نازحون سوريون يفرون من إدلب وسط قصف جوي وبري مكثف من قوات النظام.
نازحون سوريون يفرون من إدلب وسط قصف جوي وبري مكثف من قوات النظام.

استطاع النظام السوري العودة إلى مقعده في جامعة الدول العربية، والذي كان قد جمد سنوات بسبب تعامله العنيف مع الثورة الشعبية التي تحولت إلى حرب أهلية تسببت في موجات قتل وتهجير كبيرة أثرت على التركيبية الديمغرافية للبلاد.

دمشق تعهدت مسبقا بتنظيم عمليات عودة طوعية وآمنة للاجئين، ولكن هذه العودة لا قد تعني عودة الناس إلى مناطقهم، حيث فرضت آثار الحرب السورية واقعا جديدا في العديد من المدن، والتي طالتها تغييرات ديمغرافية حيث تتوطن مجموعات جديدة من السكان، وهو ما أشارت إليه تقارير صادرة عن المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمات أخرى.

بعد أكثر من عقد على الحرب في سوريا، كانت الحصيلة مقتل أكثر من نصف مليون سوري، ولجوء أكثر من 5.5 ملايين شخص لدول الجوار ونزوح قرابة 7 ملايين آخرين داخل البلاد، فيما استطاع الرئيس السوري، بشار الأسد، الحفاظ على رئاسته للبلاد.

ويشير المرصد السوري لحقوق الإنسان في تقرير له مؤخرا إلى تواصل عمليات التغيير الديمغرافي في محافظة حلب والتي قال إنها "بأدوات تركيا المسيطرة على المنطقة"، فيما شهدت مناطق أخرى تغييرات في تركيبة السكان.

وبحسب الخارطة الديمغرافية الجديدة لسوريا، طرد معارضو النظام وغالبيتهم من السنة من مناطق عدة، وتجمعت الاقليات في مناطق أخرى، وباتت المناطق الجغرافية إجمالا من لون طائفي واحد، بحسب تقارير سابق لوكالة فرانس برس.

وقبل الحرب في 2011، كان السنة العرب يشكلون 65 في المئة من السكان مقابل 20 في المئة أقليات و15 في المئة من الأكراد.

"أكبر دولة تضم نازحين"

النازحون السوريون يعانون من أوضاع صعبة . أرشيفية

تكشف بيانات الأمم المتحدة أن سوريا أصبحت أكبر دولة في العالم من حيث عدد النازحين على أراضيها بعدد يناهز الـ 6.9 ملايين نازح.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في بيان صدر في 2022 إن "الاحتياجات الإنسانية تتزايد بشكل مضطرد في سوريا، حيث يوجد الآن 14.6 مليون محتاج هذا العام ونحو 6.9 ملايين شخص من النازحين".‎

وأضاف: "هذا هو أكبر عدد من النازحين داخليا في العالم، وهم يواجهون احتياجات عالية وقدرة محدودة على الوصول إلى الخدمات الأساسية"، مشيرا إلى أن "التقديرات تكشف وجود 90 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ومن المتوقع أن تؤدي الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة إلى زيادة مستويات الفقر المدقع".

ووفق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول تعزيز تنسيق المساعدة الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة في حالات الطوارئ، تستضيف دول الجوار السوري أكثر من 5.6 ملايين لاجئ يحتاجون إلى مساعدات إنسانية. 

المدن التي طالتها تغييرات ديمغرافية

اتهامات لتركيا بإحداث تغيير ديمغرافي في عفرين. أرشيفية

مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبدالرحمن، قال في تصريحات لموقع "الحرة" إن "التغييرات الديمغرافية طالت العديد من المدن في سوريا بما في ذلك العاصمة دمشق وريفها".

وأضاف أن التركيبة السكانية تم تغييرها بشكل ممنهج في مدن وقرى " عفرين ورأس العين ومنطقة البوكمال والميادين وتغييرات بقسم من دير الزور، وحلب وريفها وحمص".

وأوضح عبدالرحمن أن عفرين التي تتبع حلب تعتبر من أكثر المدن التي تم تهجير سكانها الأصليين و"توطين سكان من التركمان وسوريين من محافظات أخرى وفلسطينيين كانوا موجودين في سوريا".

