموال إعادة الإعمار، تجد شبكة تجار الحرب والمستفيدين منها في حبوب الكبتاغون الحل السحري.

ويتخطّى الأمر النظام وحلفاءه لتعبر الحبوب خطوط التماس وتوحّد الخصوم.

ويقول المستشار السابق للحكومة السورية "جمع الكبتاغون كلّ أطراف الصراع (..) النظام والمعارضة والأكراد وداعش".

كما دخلت صناعة الكبتاغون وتهريبه مناطق سيطرة الفصائل الموالية لتركيا في شمال سوريا.

ويقول مهرّب في تلك المناطق لفرانس برس "أعمل مع أشخاص في حمص ودمشق يأتون بالحبوب من مستودعات الفرقة الرابعة"، مضيفاً "نوزّع الحبوب هنا أو نرسلها إلى تركيا بالتنسيق مع الفصائل (..) السوق التركي يعتمد علينا كثيراً، نحن بوابة لهم".

ويبيع المهرب، وفق قوله، أيضا الحبوب لمسؤولين في هيئة تحرير الشام التي تسيطر على حوالى نصف محافظة إدلب المجاورة.

ويعتمد المهرّب في تجارته على حبوب يأتي بها من مناطق سيطرة النظام أو مصنعة محلياً. ويشير إلى أن الفصائل تحتكر تصنيع الكبتاغون في مناطق سيطرتها "ولا يتجرأ أحد آخر" على الأمر.

وللفصائل أيضا حصة من التهريب.

ويتابع "تعجّ المنطقة بالفصائل، هي أشبه بغابة الكلّ جائع فيها".

وبحسب المهرّب، الاسم الأول في تجارة الكبتاغون في المنطقة هو قيادي في فصيل السلطان مراد أبو وليد العزة، "لأن لديه علاقات قوية مع الفرقة الرابعة منذ أن كان يتواجد في حمص".

ونفى فصيل السلطان مراد أي تورّط له في صناعة وتهريب الكبتاغون.

كما تعدّ تركيا مصدرا لمواد أساسية في تصنيع المخدّر، وفق ما يقول المصدر القضائي اللبناني، مشيراً إلى أن "ديثيل الأثير، أحد أنواع الكلوروفورم، مكوّن أساسي في (صناعة) الكبتاغون، ومعظمه يدخل من تركيا".

مسرحيات

وبالإضافة إلى المواد الأولية، وبينها أنواع من الأسيد تتواجد في مواد التنظيف أو نشاء الذرة أو الكافيين وغيرها، يكمن أبرز استثمارات صناعة الكبتاغون في آلة كبس الحبوب التي تستعمل أيضاً في صناعة الحلوى.

لا تتطلب صناعة حبة الكبتاغون إمكانيات كبيرة

ولم يتردّد موقع إلكتروني صيني بالترويج علنا لـ"آلة كبس أقراص الكبتاغون" مقابل 2500 دولار.

ولا يتطلّب تصنيع الكبتاغون مساحات واسعة. فمن الممكن إنشاء مختبر مجهز بالآلات الأساسية، وأبرزها آلة الكبس وجهاز الخلط وفي بعض الأحيان فرن لتنشيف المواد، خلال 48 ساعة فقط، ما يعني أن تجار الكبتاغون قادرون على استئناف عملهم بعد وقت قصير من أي مداهمة يتعرضون لها.

ويقول موظّف في معمل أدوية في سوريا لفرانس برس من خارج سوريا، إن بعض مصانع الأدوية متورطة كونها قادرة على استيراد المواد الأولية لتلك الصناعة "غير المعقدة التي يمكن أن تتم في أي معمل أدوية خاص".

وبرغم أن السلطات السورية تعلن بين الحين والآخر عن مصادرة شحنات أو مداهمة مستودعات، يقول الموظف إن ذلك ليس سوى "مسرحيات".

في لبنان، وعلى وقع عمليات ملاحقة صناعة وتهريب الكبتاغون في شرق البلاد، بات بعض التجار يعتمدون على مختبرات صغيرة موجودة على ظهر شاحنات، ما يجعل من الصعب ضبطها.

وإن كانت الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية تعزّز عمليات ملاحقة تهريب الكبتاغون، إلا أن ميزانياتها المحدودة تعرقل عملها في ظل الانهيار الاقتصادي القائم.

