الرئيس السوري بشار الأسد خلال حديثه لوسائل الإعلام أثناء زيارته لحلب بعد الزلزال (سانا)
الرئيس السوري بشار الأسد زار حلب إحدى أكبر المدن التي تضررت بالزلزال | Source: Syrianarabnewsagency

رغم أن "الضحكات والابتسامات" لم تفارق جميع إطلالته على مدى 11 عاما من الحرب في البلاد، ولاسيما في الخطاب الأول له عقب اندلاع الاحتجاجات إلا أنه لم يكن متخيلا أن تكون حاضرة على ملامح رئيس النظام السوري، بشار الأسد بينما كان الوقت ينفد للبقاء على الحياة أمام منكوبي الزلزال المدمّر، وتتالى الأرقام الخاصة بأعداد الضحايا والمصابين والمشردين في الشوارع، ساعة بعد ساعة.

وصل الأسد إلى مدينة حلب المنكوبة بالأصل بفعل براميله المتفجّرة والقصف بالطائرات، يوم الجمعة، وبينما جال بشكل محدود في محيط المناطق التي أصابتها الكارثة وزّع الابتسامات هنا وهناك، بحسب ما أظهرته تسجيلات مصورة. "التقط السيلفي وتلقى الزغاريد"، ومن ثم التقى قائد ميليشيات "الحشد الشعبي"، شاكرا دورهم بالعمل خلال الحرب كـ"جناح أيمن" لقواته في المنطقة الشرقية.

ولم يكن أول الواصلين إلى حلب وهي مدينة من بين 4 محافظات منكوبة بفعل الزلزال، بل كان قد سبقه إلى هناك قائد "الحرس الثوري" الإيراني، إسماعيل قاآني، وقادة ميليشيات إيرانية أخرى، والذي قصد أيضا اللاذقية، ليتبعه الأسد، يوم السبت.

ووفق مانشرته وسائل إعلام رسمية وصحفيون موالون له ركّزت عبارات الأسد في المناطق المنكوبة على "الوطنية" من جهة وعلى "الحالة الإنسانية غير الموجودة لدى الغرب"، حسب تعبيره، مشيرا في إحدى التصريحات إلى أن "تسييس الوضع في سورية هو أمر طبيعي بالنسبة لهم"، في إشارة للغرب. 

وهذه الكلمات كان مسؤولوه قد رددوها منذ اليوم الأول لكارثة الزلزال، إذ اتجه وزير خارجيته فيصل المقداد للعب على وتر "العقوبات الغربية والأمريكية" وأنها تعرقل وصول المساعدات الإنسانية إلى البلاد، وكذلك الأمر بالنسبة للمستشارة الإعلامية، بثينة شعبان، إذ اتجهت لترديد ذات الرواية على وسائل الإعلام الأجنبية.

"سعيد من الدقيقة الأولى"

ويقول محللون إن رأس النظام السوري، بشار الأسد يسعى لتحقيق مكاسب سياسية من الزلزال الذي دمر أجزاء كبيرة من سوريا وتركيا، ويضغط من أجل إرسال مساعدات خارجية عبر الأراضي السورية للتحرر تدريجيا من العزلة الدولية المفروضة عليه. 

ويشير إلى ما سبق طريقة التعاطي الخاصة التي اتبعها على مدى الأيام الخمسة الماضية، مركزا على موضوع العقوبات الغربية، في خطوة طغت إلى حد كبير على المعلومات المتعلقة بأوضاع الناجين والمشردين، والمنكوبين في مختلف المناطق، سواء تلك الخاضعة لسيطرته أو في شمال غربي البلاد.

في غضون ذلك لم يجد سوريون أي تفسير لسلوك "توزيع الضحكات" الذي بدا على ملامح رئيس النظام السوري، وبينما اعتبر البعض منهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنه "سعيد بالفعل للزلزال الذي قد يكسب من وراء الكارثة التي خلفها مكاسب سياسية" اعتبر آخرون أنه "رئيس النظام السوري يدمّن منذ سنوات على الاحتفال بمآسي السوريين".

يرى الكاتب والناشط السياسي، حسن النيفي أن "الأسد لم يبد أي اهتمام في الأيام الأربعة الأولى لوقوع الزلزال، إنما كانت جوقته الإعلامية منصبّة نحو استثمار الكارثة، وتحدثت وسائل إعلامه عن ضرورة رفع العقوبات أكثر من ضحايا الزلزال".

ويقول النيفي: "منذ اليوم الأول حاول استثمار الكارثة السورية من أجل فتح النوافذ على المحيط الإقليميي والدولي"، وتحمل زيارته إلى حلب "أكثر من مفارقة".

ويوضح الكاتب لموقع "الحرة": "وصل قبله قائد الحرس الثوري الإيراني، بينما استقبله عدد من عناصر الحشد الشعبي. ذلك يعطي دلالة على أن إيران له وصاية على حلب أكثر من بشار الأسد".

واعتبر الكاتب والناشط السياسي، حافظ قرقوط أن "سوريا ابتليت بهذا النموذج"، وفي إشارة إلى "سلوك توزيع الابتسامات" يقول إن "الأسد وفي أعقاب الثورة دخل إلى البرلمان وهو يضحك ويستهزأ لما جرى في درعا".

وقد كرر ذلك في أوقات كثيرة بعد 2011، ويضيف قرقوط لموقع "الحرة": "هذا السلوك يرتبط أيضا بعناصر قواته. هو نهج وأسلوبه في حلب يحمل نوع من الشماتة وليس التضامن. أسلوب التشفي بالضحايا".