ويتهم الأكراد تركيا بممارسة التهجير العرقي. ويقول محللون لوكالة فرانس برس إن أنقرة تسعى لتحديد منطقة تعيد إليها اللاجئين السوريين الموجودين على أرضها، بالاضافة الى إبعاد الاكراد عن حدودها.

ويكشف المرصد في تقرير نشره مؤخرا أن التغييرات الديمغرافية التي تشهدها حلب تتم باستراتيجيات وأدوات تركية التي تسطير على المنطقة كلها، والتي يساندها دعم "قطري وفلسطيني" بذريعة عمل المنظمات الإنسانية.

وأعلن مؤخرا عن افتتاح "قرية الأمل2" في ريف عفرين والتي تضم 500 وحدة سكنية ومدرستين وحدائق ومستوصف ومسجد، فيما سبقها بناء مجمع سكني يضم 200 منزل مسبقة الصنع والذي تعاون فيه إنشائه "فصيل أحرار الشام" الموالي لتركيا ومنظمة "أجنادين" الفلسطينية وفصيل "أحرار الشرقية".

وتعمل الفصائل المسلحة الموالية لتركية على توطين "عائلات داخل المخيمات والمجمعات السكنية"، بحسب المرصد.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على تعليق من السفارة التركية والسفارة القطرية في واشنطن من دون إجابة حتى وقت كتابة هذا التقرير.

النظام السوري طرد المعارضة من مناطق سكنهم. أرشيفية

الكاتب المحلل السوري، حسن النيفي، تحدث بأن "عمليات التغيير الديمغرافي في سوريا كانت "استراتيجية حاسمة لنظام الأسد، والتي عززها الدعم العسكري الذي تلقاه من روسيا وإيران بحجة استعادة المناطق الجغرافية التي أصبحت خارج سيطرتهم"، في خطوة هدفت إلى تأسيس ما أطلق عليه الموالين لدمشق اسم "المجتمع المتجانس".

وحدد النيفي وهو مقيم في فرنسا في رد على استفسارات موقع "الحرة" 6 مدن ومناطق أساسية طالتها تغييرات ممنهجة في التركيبة السكانية، وهي كالآتي:

داريا ومعضمية الشام في الريف الدمشقي

جنود النظام السوري في طريقهم إلى داريا . أرشيفية

حيث قامت ميليشيات إيران بقيادة قاسم سليماني بحصار داريا قرابة عام كامل تقريبا، حتى أُجبر سكانها على أكل لحوم القطط والحشائش، ومن ثم أجبروا على النزوح نتيجة الحصار الخانق في شهر أغسطس من 2016، وتم ترحيلهم إلى مناطق الشمال السوري.

وبعد ذلك منع سكان داريا من العودة إلى بيوتهم التي تحولت إلى "مرتع لميليشيات إيران، بالتعاون والتنسيق مع مجموعة من شبيحة النظام وتجار العقارات الموالين للنظام، وهي حتى الآن مفرغة من سكانها الأصليين".

الغوطة الشرقية

قذيفة غاز أطلقها النظام على مدينة الدومة في الغوطة. أرشيفية

اقتحمتها قوات النظام تساندها الطائرات الروسية في فبراير من 2018 حيث تم ترحيل أغلب سكانها نتيجة الاقتحام الروسي باتجاه مدن الشمال السوري ولم يبق فيها سوى العدد القليل، الأمر الذي أتاح للإيرانيين من جديد السطو على العقارات والبيوت التي نزح أهلها عنها.

مدينة درعا

لقطة أرشيفية من درعا السورية

تعرضت لاقتحام قوات الروس والنظام في صيف 2019، وانتهت المعارك بتسويات أجبرت من لم يقبل بها على النزوح، ولكن لم تتمكن دمشق من العبث بالبنية السكانية في درعا لسببين: بقاء قسم كبير من مقاتلي المدينة نتيجة تسويات مع النظام والروس، ثم طبيعة التجانس الاجتماعي لسكان حوران الذي لا يمكن اختراقها أو تغييرها بسهولة.

