طابور في سوريا للحصول على البصل المدعوم
طابور في سوريا للحصول على البصل المدعوم | Source: Social Media

لم تعد مشاهد الطوابير في سوريا مقتصرة على مواد بعينها وأخرى يحتاجها المواطنون بشكل يومي، على رأسها الخبز والمحروقات، بل توسعت دائرتها خلال الأيام الماضية لتشمل البصل، في "مشهدٍ فريد" يضاف إلى سلسلة مشاهد باتت جزءا أساسيا من حياة الناس، حيث المحافظات الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

ورغم أن أزمة الحصول على البصل لا تقتصر على سوريا فحسب، بل تعد أحد مظاهر أزمة الغذاء العالمية، إلا أن أسبابا داخلية في البلاد ترتبط بـ"الفشل الحكومي" تقف وراء انقطاع المادة عن الأسواق، وتضاعف أسعارها، وحتى أن سعر الكيلو الواحد بات يتجاوز 16 ألف ليرة سورية (أي قرابة دولارين).

على مدى الأيام الماضية ومن العاصمة دمشق إلى حلب وحمص وباقي المحافظات السورية كان المشهد واحدا أمام مراكز بيع البصل والصالات التجارية التابعة للحكومة السورية، وبينما وثقت تسجيلات مصورة اصطفاف العشرات وراء بعضهم البعض للحصول على كيلو واحد من البصل، حملت أخرى في المقابل طابع سخرية وتندر، مع تضمين عبارات تشرّح الواقع، من قبيل: "بورصة البصل"، "الأمل بالبصل"، "البصلة الواحدة بألفي ليرة سورية!".

ولا تشير الرواية الرسمية كثيرا إلى أسباب الأزمة الحاصلة بالتفصيل، فيما اتجهت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة النظام إلى حصر بيع المادة عبر "البطاقة الذكية"، وبمعدل كيلو واحد للعائلة بشكل أسبوعي، ما زاد من حالة السخرية ودفع مواطنين لتوجيه انتقادات بشأن "الفشل الحكومي الحاصل".

وتعتمد الحكومة السورية نظام البطاقة الذكية لبيع المحروقات، منذ سنوات طويلة، وكذلك الأمر بالنسبة لمادة الخبز، ومواد أخرى مثل الشاي والسكر والأرز، وبعض أنواع الخضراوات.

وفي تصريحات له الأسبوع الماضي قال وزير التجارة السوري، عمرو سالم، إن "حاجة السوق السورية 59 ألف طن من البصل، بينما كان الإنتاج 42 ألف طن، ما يعني أن هناك نقص مقداره 17 ألف طن"، مضيفا أن "الكمية بيعت كلها، ما أدى إلى شح في المادة، ورفع خيالي لسعرها".

وتحدث سالم أنهم اضطروا لاستيراد 1700 طن كحل إسعافي من مصر، وأن حصر البيع عبر "البطاقة الذكية" يأتي بهدف: "أن يصل البصل إلى المواطنين وليس إلى التجار، معتبرا أن "الأزمة في لبنان أكبر"، وأنهم يريدون تحقيق عدالة "بأن تصل المادة لكل المواطنين".

"تصدّر وتستورد"

وفي مقابل الرواية الرسمية التي استعرضها الوزير عمرو سالم تحدثت وسائل إعلام محلية عن "فشل حكومي" يقف وراء أزمة البصل الحاصلة في الأسواق.

وذكرت صحيفة "البعث" في تقرير لها أن "البصل اختفى وتراجع عرض الكثير من السلع مع ارتفاع أسعارها، لأن الوزارات المعنية منشغلة بالاستيراد، وليس بدعم الزراعة وإنتاج وتسويق السلع الزراعية محليا".

واعتبرت الصحيفة أن "العملية برمتها، بدءا من فقدان المادة في الأسواق، فاستيرادها، فبيعها بكمية هزيلة بموجب البطاقة الذكية تفضح التقصير الحكومي بتأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية لملايين الأسر السورية، وتكشف أن التصريحات المتكررة حول دعم الزراعة مجرد هراء بهراء".

وبينما كان يتراوح سعره بين 1000 و2000 ليرة في العام الماضي، وصل مبيع كيلو البصل خلال الأيام الماضية في أسواق دمشق إلى أكثر من 13 ألف ليرة في بعض الأسواق، مع قلّة في توافره.

وفي حين وافق رئيس مجلس الوزراء السوري، حسين عرنوس، قبل أسابيع، على السماح باستيراد كمية 2000 طن "لمصلحة المؤسسة السورية للتجارة"، كان قد اتخذ قرارا معاكسا قبل عام، بسماحه تصدير البصل لمدة شهرين، واعتبارا من شهر مايو 2022.

وبُرر قرار التصدير، قبل نحو عام، "بوجود فوائض من الإنتاج المعروض من البصل تفوق حاجة السوق خلال تلك الفترة"، بينما أكد عرنوس على استمرار تأمين هذه المواد في الأسواق المحلية من جهة وتحسين جودة المادة المصدرة من جهة أخرى.