ونشرت الجمارك السعودية أكثر من مرة مقاطع فيديو تظهر طرق الكشف عن مخابئ الحبوب بأبرز الأجهزة والتقنيات.

إلا أن مسؤولين أمنيين وقضائيين في دول عدة يؤكدون أن غالبية عمليات المصادرة تحصل بفضل معلومات من مخبرين، كون الأشخاص المسؤولين عن إخفاء البضائع باتوا خبراء في ذلك حتى عن أجهزة السكانر.

ويقول المصدر القضائي، في إشارة ضمنية الى نفوذ شبكات الكبتاغون والفساد المستشري في لبنان، "لا يريد أحد أن يسجنهم،(التجار)، خصوصا أنهم يوزّعون الرشاوى بكرم، ولديهم متعاونون في شركات الشحن".

في لبنان، أطلقت وسائل إعلام محلية لقب "ملك الكبتاغون" على رجل الأعمال حسن دقو المتهم بإدارة امبراطورية ضخمة من منطقة البقاع في شرق لبنان، مستفيداً من علاقات جيدة مع مسؤولين لبنانيين وسوريين.

​ آلات كبس حبوب الكبتاغون مصادرة في لبنان ​

واعتقلت القوى الأمنية اللبنانية دقو في إبريل من العام الماضي بتهمة تهريب حبوب الكبتاغون، الأمر الذي نفاه تماماً، مؤكداً أنه يعمل لصالح الأمن العسكري السوري والفرقة الرابعة، وفق مستندات قضائية اطلعت عليها فرانس برس.

وتُعد بعض الأعمال التجارية التي يملكها دقو، وفق مسؤولين أمنيين، غطاء لتجار المخدرات، وبينها معمل مبيدات زراعية في الأردن وشركة سيارات في سوريا وأسطول صهاريج.

ويقول مسؤول أمني إن نفوذ دقو تراجع، مقابل صعود أسماء أخرى في المنطقة.

في سوريا، أشارت مصادر عدة إلى أن النائب عامر خيتي الذي تفرض عليه واشنطن عقوبات اقتصادية، شخصية رئيسية في مجال تهريب الكبتاغون.

ويقول موظف يعمل لديه لفرانس برس من خارج سوريا، إنه شاهد على شحنات كبتاغون نُقلت إلى أحد مستودعات خيتي قرب دمشق.

ويضيف "عائلة خيتي من العوائل المشرفة على الموضوع منذ ما قبل الحرب"، متابعا "كانت تتم الاستفادة من تجارة المواشي لتهريب المخدرات من خلال وضعها بأكياس بلاستيكية داخل أحشاء الماشية".

لكنه يستدرك أن خيتي "رجل طيب يقدّم لنا العون. ليس لدي مشكلة في أنه يفعل ذلك، طالما أنه يساعد الآخرين".

ولم تتلق فرانس برس إجابة على رسالتين بعثت بهما إلى سفارة سوريا في فرنسا وبعثتها في نيويورك حول الإدعاءات المتعلقة بدور الفرقة الرابعة والنائب خيتي في تهريب الكبتاغون. ولم يكن في إمكان فرانس برس الوصول إلى خيتي.

تجارة لأجيال 

يقول مسؤول أبحاث سوريا في مركز التحليلات العملياتية والأبحاث (كور) إيان لارسون "تحوّلت سوريا إلى المركز العالمي لصناعة الكبتاغون عن إدراك"، مشيراً إلى أنه لم يعد أمام دمشق سوى خيارات تجارية محدودة جراء اقتصاد الحرب والعقوبات القاسية.

وتتوزّع دولارات الكبتاغون بين مسؤولين سوريين كبار وأصحاب ثروات وتجار وصولاً إلى شبان يعانون البطالة أو سكان ولاجئين يرزحون تحت عبء الفقر يعملون في تصنيع تلك الحبوب وتهريبها.

ويضيف لارسون الذي كتب مطولاً عن صناعة وتهريب الكبتاغون، "حتى الآن، ليس هناك دليل دامغ يربط الرئيس السوري بشار الأسد مباشرة بصناعة الكبتاغون، وليس أكيدا أن نتوقع الحصول" على مثل هذا الدليل.

