عمليات جمع الكمأة تتم في البادية السورية - صورة تعبيرية. أرشيف
عمليات جمع الكمأة تتم في البادية السورية - صورة تعبيرية. أرشيف

داخل منطقة البادية السورية مترامية الأطراف أو كما تعرف بـ"الثقب الأسود لتنظيم داعش" فَقد مئات المدنيين أرواحهم هناك بين شهري فبراير وأبريل الماضيين في أثناء بحثهم عن "فطر الكمأة"، وعلى الرغم من تسجيل العديد من هذه الحوادث من جانب جهات حقوقية، إلا أن كثير من الناس الفقراء ما يزالون يسلكون هذه المغامرة حتى الآن، مع علمهم بأنها قد تنتهي بالموت.

ويعتبر موسم "الكمأة" في سوريا هذا العام الأفضل والأكثر سخاء قياسا بالأعوام السابقة، ما دفع كثير من العمال الفقراء في عدة محافظات سورية تتقاطع أطرافها الصحراوية في "البادية" لجمع ما يستطيعون من نبشه، وخاصة أن سعر الكيلو غرام الواحد بات يساوي ضعف الراتب الذي يتقاضاه الموظف في المؤسسات الحكومية، وفي وقت تعيش البلاد ظروفا اقتصادية صعبة، منذ 12 عاما.

لكن وبينما كان هؤلاء ينبشون في المناطق المعروفة بغناها بـ"الكمأة"، خلال الأشهر الماضية، تعرضوا لهجمات بإطلاق الرصاص المباشر من جانب خلايا تنظيم "داعش"، ما أسفر عن مقتل المئات منهم، في وقت كانوا يواجهون موتا من نوع آخر، بسبب الألغام المزروعة في كل بقعة هناك، إثر العمليات العسكرية.

وتشير إحصائية حديثة نشرها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، الأربعاء، إلى أنه وثق "مقتل واستشهاد" 177 من جامعي الكمأة، بينهم 30 من قوات النظام السوري و147 من المدنيين بينهم طفلين و5 سيدات.

وجاء في الإحصائية أن العشرات من عمال الكمأة أصيبوا أيضا، إثر انفجار ألغام من مخلفات الحرب وهجمات لعناصر تنظيم "داعش"، استهدفتهم أثناء عملهم في البحث عن الفطر، وذلك منذ مطلع شهر فبراير وحتى الرابع من شهر أبريل الحالي.

وكانت آخر الحوادث التي وثقها المرصد في الخامس من أبريل الحالي، إذ قتل مدنيين اثنين، جراء انفجار لغم أرضي من مخلفات الحرب بسيارة كانت تقلهما أثناء عملهما في جمع "الكمأة" في بادية البشري ضمن مناطق سيطرة قوات النظام في ريف دير الزور الغربي.

وقبل هذه الحادثة، في الثالث من أبريل، عثر الأهالي على 4 جثث تعود لمدنيين قتلوا بهجوم عناصر مسلحين يرجح تبعيتهم لخلايا "داعش" أثناء بحثهم عن الفطر، شرقي دويزين بجبل أم الفهود جنوب شرق سلمية بريف حماة الشرقي، بعدما كانوا قد فقدوا لمدى أسبوع.

من ينفذ المجازر؟

وبعدما انتهى نفوذ تنظيم داعش في منطقة الباغوز بريف دير الزور، أواخر العام 2019 باتت منطقة البادية الملاذ الآمن لخلاياه، التي فرّت من العمليات العسكرية التي أطلقها التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة.

ومنذ تلك الفترة لم تتوقف الهجمات داخل منطقة البادية من جانب الخلايا، سواء باتجاه مناطق القوات الكردية في شمال وشرق سوريا أو حيث تسيطر قوات النظام السوري، وصولا إلى المناطق التي كانت سابقا ضمن نفوذ فصائل المعارضة.

وفي غضون ذلك كان أكثر ما ميز المنطقة الصحراوية، منذ عام 2019 الهجمات التي استهدفت قوافل وأرتال عسكرية معظمها تتبع لقوات النظام السوري، حتى تطور هذا المشهد ليطال العمال الفقراء، الذين يقصدون المنطقة بحثا عن لقمة العيش من داخل الأرض.