وجاء قرار التصدير بعد "عدم قدرة الجهات المسوقة والمخزنة مثل السورية للتجارة على تخزين المادة في البرادات المخصصة، بسبب أزمة المحروقات"، ولاسيما أن "البصل أحد المحاصيل الموسمية، ويخضع مثل غيره من المواد لقانون العرض والطلب".

ويرى الصحفي الاقتصادي السوري، مختار الإبراهيم، أن "القصة والأزمة لا تنتهي عند مادة البصل، وإنما تصل إلى أوائل المحاصيل التي تظهر عليها المشكلة كاملة في سوريا".

ويقول لموقع "الحرة": "في سوريا يعتبر البصل والثوم من المنتجات الأساسية في سلة الغذاء، ويفترض أن لا تنقطع من الأسواق، سيما وأنها تزرع على فترات مختلفة من السنة، مثلها مثل البطاطا الربيعية والصيفية والشتوية".

وما حصل هو أن "حكومة النظام السوري تحاول إفقار طبقات شعبية مختلفة، من خلال فرض جبايات وضرائب بوسائل مختلفة"، حسب تعبير الصحفي.

ويضيف من جانب آخر أن هناك أسباب للأزمة ترتبط بالمزارعين، وعدم حصولهم على كمية المحروقات المدعومة، من أجل استخراج المياه وسقاية المزروعات، ما اضطرهم مؤخرا إلى التوجه لتركيب آبار كهربائية، أو تركيب ألواح طاقة شمسية.

"المزارعون تُركوا وحدهم. الكلفة الواحدة للبئر الكهربائي كانت بحدود 50 مليون ليرة سورية، بينما وصل تركيب ألواح الطاقة الشمسية إلى أسعار خيالية تصل إلى 150 مليون ليرة سورية".

وذلك ما دفعهم إلى الإحجام عن الزراعة، في وقت يشير الإبراهيم إلى أن "الأزمة الحاصلة ستظهر تباعا على محاصيل أخرى".

"أزمات متوقعة"

في غضون ذلك وبالتزامن مع أزمة البصل الحاصلة بدأت حكومة النظام السوري، خلال الأيام الماضية، بعمليات استيراد البقوليات.

وذكرت وسائل إعلام شبه رسمية، الجمعة، أنه "ليس مستبعدا مع خروج عدد كبير من مربي الدواجن أن تسمح اللجنة الاقتصادية باستيراد الفروج والبيض أيضا، وطرحهما في صالات السورية للتجارة بأسعار مخفضة، بموجب البطاقة الذكية وبمعدل صفيحة بيض شهريا وفروج واحد بوزن كيلو غرام أسبوعيا".

ويعتبر الصحفي الإبراهيم أن "حكومة النظام السوري تستفيد من موضوع استيراد المواد"، موضحا: "عندما تستورد البصل تتم عن طريق وكلائها، ومن ثم طرحها مبدئيا بالبطاقة الذكية".

وفي حال لم يرغب المواطن بالشراء من الصالات التابعة للحكومة، سيضطر إلى الشراء من السوق السوداء، وهو ما يحصل الآن، إذ أجبر كثيرون على شراء الكيلو الواحد بأسعار مضاعفة عبر "الوكلاء" أيضا، وفق الإبراهيم.

ويشير المحلل الاقتصادي السوري، يونس الكريم، إلى أن حكومة النظام السوري كانت قد اتخذت قرارا، العام الماضي ببيع احتياطي البصل دون تخزينه.

ويقول لموقع "الحرة: "كان لدينا فائض وتم بيعه وعدم تخزينه، ونتيجة ارتفاع الكلفة المفاجئ في الطاقة لم يزرع الفلاحون موسما جديدا في شهر فبراير الماضي".

"السبب الأساسي هو عدم الزراعة في العام الماضي، وعدم التخزين. المنتجون لم يعد يخزنوا. الآن يتغير النهج نتيجة تغير الطاقة والكلفة. الفلاحون لا يريدون الخسارة".

ويضيف الكريم أيضا أن "ارتفاع أسعار المحروقات وانقطاعها في سوريا جعل الزراعة في البلاد مكلفة، وخاصة إذا ما قارنا أسعار المنتج النهائي".

علاوة على ذلك، هناك كلف كبيرة تتعلق بحصول المزارعين على الأسمدة، بعدما هيمنت شركات روسية وإيرانية على مناجم الفوسفات، بالتدريج وخلال السنوات الماضية.

ويتابع المحلل الاقتصادي أن عزوف المزارعين عن الزراعة يرتبط أيضا "بتقلص المساحات المخصصة للزراعة، كون الكثير من الأراضي باتت مناطق عسكرية"، بالإضافة إلى أن توفر الأيدي العاملة بات "أمرا نادرا".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".