تجارة المخدرات هي القاسم المشترك بين أطراف في النزاع السوري وتتخطى حدود سوريا

في سبتمبر 2020، أقرّ مجلس النواب الأميركي قانون مكافحة اتجار الأسد بالمخدرات وتخزينها (Countering Assad's Proliferation Trafficking And Garnering Of Narcotics Act)، ويختصر اسم القانون باللغة الانكليزية بـ"CAPTAGON"، إلا أن الحبوب بحدّ ذاتها لم تلق حتى الآن اهتماماً واسعاً في دوائر صنع القرار في الدول الغربية.

وبرغم أنها القاسم المشترك بين أطراف عدة في النزاع السوري وتتخطى حدود سوريا، إلا أن صناعة الكبتاغون لا تزال في بداياتها.

ويرى الوسيط اللبناني أن "هذه صناعة لا تنتهي ولا تتوقف، بل تستمر لأجيال".

ويقول المصدر القضائي "لم تحصل أي إدانة في قضايا الكبتاغون، والأموال هائلة. لا يوجد سبب واحد ليتوقف ذلك".

متظاهرون يمزقون صور بشار الأسد من فوق إحدى مؤسسات المياه بالمحافظة
متظاهرون يمزقون صور بشار الأسد من فوق إحدى مؤسسات المياه بالمحافظة | Source: social media

في سياق الحراك الشعبي السلمي المتواصل في محافظة السويداء، جنوبي سوريا، منذ نحو 7 أشهر، شرع عشرات المحتجين في التوجه إلى المؤسسة العامة لمياه الشرب، باعتبارها إحدى أهم المنشآت العامة، والتي يستشري فيها الفساد، بحسب ناشطين.

وبحسب تقرير نشره المرصد السوري لحقوق الإنسان، الثلاثاء، أزال متظاهرون في مدينة السويداء "لافتات وصورة تحمل رأس النظام 'بشار الأسد'، على عدة مراكز، وذلك في مؤسسة المياه والصرف الصحي وفرع السويداء، ومدخل الحديقة العامة، احتجاجا على واقع المياه في المنطقة".

ووفقا لتقارير إعلامية، فإن عضو التجمع المهني، نضال سلوم، أبلغ مدير مؤسسة المياه، الاثنين بأن مختصين من داخل الحراك الشعبي "سيتولون مراقبة أعمال المؤسسة، وملاحقة وفضح حالات الفساد المستشري في مؤسسات الدولة بالمحافظة".

ويضم التجمع المهني الذي نشأ على خلفية الاحتجاجات السلمية في السويداء، تسع مكونات، مثل المحامين والمهندسين والمعلمين، ويعد جزءا مهما من الحراك الذي يطالب بحل سياسي للأزمة في سوريا وتنفيذ القرار الدولي "2254".

ويدعو ذلك القرار إلى دعم عملية سياسية بقيادة سورية، تيسرها الأمم المتحدة، وتقيم في غضون فترة مدتها 6 أشهر حكما ذا مصداقية يشمل الجميع و"لا يقوم على الطائفية".

بعد واقعة "كبتاغون الصدفة".. رسائل من السويداء بسوريا
في واقعة أثارت الكثير من الجدل، أقدمت نخب من المجتمع المحلي في محافظة السويداء، جنوبي سوريا، على تدمير وإتلاف كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون المخدرة، وفقا لما أفاد رئيس تحرير شبكة "السويداء 24"، ريان معروف، والذي أوضح لموقع "الحرة" أن هذه العملية تنطوي على رسائل مهمة على الصعيدين الدولي والإقليمي.

ويطالب القرار بأن "تتخذ الأطراف جميع الخطوات المناسبة لحماية المدنيين، بمن فيهم أفراد الطوائف العرقية والدينية والطائفية".

ويحمّل القرار النظام السوري مسؤولية "حماية السكان"، مجددا التأكيد على أن "الحل المستدام الوحيد للأزمة الحالية في سوريا هو من خلال عملية سياسية شاملة، بقيادة سورية تلبي تطلعات الشعب السوري".