وتبلغ مساحة البادية السورية نحو 80 ألف كيلومتر مربع، وتتوزع على محافظات: دير الزور، الرقة، حلب، حماة، حمص، ريف دمشق، والسويداء.

وحسب مراقبين فإن نشاط خلايا "داعش" في البادية يأتي ضمن استراتيجية مختلفة بشكل جذري عن استراتيجياته السابقة في القتال، خاصة من ناحية تنقّل المقاتلين أو أساليب الاستهداف المحددة.

لكن ومع ذلك وحتى الآن لا يعرف بالتحديد أعداد عناصر خلايا داعش هناك، والموارد التي يحصلون عليها، وتقف وراء استمرار هجماتهم وأعمالهم الأمنية، ولاسيما أن المنطقة الصحراوية التي يمكثون فيها لا توجد فيها أي مقومات للبقاء على قيد الحياة.

ويقول مدير "المرصد السوري"، رامي عبد الرحمن لموقع "الحرة" إن الهجمات التي تم توثيقها بحق جامعي الكمأة يقف وراءها بشكل أساسي تنظيم داعش"، من كونه المسيطر على المنطقة هناك.

ويضيف عبد الرحمن: "عندما يقتل داعش العمال يعتبرهم مرتدين ويعملون مع النظام السوري، وفي ذات الوقت يحاول توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأنه موجود ويضرب في المنطقة".

وبينما توجه أصابع الاتهام على نحو أكبر لخلايا داعش، إلا أن ذوي ضحايا كانوا قد حملوا الميليشيات الإيرانية مسؤولية هجمات استهدفت جامعي الفطر أيضا في أرياف دير الزور وحمص.

وفي بيان لها نشر في شهر فبراير حمّلت "قبيلة بني خالد مسؤولية مقتل أبنائها للميليشيات الإيرانية العاملة في منطقة البادية"، وأصدرت بيانا مع عدة قبائل حينها اتهمت فيه "لواء فاطميون" الأفغاني بقتل 75 شخصا من أبنائها في مجزرة بشعة حصلت في منطقة الضبيات بريف السخنة شمال مدينة تدمر الأثرية.

وأشارت القبائل إلى أن أغلب القتلى هم من قبيلة "بني خالد"، وأن جميع القتلى هم من "المدنيين العزّل الذين كانوا يعملون في جني الكمأة".

لكن مدير "المرصد السوري" وبينما أوضح أن الميليشيات الإيرانية وقوات النظام السوري "هم قتلة وهذا شيء معروف"، إلا أنه قال: "مسؤوليتهم عن هجمات جامعي الكمأة قد تبدو غير دقيقة".

وترتبط فكرة عبد الرحمن بأن العديد من عناصر قوات النظام السوري وميليشيا "الدفاع الوطني" كانوا قد تعرضوا لهجمات من جانب تنظيم "داعش" في أثناء بحثهم عن الكمأة أيضا، بعدما تسللوا خلسة من داخل قطعهم العسكرية.

"احتكار وقوده الفقراء"

ونادرا ما يعلق تنظيم داعش على الهجمات التي اتهم بتنفيذها ضد عمال الكمأة، على خلاف العمليات التي ينفذها باستمرار في مناطق شرق سوريا وشمالها، وفي الجنوب السوري بمحافظة درعا.

وعلى غير ما كانت عليه هجماته بعد خسارته الباغوز شرق سوريا في مارس 2019، زاد التنظيم عملياته خلال العامين 2020 و2021، بينما قلصها خلال النصف الثاني من عام 2022 والربع الأول من هذا العام إلى حدودها الدنيا.

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، رائد الحامد، أن "مجلة النبأ التي توثق عمليات التنظيم الأسبوعية والتي تصدر كل خميس لم تسجل في بعض الأسابيع أكثر من عملية واحدة إلى ثلاث عمليات في عموم ما يعرف باسم ولاية الشام".

ومع ذلك هناك المزيد من الأخبار التي تتحدث عن كمائن للتنظيم على سيارات "مبيت" جنود النظام أو الميليشيات المتحالفة معها، أو هجمات على مدنيين يقومون بجمع فطر الكمأة من الصحراء، وهو ما لم تتبناه منصات إعلام داعش.

ويقول الحامد لموقع "الحرة": "التنظيم ومن خلال ما تنفذه قوات التحالف من عمليات استهداف لقياداته في محافظة دير الزور، لديه خلايا تنشط في جمع الأموال عبر الابتزاز".