أدلب، أعزاز، الباب، جرابلس

عائدون إلى جرابلس. أرشيفية

تشهد هذه المدن اكتظاظا سكانيا كبيرا لكونها خارج استهداف القصف الروسي وطائرات النظام ، وهي تقع تحت النفوذ التركي بموجب التفاهمات الروسية التركية، الأمر الذي جعلها ملاذا لمئات الآلاف من سكان الريف الدمشقي وحمص ودير الزور وبقية المدن التي تعرض سكانها للحصار ومن ثم الترحيل، وقد أدى هذا الاكتظاظ السكان إلى تغيير البنية السكانية بنسبة 60 في المئة، إذ فقدت هذه المدن والبلدات الكثير من سماتها وخصوصياتها الاجتماعية والسكانية.

منطقة عفرين

عفرين

في عفرين ذات الأغلبية الكردية، تعرضت لهجوم من جانب القوات التركية وفصائل الجيش الوطني ضمن عمليات تركية عسكرية أكثر من مرة تحت ذريعة تواجد قوات حزب الاتحاد الديمقراطي التابع لحزب العمال الكردستاني، ونزح معظم سكان المنطقة الأصليين من الأكراد، وحل مكانهم آخرون جاؤا من بقية المناطق السورية، وخاصة من الغوطة والريف الدمشقي ودير الزور، كما شهدت المدينة على إثر ذلك حالات عديدة من النهب والاعتداء على الممتلكات وقطع أشجار الزيتون من جانب فصائل مسلحة في تلك المدينة.

منبج، الرقة

مشهد يجسد الدمار الذي حل بمدينة الرقة. أرشيفية

شهدت منبج والرقة قدوم العديد من الهجرات السكانية من المناطق والبلدات الأخرى التي تعرض أهلها لحصار وقصف النظام، ونظرا للحالة الأمنية المستقرة نسبيا فيهما بسبب وقوعهما تحت النفوذ الأمريكي وعبر حليفتها "قسد" فإن نسبة السكان الوافدين في الوقت الراهن تبلغ ضعف السكان الأصليين، الأمر الذي أدى بشكل تدريجي إلى تغيير الطابع الاجتماعي والتوزع السكاني في هاتين المدينتين.

الدور الإيراني في التغيير الديمغرافي

ميليشيات موالية لطهران لعبت دورا هاما في تغيير التركيبة السكانية في سوريا. أرشيفية

و"لم يكن دعم ايران للنظام السوري مجانا بل كان مدروسا، بهدف توطين مليشيات من حزب الله وغيرها من الفصائل المسلحة التي تمركزت في دمشق وفي الجنوب السوري"، بحسب تعبير عبدالرحمن.

ويرى أن "طهران لديها رؤية إستراتيجية بعيدة المدى من أجل استمرار تواجدها وتمركها في سوريا، لتقوم بعمليات تهجير قسري للسوريين في مناطق في دمشق وريفها ودرعا وحمص وغيرها من المناطق، حيث وطنت مليشياتها وفرض على الأهالي الأصليين بيع عقاراتهم بأسعار رخيصة، ناهيك عن الاستيلاء ووضع اليد على الأملاك، ونشر ما يعرف بـ"التشيع" أكان بالترغيب أو الترهيب.

وقال "في دمشق أصبحت ترى الرايات السوداء والأعلام في حاراتها، وضواحيها، خاصة في المناسبات التي تحمل طابعا دينيا عند أتباع المذهب الشيعي".

الدور التركي في التغيير الديمغرافي

تركيا لديها قوات كثيرة داخل الأراضي السورية في محافظة إدلب وريف حلب ومنطقتي تل أبيض ورأس العين

وحذر مدير المرصد عبدالرحمن من استمرار تركيا في تجاهل القوانين الدولية لحقوق الإنسان، حيث تقوم بفرض واقع جديد في الشمال السوري.

وأوضح أنه بمجرد أن تضع قدميك في عفرين سترى الرايات التركية، وتسمع اللغة التركية، وستجد محاكم يشرف عليها قضاة أتراك، وهو أكبر وجه على  التغيير الديمغرافي.

ودعا عبدالرحمن إلى ضرورة تدخل المجتمع الدولي العاجل لوقف تهجير أهالي عفرين وتل أبيض، حيث يتم الاستيلاء على عقارات وأراضي سكان المنطقة الأصليين.