"رسالة واضحة"

وبشأن التحرك الأخير، أوضح الناشط الإعلامي الملقب بـ"أبو تيمور" وهو مقيم في السويداء، أنه "ضمن نشاطات محتجي ومحتجات الحراك الأخير في المحافظة، وبالتوازي مع الإصرار على مطالب التغيير السياسي، توجه جزء مهم من النشطاء والمختصين لأخذ دور رقابي على المؤسسات المختلفة، التي تمس بنشاطها حياة المواطن اليومية".

وأضاف الناشط الذي فضل عدم الكشف عن هويته، في تصريح لموقع "الحرة": "يتم ذلك عبر فرض رقابة على إدارات تلك المؤسسات لكبح جماح الفساد المستشري فيها، ولتقويض تغول حزب البعث على هذه المنشآت".

وعن مغزى ذلك التحرك، أوضح الناشط والباحث السياسي، فايز القنطار، في اتصال مع موقع "الحرة"  أنه "بعد مضي أكثر من نصف سنة على الاحتجاجات في السويداء، سادت لغة الحوار، وجرى تشكيل حر للمجتمع المدني، إن صح التعبير، وذلك بمشاركة نقابات الفلاحين والمعلمين والأطباء والمحامين وغيرها".

مع دخوله شهره الخامس.. ما مآلات الحراك السلمي في السويداء ضد النظام السوري؟
مع دخول الاحتجاجات السلمية التي تشهدها محافظة السويداء، جنوبي سوريا، شهرها الخامس، وهي لا تزال تصر على المطالبة بإسقاط نظام بشار الأسد، وإيجاد تسوية سياسية للأزمة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من 12 وفقا لقرارات الشرعية الدولية، فإن العديد من الأسئلة يجري طرحها بشأن مستقبل ذلك الحراك، ومدى قدرة سلطات الأمر الواقع في دمشق على احتوائه والسيطرة عليه.

وتابع: "إضافة إلى ذلك، تكونت مجموعة من التيارات ذات الطابع الثقافي- السياسي، ورغم أهمية ما مضى، فإن الحراك ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدما، وهي مرحلة مراقبة مؤسسات الدولة، وفضح فسادها وكشف تقصيرها الفادح في خدمة المواطنين".

وأضاف: "نحن نعرف أن المواطن السوري يفتقد إلى المقومات الأساسية للحياة الكريمة، مثل الخبز والماء والكهرباء، وذلك دون أن نتحدث عن الدواء والتعليم والقضايا المعيشية الأخرى".

وعن الأزمة التي أدت إلى الاحتجاج أمام مؤسسة المياه، قال القنطار: "من غير المعقول في منطقة جبلية غنية بالأمطار ومصادر الماء أن يعاني السكان من العطش، كما أنه من غير المعقول وفي هذا البرد القارس عدم توفر وقود للتدفئة".

وزاد: "هذا التجمع أمام مؤسسة المياه بعث رسالة واضحة، مفادها أننا لن نقبل بعد اليوم أن نفتقد إلى مقومات العيش الأساسية مثل الماء، الذي بات أهالي السويداء يشترونه بأسعار باهظة تفوق مقدرة معظمهم في ظل الغلاء الفاحش وقلة الأجور، وانتشار البطالة بين الناس".

"خطوة نوعية"

ولدى سؤال القنطار، عما إذا كان أبناء المحافظة الجنوبية أصبحوا قادرين على إدارة مؤسسات الدولة بعيدا عن سطوة النظام، قال الباحث الذي ينتمي إلى نفس المنطقة: "بالتأكيد أن الحراك الشعبي ينتقل خطوات مهمة إلى الأمام، والسويداء حاليا في حالة مخاض لتشكيل مجلس يتم التوافق عليه بتأييد كافة فئات المجتمع، وبرعاية مشيخة العقل الدينية التي جددت دعمها ومباركتها لهذا الحراك".

ونبه إلى أن المجلس الموعود "سيتولى تشكيل لجان متخصصة يكون لها دور حاسم في مراقبة مختلف مؤسسات الدولة في المحافظة، وذلك ليس بغرض أن تحل محلها، وإنما لتكمل وتراقب تلك المنشآت، وللتأكد من حسن سير العمل فيها والقضاء على مظاهر الفساد".

وفي هذا الصدد، أشار القنطار إلى حادثة فصل المعلم صدام ناصر النجم، بقرار من محافظ السويداء في يناير الماضي، وذلك على خلفية مشاركته في الاحتجاجات الجماهيرية التي تشهدها المحافظة.