كما لديه "خلايا لجمع المعلومات الاستخباراتية وتصفية المتعاونين مع قوات سوريا الديمقراطية أو قوات النظام، دون أن تشهد هذه المناطق عمليات قتالية أو اشتباكات واسعة"، وفق الحامد.

وفي مطلع شهر مارس الماضي نقلت صحيفة "الوطن" شبه الرسمية عن مصدر عسكري مناشدته المواطنين "عدم التوجه إلى البادية لجمع الكمأة، لكونها مناطق لم تعلن آمنة بعد، وتشهد عمليات تطهير من خلايا تنظيم داعش". وأفاد بوجود "العديد من القطاعات مزروعة بالألغام والعبوات الناسفة".

وجاء ذلك بعدما انكشفت مجزرة شنيعة، أسفرت عن مقتل 15 شخصا من جامعي فطر الكمأة ذبحا بالسكاكين، حسب "المرصد السوري".

وعُرف من الضحايا خمسة أشخاص من أبناء عشيرة "الإبراهيم" التابعة لقبيلة "الحديديين"، بالإضافة إلى خمسة أشخاص آخرين من أبناء عشيرة "البوفاتلة"، بينهم عناصر في صفوف قوات النظام.

ويشير عبد الرحمن إلى أن "هناك عناصر من النظام والدفاع الوطني يتركون قطعهم العسكرية ويبحثون عن الكمأة"، ولذلك تحولوا خلال الأشهر الماضية إلى هدف أساسي لخلايا التنظيم.

ومع ذلك تحدث عبد الرحمن عن وجود 3 تجار محتكرين لـ"الكمأة" في سوريا، ويتبعون لـ"الفرقة الرابعة"، موضحا أنهم "يقومون بجمعها من السخنة ودير الزور وتدمر، ومن ثم يعملون على المتاجرة بها وتصديرها إلى خارج الحدود".

"الناس مهددة بالموت ومع ذلك تستمر بالبحث عن الكمأة وتخاطر بحياتها"، ويضيف عبد الرحمن: "هذا العام هناك محصول وفير في سوريا، بينما أعداد الضحايا كبيرة".

الناشط الإعلامي، عبد الرزاق، الموجود في منطقة التنف القريبة من مسرح المجازر والهجمات ضد العمال الفقراء يقول لموقع "الحرة" إن الكثير من الضحايا "كانوا يعرفون أنهم قد لا يعودوا إلى منازلهم بعد هذه المغامرة".

ويضيف أنه "رغم هجمات داعش من جانب والألغام من جانب آخر.. وتابع بلهجة محلية "الناس عم تطلع على دمها مشان تترزق".. و"إلى الآن مستمرة بهذا الأمر".

ويرجح الصحفي السوري، محمد العايد و"مدير شبكة تدمر الإخبارية" مسؤولية خلايا داعش في الهجمات التي حصدت أرواح المئات، لكنه يضيف لموقع "الحرة" أن "استمرار الموضوع وتوسعه وعدم تبنيه يثير شبهات".

"ارتياب وعوامل مجتمعة"

وكثيرة هي التسجيلات المصورة التي تظهر توجه مئات العمال للبحث عن الكمأة في البادية السورية، وهناك تسجيلات أخرى تظهر تعرضهم لإطلاق رصاص مباشر وملاحقتهم من قبل أشخاص مسلحين.

وبالإضافة إلى ذلك وثقت تسجيلات مصورة أخرى نشرها مستخدمون عبر مواقع التواصل الاجتماعي كيف يخاطر أحد جامعي الكمأة في انتزاع الألغام التي عثر عليها في أثناء نبشه لإحدى البقع المليئة بالفطر.

ومع استمرار أعداد الضحايا بالازدياد لا تعرف الأسباب التي تدفع خلايا داعش إلى قتل هؤلاء العمال الفقراء، وما إذا كان ذلك مرتبط بكون المنطقة التي يدخلون إليها تخضع لسيطرته أم يتعلق بدوافع أخرى.

ومنذ فترة بعيدة وفي أعقاب نهاية سيطرته المكانية في الباغوز أصبحت البادية السورية بالنسبة لداعش "منطقة ملجأ وملاذا آمنا"، حسب ما يقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية.