شمال غرب سوريا

سوريون نازحون من إدلب شمالي شرقي سوريا. أرشيفية

وتكشف أرقام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الاستجابة العالمية للطوارئ "أو سي اتش أيه" أن عدد سكان شمال غرب سوريا حوالي 4.5 مليون نسمة، حوالي 4.1 مليون شخص منهم يصنفون ضمن الفئات المحتاجة، و3.3 مليون منهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

ويبلغ عدد النازحين في مناطق شمال غرب سوريا حوالي 2.9 مليون نازح، بينهم 1.9 مليون شخص يعيشون داخل مخيمات.

ووفقا لبيانات المكتب في ديسمبر 2022، فقد تم رصد حركة 21 ألف نازح داخليا في سوريا، وهي أقل بنسبة 44 في المئة عما سجل في الشهر الذي سبقه، والتي تركزت في شمال غرب سوريا، وأكثر من 90 في المئة منها داخل محافظ إدلب.

"اتفاق المدن الأربع"

إجلاء المصابين والمدنيين من الزبداني ومضايا. أرشيفية

الناشط الحقوقي السوري، بسام الأحمد يصف مسألة التغيير الديمغرافي التي تشهدها المدن السورية بالأمر "الحساس والمهم"، مشيرا إلى وجود مصطلحات عديدة تستخدم للتعبير عن التغيير السكاني الممنهج في بعض المناطق مثل "التغيير الديمغرافي، الهندسة الديمغرافية، التهجير والتشريد القسري".

ويشرح الأحمد وهو مدير منظمة "سوريون من أجل الحقيقة" في حديث لموقع "الحرة" أن معظم المدن السورية شهدت شكلا من أشكال التغيير الديمغرافي، ففي بعضها تم تهجير السكان الأصليين من مناطقهم وإبقاء البلدات فارغة، وفي بعضها الآخر تم تهجير السكان وإحلال آخرين مكانهم.

وأشار إلى أن بعض هذه الممارسات وصفتها تقارير أممية بأنها ترقى لمستوى "جرائم الحرب" بالتهجير القسري، مثل ما حصل في شرق حلب، مؤكدا أن الحرب في سوريا "كانت قائمة على الديمغرافيا" بشكل كبير والتي أستهدفت فيها الأحياء "السنية" أو أحياء "تواجد المعارضة" بغض النظر عن مذهبهم.

ونقل الأحمد عن تقارير وأنباء عديدة تحدثت خلال السنوات الماضية عن تجنيس ومنح جوازات سفر سورية لإيرانيين ومواطنين من تركستان وأوزبكستان خاصة في مناطق إدلب وجسر الشغور.

وسلط الضوء على ما اصطلح تسميته بـ"اتفاق المدن الأربع"، والذي يتعلق بـ"مضايا والزبداني" مقابل "كفريا والفوعة" ويعود إلى عام 2017.

وأبرم اتفاق "المدن الأربع" بين ما كان يعرف باسم "جيش الفتح" وميليشات موالية لحزب الله وإيرانية، حيث اتفق على إخلاء "كفريا والفوعة المواليتين للأسد في شمال سوريا" مقابل نقل "مقاتلين من مضايا والزبداني إلى شمال البلاد مع عائلاتهم"، إذ أشرف على تطبيق هذا الاتفاق لجان مشتركة من قبل النظام السوري وبعض الأهالي.

ويقول الأحمد إن كل أطراف النزاع في سوريا كان لها ممارسات "تهجير قسري" حيث كان هناك تهجير لقرى يسكنها العرب من قبل قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وهو ما أشارت إليه تقارير دولية صدرت خلال السنوات الماضية.

الاستيلاء على الممتلكات

قوانين تتيح للنظام السوري تملك عقارات وأراضي اللاجئين والنازحين السوريين. أرشيفية

وكانت لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا قد وثقت أنماطا ممنهجة ومتكررة لأعمال النهب والاستيلاء على الممتلكات، والتي تم رصدها في مناطق شمال سوريا وبدعم تركي بحجة أن ملكيتها تعود لعناصر من وحدات حماية الشعب، أو أفراد كانوا عاملين في مؤسسات الإدارة الذاتية.

وعلى صعيد متصل حذر محامون ومنظمات حقوقية من قانون التنظيم العمراني في سوريا الذي صدر في 2018، والذي قد يحرم بموجبه ملايين النازحين واللاجئين من العودة الى منازلهم في حال لم يتمكنوا من إثبات ملكيتهم.