من جهتها تشير الكاتبة والناشطة السورية، عاليا منصور إلى أن "بشار الأسد وفي الحقيقة ظهر منذ الساعات الأولى للكارثة وهو باسما وسعيدا. من اجتماعه الأول مع الحكومة وصولا إلى زيارته إلى حلب".

وتقول منصور لموقع "الحرة": "رأينا دولا أعلنت الحداد على ضحايا الزلزال وأخرى نكست الأعلام. إلا سوريا الأسد لا حداد ولا تنكيس. النظام محتفل من أول دقيقة".

"النظام السوري ورأسه الأسد يرى الزلزال الحاصل فرصة. كتير من قادة العالم تواصلوا معه وقدموا له التعازي، ومع ذلك لم يقدم أي كلمة تغزية للشعب السوري".

وتضيف الكاتبة: "عند رفع الأنقاض وتعويض الضحايا النظام سيستولي على أموال إعادة الإعمار. جاءت له فرصة وهكذا اعتبر، ويحاول الخلط بين آثار ما قصفه وبين الدمار الحالي".

"هذا هو بشار الأسد"

بعد 4 أيام من الزلزال المدمّر الذي ضرب تركيا وسوريا وتسجيل آلاف القتلى والمصابين كانت حكومة النظام السوري قد أعلنت 4 محافظات سورية "منكوبة"، يوم الجمعة، في خطوة اعتبرها محامون ومراقبون "متأخرة"، وأن "لا مضمون قانوني واضح لها"، فيما ترتبط بـ"تسويات معينة لاستغلال الكارثة لتحقيق مآرب سياسية".

ويعتقد المحامي السوري المقيم في دمشق، عارف الشعال أن التسويات قد ترتبط بـ"موافقة الحكومة السورية على تسهيل وصول المنظمات الإغاثية للمناطق غير الخاضعة لسيطرتها مقابل الحصول على مساعدات دولية، وتعليق مؤقت للعقوبات وفق الآلية الدولية للمناطق المنكوبة". 

وبخصوص ما سيترتب على هذا الإعلان يضيف المحامي: "ستتدفق المساعدات الدولية بتسهيل كبير من الحكومة، وهو ما لمسناه باحتساب البنك المركزي السعر الموازي للعملات القريب جدا من سعر السوق السوداء لتحويلات المنظمات الدولية للقطع الأجنبي". 

ووفقا للنظام القانوني السوري يقتضي إعلان بعض المناطق المتضررة في بعض المحافظات كمناطق منكوبة (أي مناطق كوارث عامة أو طبيعية) تفعيل إما: حالة الطوارئ أو حالة التعبئة العامة أو الجزئية، وهو مالم يحصل. 

ولم تذكر حكومة النظام السوري حتى الآن الإجراءات المترتبة على إعلان المناطق الأربعة "منكوبة"، وعن النقاط القانونية المتعلقة بأساسها.

في المقابل لا يعرف بالتحديد الخطط التي ستمضي بها المنظمات التابعة للأمم المتحدة بخصوص المناطق المنكوبة، سواء تلك الخاضعة لسيطرة النظام السوري أو الخارجة عن سيطرته في شمال وغرب البلاد.

وحيث وصل إلى حلب كانت هذه المدينة قد تعرضت لقصف جوي وقصف بالبراميل المتفجرة من جانب قوات النظام، خلال سنوات الحرب التي عاشتها، وصولا إلى بسط سيطرته عليها في عام 2017.

وخلّف القصف أحياء مدمرة بشكل كامل، وخاصة في المنطقة الشرقية، التي انهارت فيها الكثير من المنازل، بفعل الزلزال، بينما كانت أساساتها مضعضعة بالفعل، خلال سنوات القصف.

يقول الناشط السياسي النيفي: "ما فعله بشار الأسد ببراميله في حلب يفوق ما فعله الزلزال. ينظر إلى أنقاض حلب ويوزع الضحكات المفتعلة لا يشعر بالانتماء إلى الوطن أو الشعب".

من جانب آخر يضيف الكاتب حافظ قرقوط: "عندما احتل جيشه لبنان بعنوان قوات الردع كان ضباطه وعناصره يشمتون بالإخوة اللبنانيين، بالقول: أي مساعد في الجيش يمكن أن يهين أي شخصية لبنانية. كان ينظر بعقلية الشماتة".

ولا يرى الكاتب السوري أن السلوك الذي فرضه الأسد في حلب مقتصرا عليه، بل ينسحب إلى باقي أفراد السلطة الحاكمة، من بينهم عمّه رفعت الأسد، الذي "كانت ضحكته عريضة بينما هاربا من فرنسا، قبل أقل من عام".

"عندما قابل الحشد الشعبي في حلب كان يهلل لانتصاراتهم، وكذلك عندما لاقى بوتين وعندما شكر حزب الله. هو يشكر قتلى الشعب السوري، والآن يشكر الزلزال لأن له يد بقتل الشعب السوري".

ويتابع قرقوط: "هذا هو بشار الأسد. نهجه التشفي. الشعب السوري يعيش بزلزال عندما استلم الحكم. نحن في زلزال رأسه بشار الأسد، والشعب السوري يعيش الكارثة بين أنقاض بيوته".

وتشير الكاتبة السورية، عالية منصور إلى أن "حكومة النظام تعمل فقط على إحصاء أرقام مناطق سيطرتها. هذه ميليشيا متحكمة بمنطقة، ولا تعتبر السوري الذي مات في تركيا سوريا بالأساس".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".