وزير الخارجية المصري مع فيصل مقداد في دمسق
وزير الخارجية المصري مع فيصل المقداد في دمشق

لا تندرج زيارة وزير الخارجية المصري إلى العاصمة السورية، دمشق، وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد ضمن إطار "إيصال رسالة تضامن" بعد كارثة الزلزال المدمّر فقط، بل تأخذ مسارات أوسع، بحسب محللين وخبراء من دمشق والقاهرة تحدثوا إلى موقع الحرة.

ووصل سامح شكري، صباح الاثنين، إلى دمشق والتقى أولا نظيره السوري، فيصل المقداد، ومن المقرر أن يتوجه بعد هذه الرحلة إلى أنقرة، في خطوة هي الأولى من نوعها أيضا، منذ تدهور العلاقات بين البلدين، والتي قد تبدد جزءا من المشاكل التي اعترضتها مؤخرا، بـ"جلسات استكشافية".

وكانت هذه الزيارة قد سبقتها سلسلة من الخطوات الممهدة خلال الأيام الماضية، سواء على مستوى القاهرة باتصال الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، برئيس النظام السوري، أو فيما يتعلق بالزيارات التي سبقتها لوفود برلمانات عربية، وصلت الأحد، أو حتى بتوجه بشار الأسد نفسه قبل ذلك إلى سلطنة عمان في ثاني زياراته الخارجية لدولة عربية منذ العام 2011، بعد زيارات سابقة لدولة الإمارات.

علاوة على ذلك، كان الأسد قد تلقى اتصالا قبل أسبوعين، من ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، هو الأول منذ أكثر من عقد، فيما استقبل وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، في لقاء هو الأول من نوعه أيضا منذ اندلاع الحرب.

وقالت الوكالة السورية الرسمية للأنباء (سانا) إن وصول شكري إلى دمشق يأتي "للتأكيد على التضامن مع سوريا بمواجهة تداعيات الزلزال"، الذي خلف آلاف القتلى والمنكوبين.

وذكرت رويترز أن شكري اجتمع مع الأسد بعد أن استقبله نظيره السوري، فيصل المقداد في، مطار دمشق.

بدورها، أعلنت الخارجية المصرية في بيان، الأحد، أنه "من المنتظر أن يؤكد وزير الخارجية في لقاءاته بكل من سوريا وتركيا على استعداد مصر الدائم لتقديم يد العون والمساعدة للمتضررين في المناطق المنكوبة بالبلدين"، مضيفة أن "مصر حكومة وشعبا، لا يمكن أن تتأخر يوما عن مؤازرة أشقائها".

ومنذ السادس من شهر فبراير الحالي، أي تاريخ حدوث كارثة الزلزال المدمّر في تركيا وسوريا، كان لافتا التحوّل الذي طرأ على صعيد المواقف العربية حيال النظام السوري المعزول دوليا، ورغم أنها تندرج ضمن "دبلوماسية الكوارث"، حسب مراقبين، إلا أنه لا يمكن فصلها عن المساعي "القديمة الجديدة" لإعادة سوريا إلى "الحضن العربي".

لم يقتصر هذا التحوّل على القاهرة فحسب، بل انسحب إلى دول عربية أخرى لكن بوتيرة أقل، من بينها التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، متحدثا عن وجود إجماع بدأ يتشكل في العالم العربي على أنه لا جدوى من عزل سوريا وأن الحوار مع دمشق مطلوب في وقت ما، حتى تتسنى على الأقل معالجة المسائل الإنسانية بما في ذلك عودة اللاجئين.

ولطالما سعت دول عربية من بينها الإمارات، خلال السنوات الماضية لتبديد حالة العزلة العربية التي تحيط بالنظام السوري، منذ اندلاع الحرب الدامية.

وفي حين لم يطرأ أي تطور على صعيد تبديد هذه الحالة خلال الأشهر والسنوات الماضية،  فإنه لم يكن هناك إجماع على عودة دمشق للجامعة العربية.

وجاءت كارثة الزلزال لتعيد فتح الأبواب الموصدة، في وقت كثر الحديث عن محاولة الدول العربية "احتواء سوريا وكسر علاقتها المتناهية مع إيران".

"أبعد من رسالة تضامن"

ويوضح مدير تحرير جريدة "الأهرام" المصرية، أشرف العشري، أن زيارة شكري إلى دمشق "مخطط لها منذ أسبوع، وتأتي في إطار تطبيع العلاقات المصرية-السورية خلال المرحلة القادمة".

وأضاف: "هذه الزيارة تم التشاور بشأنها بين الدولة المصرية وعدد من الدول العربية والخليجية، من أجل بحث إمكانية تعبيد الطريق نحو تطبيع عربي-سوري، وإعادة سوريا إلى الجامعة العربية أو على الأقل الحصول على اعتراف بها في القمة المرتقبة".

وبالإضافة إلى أنها ترتبط بشكل أساسي بكارثة الزلزال المدمّر، تأخذ زيارة شكري إلى دمشق منحى آخر، إذ يقول العشري لموقع الحرة إنها "تأتي في إطار الدعم المصري لسوريا، وإمكانية إفساح المجال أمام العواصم العربية، لقبول عودتها للجامعة واستعادة مقعدها".

ومن المقرر أن يبحث الوزير المصري ونظيره المقداد النقطة المذكورة، إلى جانب "إمكانيات التوصل إلى تطبيع عربي عربي قادم".

علاوة على ذلك، يعتقد الصحفي المصري أن "شكري يحمل مجموعة من المطالب والشروط"، أبرزها "ملف علاقات سوريا بإيران، وبحث التخفيف أو الحد منها، لإفساح المجال أمام عواصم خليجية لعودة سوريا للحضن العربي".