ويتيح القانون رقم 10 الذي وقعه الرئيس السوري في أبريل 2018، للحكومة "إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر"، ما يعني إقامة مشاريع عمرانية في هذه المناطق، على أن يعوض أصحاب الممتلكات بحصص في هذه المشاريع، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.

هذا القانون ليس سوى تعديل موسع للقانون رقم 66 الصادر في العام 2012 والمتعلق بإنشاء مجمعين في مناطق مدمرة جراء الحرب في ضواحي دمشق فقط.

وبحسب القانون، يجدر بالجهات المعنية إبلاغ المالكين وأصحاب الحقوق خلال مهلة شهر من تحديدها منطقة معينة سيتم العمل فيها. وخلال شهر من هذا الإعلان، يجدر بأصحاب الممتلكات أن يتقدموا مباشرة او عبر وكيل بالوثائق التي تثبت ملكيتهم أو إثباتها عن طريق تحديد تفاصيل معينة في حال غابت المستندات المطلوبة.

وفي حال لم يتمكنوا منذ ذلك، فإنهم سيفقدون ممتلكاتهم.

حتى قبل الحرب السورية، لم يكن الكثيرون يملكون وثائق عقارية، وفق تقرير صادر في العام 2016، عن المجلس النرويجي للاجئين.

وبات من الصعب أيضا على الكثيرين الحصول على الأوراق اللازمة من المراكز الرسمية كون الكثير منها تدمر جراء الحرب، مثلما حصل في مدينة حمص.

وجاء في تقرير المجلس النرويجي أن "خسارة تلك الوثائق قد تتيح لأشخاص آخرين السكن في تلك الممتلكات او نقلها لغيرهم او استخدامها تجاريا".

ولم يتمكن الكثير من النازحين او اللاجئين الفرار بأوراقهم الثبوتية وحتى جوازات سفرهم او هوياتهم او أي فواتير قديمة أو مستندات تثبت ملكيتهم.

وفي العام 2012، صدر قانون يتيح للحكومة السورية مصادرة أراض إذا ثبت أن مالكيها "إرهابيون"، وهو مصطلح يستخدمه النظام لمعارضيه. وحذرت حينها منظمتا "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" من أن يحرم القانون رقم 10 السوريين من حقوقهم لأسباب سياسية ومالية.

موجات الهجرة

نازحون سوريون يفرون من إدلب وسط قصف جوي وبري مكثف من قوات النظام.

منذ عام 2011 شهدت سوريا 4 موجات من الهجرات والتي نتج عنها موجات نزوح داخلية وموجات لجوء خارج البلاد، الأولى كانت خلال الأعوام 2011 وحتى 2014، والثاني خلال عامي 2014 و2015، والثانية خلال 2015 و2016، والرابعة بين عامي 2019 و2020.

والغالبية العظمى من اللاجئين الذين غادروا سوريا هم العرب السنة، وعدم عودتهم يعني "تغييرا جوهريا في الفسيفساء السورية" بحسب دراسة نشرها مركز جسور للدراسات ومقره إسطنبول.

وتشير إلى أن "النظام السوري وبدعم إيراني" يدعم أي جهود تعيق من عودة اللاجئين من الخارج، وحتى تحرم النازحين من العودة لأراضهيم، خاصة الذين هدمت مناطق سكنهم الأصلية، وهو ما يدفع بحدث تغيير في التركيبة السكانية داخل المدن خاصة في المدن المختلطة مثل حمص.

أسباب هجرات السوريين

نازحون سوريون يصلون بلدة تل تمر جنوب مدينة رأس العين الحدودية. أرشيفية

ويرى مدير المرصد عبدالرحمن أن هناك "رفضا كبيرا للتغييرات الديمغرافية في المدن السورية، وما يعيشه الشمال السوري دليل قاطع على ذلك".

وتابع أن بعض المدن شهدت تهجير سكانها من السنة والمسيحيين وحتى العلويين في بعض المناطق، حيث تم توطين سكان من جنسيات أجنبية، وبعضهم منخرطين في فصائل مسلحة قدموا من خارج سوريا.