ويضيف الباحث لموقع "الحرة": "من خبرته في العراق خلال حقبة الزرقاوي وأبو عمر البغدادي وصولا لأبو بكر البغدادي أصبحت الصحاري الملاذات الآمنة له للعودة مرة أخرى إلى المدن".

ويرى أبو هنية أن الهجمات التي تطال العمال الفقراء قد ترتبط بمرحلة الارتياب التي يدخل فيها "داعش"، وخاصة بعد تحوله من الظهور المباشر إلى السيطرة على الولايات الأمنية فقط.

"التنظيم يرتاب من أي شخص، وهو لا يريد أن يستخدم المدنيون ملاذه الآمن، حتى لو لجمع فطر الكمأة".

وإلى جانب "الارتياب" هناك حالة "انتقامية يمر بها التنظيم"، ويشير أبو هنية إلى أن هذه المرحلة تفرض عليه أن "لا يتسامح في أماكن سيطرته ونفوذه، كما فعل حيث تمكن في الولايات سابقا".

علاوة على ذلك، يوضح أبو هنية أن "التنظيم يعتبر البادية السورية كالأنبار سابقا كملاذ آمن لفرض النفوذ والسيطرة"، وأن الهجمات قد تكون مرتبطة أيضا "بالأتاوة والضريبة التي يفرضها داخل مناطق نفوذه، ومن لا يدفع يكون مصيره القتل".

العمالة السورية في لبنان
عدد العمال السوريين في لبنان يقدر بمئات الآلاف

ما كادت صفارة القطار الحكومي اللبناني الأخيرة تنطلق منذرة ببدء رحلة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حتى علت الأصوات من قطاعات لبنانية عدة، مؤكدة أهمية اليد العاملة السورية والحاجة الملحة إليها، وعدم القدرة على الاستغناء عنها.

ويعتبر اتحاد "نقابات الأفران والمخابز" في لبنان من أوائل من عبّروا عن قلقهم من ترحيل العمال السوريين، حيث أكد نقيب الاتحاد ناصر سرور أنهم عصب قطاع الأفران منذ عشرات السنين.

وأشار سرور في مؤتمر صحفي عقده مع رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، يوم الثلاثاء الماضي، إلى أن مغادرة العمال اللبنانيين للقطاع خلال الأزمات الاقتصادية والمالية أدت إلى توافد المزيد من العمال السوريين، الذين أصبحوا أساسيين لضمان استمرار عمل الأفران وتوفير رغيف الخبز للمواطنين.

كما لفت إلى أنه أجرى سلسلة من الاتصالات مع الجهات مع الأمن العام وقيادة الجيش وأنه "تم التوصل إلى تسوية لمعالجة أوضاع كل العاملين في الأفران تحت سقف القانون".

من جانبه، أكد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر على أهمية العمالة السورية في قطاعات عدة، بما في ذلك قطاع المخابز.

وفي حديث مع موقع "الحرة" أكد الأسمر أن لبنان "لا يستطيع الاستغناء عن اليد العاملة السورية، خاصة في قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة والأفران، وفعلياً هذه اليد هي طاغية في هذه القطاعات".

ويشير الأسمر إلى أن هذا الاعتماد على اليد العاملة السورية ليس بجديد، حيث "كانت جزءاً لا يتجزأ من نهضة لبنان وازدهاره منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي".

وأطلقت الحكومة اللبنانية حملة صارمة ضد "العمالة السورية غير القانونية"، والتي تهدف إلى الحد من تواجد العمال الذين لا يحملون أوراقاً نظامية، وتنفيذاً لذلك يكثف عناصر الأمن العام عمليات التفتيش على المتاجر والشركات لضبط المخالفين.

تشمل إجراءات الحملة "ملاحقة وقمع مخالفات الإقامة والعمل في مختلف المناطق، من خلال القيام بدوريات على المحلات التجارية التي يملكها أو يديرها سوريون للتحقق من وضعها القانوني، والتحقق من وثائق الإقامة العائدة لكل منهم، والتثبت من وجود كفيل لبناني للعامل أو صاحب العمل السوري"، بحسب ما أوردت "الوكالة الوطنية للإعلام".