وأوضح القنطار أن "فصل صدام كان خير مثال على تحرك المجتمع المدني في مواجهة الفساد، حيث جرى تشكيل وفد لمقابلة مدير التربية في المحافظة، ليعلن الأخير رفضه القاطع لذلك القرار، خاصة أنه يخالف الدستور والقوانين المعمول بها".

ونبه إلى أنه "تم رفع دعوى قضائية من قبل بعض المحامين في المحافظة لإلغاء ذلك القرار التعسفي، وإعادة المعلم المفصول إلى عمله".

وشدد القنطار على أن مثل تلك المواقف البارزة والمضيئة تكررت مع الحراك الشعبي في "مواجهة الفساد والقمع المتغول في مؤسسات الدولة، وبالتالي أضحى الحراك السلمي أكثر نضجا".

وفي سياق متصل، أكد الناشط أبو تيمور أن الهدف من التحركات الأخيرة "ليس لإدارة تلك المؤسسات بل هي نوع من ممارسة الرقابة على عمل هذه المؤسسات".

وأشاد بدور شيخ العقل، حكمت الهجري، في دعم الحراك وعدم تراجعه عن مواقفه، رغم الضغوط التي مورست عليه.

وعن مستقبل التوجهات لدى الحراك، وسط وجود مخاوف من فرض حصار اقتصادي على المحافظة، أجاب القنطار: "ربما أفضى تشكيل لجان متخصصة تابعة للمجلس الذي سيرى النور قريبا إلى دور أكثر فعالية للحراك".

وزاد: "ستلعب تلك اللجان دورا حيويا في حال قرر النظام فرض حصار اقتصادي على السويداء، لكن ذلك أيضا سيكون رهنا بتغيرات إقليمية ودولية مثل أن يوافق الأردن على فتح معبر حدودي مع المحافظة".

ورغم أن السويداء تقع في أقصى الجنوب السوري المحاذي للأردن، فإنها لا ترتبط بأي معبر حدودي كما هو الحال بالنسبة لجارتها الواقعة إلى الغرب، محافظة درعا.

وتعتبر السويداء فقيرة وغير قادرة على إقامة مشروعات مستقلة، حسب ما يقول سكان فيها، وكانت تعتمد في السابق على أموال المغتربين وحصاد المواسم الزراعية، في حين أسهمت القروض الصغيرة في تأسيس مشروعات بسيطة، خاصة قبل الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها سوريا عام 2011.

واعتبر رئيس تحرير شبكة "السويداء 24" المختصة بأخبار المحافظة، ريان معروف، في حديث إلى موقع "الحرة"، أن "وجود معبر مع الأردن من شأنه أن ينشط حركة التبادل التجاري وحركة تصدير المنتجات الزراعية، بالتالي فإن ذلك سيشكل رافدا اقتصاديا مهما للمحافظة".

أما القنطار، فيختم بالقول: "الحراك في النهاية حريص على مؤسسات الدولة في السويداء لأنها ملك للشعب، وليست من مقتنيات السلطة الأسدية الغاشمة". 

وعلى نفس المنحى، أكد معروف أن "الحراك قرر تشكيل لجنة لرقابة أداء عمل مؤسسة المياه"، مضيفا: "أتفق مع الآراء التي تؤكد أنه لا توجد لدى نخب الحراك أي نوايا لإدارة المنشآت الحكومية في المحافظة".

وانطلقت في منتصف أغسطس احتجاجات سلمية في محافظة السويداء، أعقبت قرار السلطات رفع الدعم عن الوقود، وتطورت من احتجاج على تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى المطالبة بـ"إسقاط النظام".

وبحسب وكالة فرانس برس، لمحافظة السويداء خصوصيتها، إذ طوال سنوات النزاع في سوريا، تمكّن دروز سوريا إلى حد كبير من تحييد أنفسهم عن تداعياته. فلم يحملوا إجمالا السلاح ضد النظام ولا انخرطوا في المعارضة باستثناء قلة. وتخلف عشرات آلاف الشبان عن التجنيد الاجباري، مستعيضين عن ذلك بحمل السلاح دفاعاً عن مناطقهم فقط، بينما غضّت دمشق النظر عنهم.