وحتى الآن، لم تتضح الصورة العامة عما إذا كانت الخطوات المتعلقة بإعادة النظام السوري ورأسه الأسد لـ"الحضن العربي" ستنجح بالفعل في المرحلة المقبلة، لا سيما مع تأكيد الولايات المتحدة ودول غربية على أنها تعارض أي عملية تطبيع، في وقت تواصل إجراءاتها المتخذة ضد دمشق، من أجل تقديم تنازلات سياسية.

وكذلك الأمر بالنسبة لمستقبل علاقة إيران بالنظام السوري، والذي تتعزز بالزيارات المكوكية من جهة خلال المرحلة الماضية، وبالتصريحات الرسمية التي تضعهما في "خندق واحد".

ويقول المحلل السياسي المقيم في دمشق، علاء الأصفري، "صحيح أن هناك دبلوماسية كوارث بما يخص الشأن الإنساني، لكن أعتقد أن ضغط الشعوب العربية كبير لمد اليد للتعاون مع سوريا".

وتأتي زيارة الوزير المصري إلى دمشق "لتتويج لقاءات عربية حصلت خلال الأيام الماضية، كبداية لانفتاح دبلوماسي حقيقي وعودة سوريا إلى الجامعة العربية".

وفيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين طهران ودمشق يقول الأصفري لموقع "الحرة": "لا أعتقد أن أي دولة تتمنى أن تتجزأ هذه العلاقة، لأن سوريا قبل الحرب كانت تلعب دور الوسيط، وبنفس الوقت كانت توصل الرسائل. يجب أن تحافظ سوريا على دورها في هذا الأمر".

ويضيف: "أن ننظر من زاوية ضيقة أن العرب يريدون سلخ سوريا عن إيران أعتقد أنها خطيئة بحق الأمن القومي العربي. يجب أن تكون سوريا صمام الأمان ومحور العلاقات العربية الإيرانية"، حسب تعبيره.

في المقابل، يعتبر الكاتب والناشط السياسي السوري، حافظ قرقوط، أن "كافة المحاولات التي تجري لإعادة تدوير الأسد وأنه رئيس شرعي لسوريا هي رسائل خاطئة لأناس منكوبة وفقدت كل شيء وأغلى ما يمكن من هذا النظام".

ويقول قرقوط لموقع "الحرة": "نحن نتكلم عن ملايين السوريين إما قتلوا في سجون نظام الأسد أو قصف قواته وحلفائه، وعن مدن مدمرة ومشردين في كافة دول العالم وأصبحوا لاجئين".

وتابع: "هذه الرسائل التي تحصل في الوقت الحالي ليست سياسية، ولا تندرج تحت بند الأخلاق العامة، على الأقل بالنسبة للضعفاء المغلوب على أمرهم. الضعفاء يحتاجون لرسائل إيجابية وليست سلبية".

ما الذي تعوّل عليه القاهرة؟

كان الأسد حريصا على تقديم نفسه بعد الكارثة على أنه يتمتع بالشرعية الدولية، وسلط الضوء على جميع رسائل التعازي التي تلقاها من قادة العالم جراء الزلزال.

وازدادت ثقة الأسد على المستوى السياسي أيضا، حين بدأت الدول العربية في إرسال مساعدات إنسانية إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام.

لكن بالنسبة لرأس النظام السوري، فإن الجائزة الحقيقية هي إعادة العلاقات مع الغرب والحصول على تمويل غربي لإعادة الإعمار، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية قبل أسبوع.

وعدا عن علاقاته مع إيران،  التي تتصدّر الحديث المتعلق بمسار الانفتاح الذي بدأت تسلكه بعض الدول العربية، يوسم النظام السوري منذ سنوات طويلة بسجّل حافل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما استدعى واشنطن ودول غربية أخرى لفرض عقوبات صارمة ضد نظامه.

ويرى الصحفي المصري العشري أن "القاهرة والجانب العربي يراهن أنه ليس في جلسة واحدة أو لقاء واحد يمكن أن يتم إقناع النظام السوري بإنهاء أو تكبيل أو تدريج العلاقة مع إيران".

ويقول: "يرون أن الأمر يحتاج لوقت وأن ما يحدث من قبل مصر والخارجية المصرية في المرحلة المقبلة سيلعب دورا كبيرا لتوفير حاضنة لسوريا ومن ثم الطلب بتقنين العلاقات بين دمشق وإيران".

ورغم أن القاهرة ترى المسار المذكور على أنه "مهمة صعبة"، إلا أنها "مصممة على استدراك سوريا للعودة إلى الحاضنة العربية، ولو بشكل تدريجي"، حسب العشري.

في المقابل يعتقد الأصفري أن ما يحصل من لقاءات وزيارات "بداية انفراج بين سوريا والدول العربية"، معتبرا أن "الانفراجات الكبرى لسوريا قد بدأت، وستعود للجامعة العربية واستعادة دورها الإقليمي الفعّال".

لكن الكاتب قرقوط يرى أن "كل المحاولات التي تقودها الدول العربية لإعادة تدوير النظام السوري ستكون فاشلة"، معتبرا بالقول: "النظام السوري بضاعة فاسدة لا تصلح. هو من الداخل أصبح فاسدا وبالأصل بني على فساد منذ أن تأسس. الآن أصبحت سوريا التي يحكمها عبارة عن عصابات".

ويضيف فيما يتعلق بالعلاقة مع إيران أن "الأمر أكبر من النظام السوري، ولا سيما أن أغلب الأفرع الأمنية أصبحت إما تابعة لها أو لروسيا، كما أن جيشه لا يملك القدرة وقرار ذاته".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".