إضاقة إلى "التحقق مما إذا كان مسجلاً لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وبالتالي فهو لا يحق له ممارسة أي عمل، وسحب المستندات والأوراق العائدة للمحلات المخالفة وأصحابها، وتوقيف المخالفين منهم، وإقفال وختم المحال المخالفة بالشمع الأحمر بناء لإشارة القضاء المختص".

ركيزة أساسية

تثير الحملة التي تشنها الحكومية اللبنانية جدلاً واسعاً في لبنان، حيث يرى مؤيدوها أنها ضرورية لحماية حقوق العمال اللبنانيين وخلق فرص عمل لهم، خاصة في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية. 

في المقابل، يعارض آخرون هذه الحملة، ويعتبر بعضهم أنها تنعكس سلباً عليهم، منهم صاحب محل لبيع الفحم، الذي تحدث عن مخاوفه من خلال مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

يشير صاحب المحل في الفيديو إلى أن إغلاق محلات السوريين قد أثّر سلباً على الاقتصاد اللبناني وشلّ الحركة في الشوارع التي باتت خالية، إضافة إلى عدم استطاعته إيجاد عمال لمساعدته في تنزيل صناديق الفحم، ويقول "إذا طلبت من العامل اللبناني القيام بذلك سوف يضربني"، لذلك طالب ممن اتخذ قرار ترحيل السوريين إلغائه.

كما يعتبر معارضو الحملة أيضاً أن اللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب في بلادهم قد ساهموا في تنشيط بعض القطاعات الاقتصادية التي تعاني من نقص في اليد العاملة، حيث إن أغلبيتهم يعملون في مجالات لا يعمل بها اللبنانيون، واعادتهم إلى بلدهم ستؤدي إلى نقص حاد في العمالة في قطاعات حيوية، مما يعرقل الإنتاج ويزيد من تكاليف التشغيل.

"قبل الحرب السورية، كان هناك 250 ألف عامل سوري في لبنان، يعملون في قطاعات الصناعة والزراعة والبناء"، كما يشير رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع، ابراهيم الترشيشي، "ولطالما شكّل العمال الزراعيون السوريون الغالبية العظمى في اليد العاملة الزراعية في لبنان، فهم العمود الفقري لهذا القطاع، وتصل نسبتهم إلى 90 في المئة من العاملين فيه."

يوضح الترشيشي في حديث لموقع "الحرة" أن "السبب الرئيسي للاعتماد على العمال السوريين هو رخص أجورهم وملاءمتهم للعمل الزراعي، فاللبناني غير معتاد على العمل في الزراعة والوحل والتراب، ربما إذا أنصف اللبناني وحصل على أجر يكفيه، يعمل في هذا المجال، لكن كلفة اليد العاملة اللبنانية تزيد بثلاثة أضعاف عن السورية."

ويشير الترشيشي إلى أن "الحملة التي تقوم بها الحكومة اللبنانية على الوجود السوري، أثارت قلق القطاعات التي تعتمد على عمالها السوريين، لاسيما القطاعين الزراعي والصناعي، فأصحاب العمل اعتادوا على عمالهم الذين يعملون لديهم منذ عشرات السنين، وهناك علاقة قوية جداً تربط الطرفين ببعضهما البعض."

القرارات التي تتخذها الحكومة اللبنانية بحق هؤلاء العمال "خاطئة" بحسب الترشيشي "فهي تخلط بين العمال الذين يعملون منذ زمن في لبنان، مع السوريين الذين يدخلون يومياً بطريقة غير شرعية، من اللصوص وأفراد العصابات والمجرمين، وهؤلاء لا يتم توقيفهم كونهم محصنون ولديهم القدرة على الاختباء من القوى الأمنية."

وطالب رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع بـ "صيغة خاصة للعمال الزراعيين يتكفلها المزارع ويوقع عليها ويقدمها للأمن العام، تتضمن أسماء كل العمال الذين يعملون لديه" كما طالب بضرورة مكافحة المهربين الذين يسهلون دخول اللصوص والمجرمين، "فأي إجراء آخر لن يكون كاف ولن ينهي الوجود الفوضوي للسوريين في لبنان."

تحدٍ.. وإطار زمني

رد عمال سوريون على الحملة الحكومية الأخيرة بمقاطع فيديو قصيرة تظهر مهاراتهم في أداء الأعمال الخطيرة والشاقة.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لعامل بناء سوري يعمل على ارتفاع شاهق، وهو يدعو اللبنانيين إلى القيام بعمله، وفي مقطع آخر، يظهر عامل عتالة سوري وهو يحمل حمولة ثقيلة، ويدعو اللبنانيين لأداء ذات المهمة.

ويؤكد رئيس نقابة عمال البناء في شمال لبنان، جميل طالب، الاعتماد الكبير لقطاع البناء في البلاد على اليد العاملة السورية، موضحاً أن السبب الرئيسي وراء ذلك هو انخفاض أجور العمال السوريين مقارنة بالعمال اللبنانيين، مما يجعلهم قادرين على مزاحمة العمال اللبنانيين الذين يعانون من ارتفاع كلفة المعيشة.

 طالب مع تنظيم العمالة السورية، كما يقول لموقع "الحرة" وذلك "من خلال منح السوريين إقامات وإجازات عمل، وإن كان ذلك يضر بأرباب العمل بسبب اضطرارهم حينها إلى دفع مستحقات وزارة العمل والتأمين"، وهو ينفي وجود أزمة في هذا القطاع، مؤكداً على أن "العمال السوريين يتابعون عملهم حتى وإن لم يكن لديهم إجازة عمل".

وأصدر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، توصية إلى الحكومة اللبنانية لمعالجة ملف اللجوء السوري وإعادة اللاجئين غير الشرعيين خلال سنة، وذلك في جلسة نيابية عقدت في 15 مايو الجاري، تحت عنوان مناقشة الهبة الأوروبية البالغة مليار يورو المقدمة من قبل المفوضية الأوروبية، إلا أن التركيز الأساسي انصبّ على ملف اللجوء السوري.

وكان البعض اعتبر أن هذه الهبة هي "رشوة" من أجل إقناع لبنان بالإبقاء على اللاجئين السوريين على أراضيه، بينما كرر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال الجلسة تأكيده أنها "مساعدات غير مشروطة".

ونصت توصية مجلس النواب للحكومة على تسعة بنود رئيسية، أهمها، "تشكيل لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة والوزراء المختصين والأجهزة الأمنية، للتواصل والمتابعة المباشرة والحثيثة مع الجهات الدولية والإقليمية والهيئات المختلفة، لا سيما الجانب السوري، ووضع برنامج زمني وتفصيلي لإعادة النازحين، باستثناء الحالات الخاصة المحمية بالقوانين اللبنانية والتي تحددها اللجنة". 

ودعا البرلمان الحكومة إلى "القيام بالإجراءات القانونية اللازمة لتسليم السجناء من النازحين إلى السلطات السورية، وفق القوانين والأصول المرعية، كما دعا أجهزة الأمم المتحدة كافة، لا سيما مفوضية اللاجئين والجهات الدولية والأوروبية المانحة اعتماد دفع الحوافز والمساعدات المالية والإنسانية للتشجيع على إعادة النازحين إلى بلدهم، ومن خلال الدولة اللبنانية ومؤسساتها أو بموافقتها، وعدم السماح باستغلال هذا الأمر للإيحاء بالموافقة على بقائهم في لبنان، وتشجيع هذه الجهات على تأمين مثل هذه التقديمات في داخل سوريا".

وخلال القمة العربية التي انعقدت في البحرين في 16 مايو الجاري، تطرق ميقاتي إلى ملف اللاجئين السورين، حيث تحدث عن تزايد أعدادهم في لبنان "ما يشكل ضغطاً إضافياً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة والموارد المحدودة لوطننا". 

وأمل ميقاتي تفعيل عمل لجنة الاتصال العربية بشأن سوريا "مما يساعد على تحقيق رؤية عربية مشتركة متفق عليها، وبلورة آلية تمويلية لتأمين الموارد اللازمة لتسهيل وتسريع عودة النازحين السوريين إلى بلدهم، حيث ينبغي التوقف عن استخدام هذه القضية التي باتت تهدد أمن واستقرار لبنان والدول المضيفة والمانحة على حد سواء.

العمالة الأجنبية في القانون

تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان ومنح إجازات العمل هما من صلاحيات وزارة العمل، وذلك وفقاً لقانون العمل اللبناني الصادر في عام 1946 والمعدل بالقانون 207 في العام 2000، وكذلك المرسوم رقم 17561 الصادر في عام 1964. 

ينص المرسوم في مادته الثانية على أن كل أجنبي يرغب في الدخول إلى لبنان لمزاولة مهنة أو عمل، سواء بأجر أو بدون أجر، يجب أن يحصل مسبقاً على موافقة وزارة العمل قبل مجيئه إلى لبنان، إلا إذا كان فناناً، حيث يحصل على هذه الموافقة من مديرية الأمن العام، كما منح هذا المرسوم وزير العمل حق تحديد الأعمال والمهن التي يرى ضرورة حصرها باللبنانيين فقط.

 في عام 2021، أصدر وزير العمل مصطفى بيرم القرار رقم 96/1، الذي حدد المهن الواجب حصرها باللبنانيين، مع استثناءات شملت الفلسطينيين المولودين على الأراضي اللبنانية، والأجانب المولودين لأم لبنانية أو المتزوجين من لبنانية، والمولودين في لبنان من حملة بطاقة مكتومي القيد. وسمح القرار للأجانب بالعمل في ثلاث فئات هي البناء أو النظافة أو الزراعة وذلك بعد الحصول على إجازة عمل من وزارة العمل.

ويقدر عدد العمال السوريين في لبنان بحسب الأسمر "بمئات الآلاف، ومزاحمتهم للبنانيين في بعض المهن يؤدي إلى بطالة في صفوف اللبنانيين وهجرة للعمالة الوطنية".

تصادم وانتقاد

دفعت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة اللبنانية ضد اللاجئين، بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى توجيه كتاب وصف بأنه "حاد اللهجة" إلى وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي.

طالبت المفوضية في كتابها بوقف "الممارسات اللاإنسانية" التي تمارس بحق اللاجئين، معترضة بشدة على حملات التضييق التي تنفذها البلديات تنفيذاً لتوجيهات وزارة الداخلية. وتشمل هذه الحملات إقفال المحال التجارية التي يديرها لاجئون سوريون دون ترخيص، والتدقيق على أوراق هوية المقيمين في المنازل.

كما انتقدت المفوضية مصادرة السلطات اللبنانية للدراجات النارية التي يقودها لاجئون سوريون دون أوراق ثبوتية، مطالبة بأن تتراجع الإدارات الرسمية اللبنانية عن التدابير التي اتخذتها بحق اللاجئين السوريين غير الشرعيين.

كتاب المفوضية دفع وزير الخارجية عبد الله بو حبيب إلى استدعاء ممثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ايفو فرايسن، حيث أبلغه بعدد من القرارات، مهدداً بإعادة النظر بالتعامل مع المفوضية في حال عدم التقيد بها. 

وقال بو حبيب إنه أبلغ فريسون، بسحب الرسالة التي وجهتها المفوضية لوزير الداخلية، واعتبارها بحكم الملغاة، وبضرورة احترام أصول التخاطب مع الوزارات والادارات اللبنانية المختصة، وعدم تجاوز الصلاحيات المنوطة قانوناً بوزارة الخارجية والمغتربين لجهة كونها الممر الالزامي لكافة مراسلات المفوضية وفقاً للاتفاقيات، والمعاهدات، والأعراف الدبلوماسية. 

كما أبلغه بعدم التدخل في الصلاحيات السيادية للبنان، والالتزام بالقوانين اللبنانية لكافة المقيمين على الأراضي اللبنانية من أفراد ومنظمات، المتوافقة أصلاً مع كافة التشريعات الدولية. 

ينتقد الأسمر المقاربات الحالية لملف اللجوء السوري من قبل الجهات المانحة والدول الأوروبية، وبعض الجهات اللبنانية التي تنتهج مقاربات عنصرية، على حد قوله.

ويشير إلى مشكلة الفلتان الأمني الناتج عن الوجود غير الشرعي للسوريين الذين يدخلون خلسة إلى لبنان، وما يرتكبه بعضهم من جرائم وسرقات، معتبراً أن ذلك يشكل عبئاً على الشعب اللبناني. 

ويدعو إلى التعاطي مع الملف السوري "بطريقة قانونية تحافظ على العمالة التي يحتاجها السوق، ومعالجة ظاهرة العمالة غير الشرعية وذلك من خلال حوار مع الجانب السوري على مبدأ المعاملة بالمثل، إلى جانب الدول الأوروبية والجهات المانحة".