وحددت دراسة مركز جسور 7 أسباب لهجرات السوريين:

  • البحث عن الأمان: منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا في 2011 لجأ النظام السوري إلى استخدام العنف المفرط، ونفذت حملات واسعة من المداهمات والملاحقات الأمنية، وهو ما دفع العديد من الأهالي للبحث عن مناطق آمنة للعيش حيث بدأت الهجرات تتدفق خارج سوريا إلى الدول المجاورة، وهو ما استمر طوال العقد الماضي.
  • الخوف من الاعتقال: كان الخوف من الاعتقالات دافعا أساسيا لهجرة السوريين، وتم توثيق نحو 130 ألف اعتقال في 2020 وضعوا في سجون النظام السوري، 85 في المئة منهم تحت الاختفاء القسري، فيما تشير التقديرات إلى مقتل ما لاي قل عن 15 ألف شخص داخل المعتقلات بسبب التعذيب وسوء الرعاية الصحية.
  • الخوف من الاغتصاب: خلال الأعوام 2012 و2013 دفعت ممارسات "الشبيحة" الموالين لنظام الأسد باغتصاب النساء في المناطق التي تشهد احتجاجات إلى هرب العديد من العائلات حتى من الذين لم يشاركوا في التظاهرات خوفا من الاعتداءات الجنسية التي ترتكب أثناء عمليات الاعتقال من قبل النظام السوري، حيث كان يستخدم الاغتصاب كوسيلة "للإضرار بكرامة الإنسان" واستراتيجية للحرب.
  • الهروب من الحصار والمجاعة: استخدم قوات النظام السوري بشكل كلي أو جزئي أكثر من 36 مدينة وبلدة في عام 2013، وهو ما دفع السكان إلى الفرار إلى مناطق أخرى بحثا عن الأمن وعن توفر مكان صالح للعيش.
  • الخوف من التجنيد: التجنيد الإجباري كان سببا أساسيا لهجرة الشباب من مناطق سيطرة النظام السوري. وفي 2019 قالت دمشق إن عدد الفارين من الخدمة العسكرية الإلزامية تجاوز 53 ألف فرد.
  • البحث عن بيئة أمنة للعمل: لجأ العديد من أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج سوريا من أجل البحث عن بيئة أفضل للحفاظ على رؤوس الأموال التي يمتلكونها ومتابعة أعمالهم.
  • البحث عن مكان أفضل للحياة: لجأ الكثير من السوريين إلى أوروبا وأميركا للحصول على حياة أفضل بعد أن واجهوا حياة صعبة في مخيمات اللجوء، حيث لم يكن هناك وفرة في مياه الشرب أو الغذاء أو التعليم والرعاية والصحية والعمل.

5 تكتيكات لإحداث تغييرات ديمغرافية

النظام السوري مارس استراتيجيات مختلفة لتهجير الناس قسريا. أرشيفية

"تغييرات ديمغرافية تدعم استبداد الأسد"، هذا كان عنوان دراسة نشرها المركز العربي واشنطن دي سي والذي يتبع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومقره الدوحة.

وتوضح أن عدد سكان سوريا بلغ قبل الحرب 21 مليون نسمة، ولكن في عام 2018 انخفض لأقل من 18.5 مليون نسمة، بدلا من وجود زيادة طبيعية، إذ هرب من البلاد أكثر من 5.6 ملايين لاجئ، ناهيك عن نزوح أكثر من 6.6 مليون شخص، فيما لقي أكثر من 560 ألف سوري مصرعهم بسبب الحرب.

وخلال سنوات الحرب ارتكب النظام جرائم حرب استخدم فيها أسلحة كيماوية وممارسات أجبرت ملايين الأشخاص على الفرار من ديارهم، والتي أثرت بشكل عميق على "التركيبة الطائفية والعرقية للمجتمع السوري".

وأشارت الدراسة التي أعدها الكاتب رضوان زيادة مؤلف كتاب "تدمير سورية: كيف نجحت استراتيجية (الأسد أو نحرق البلد)" إلى وجود خمسة تكتيكات تبعها النظام لتضمن "خلق بيئة سياسية أكثر مرونة لخنق المعارضة وتضمن السيطرة على المدى الطويل"، من خلال إيجاد واقع طائفي وعرقي جديد، وهذه الاستراتيجيات هي:

استخدام القوات الجوية

أدى استخدام البراميل المتفجرة إلى دمار كبير في سوريا

إذ بدأت دمشق تستخدمها ضد مناطق سيطرة المعارضة في يوليو 2012، واستمرت بعد ذلك طوال فترة الحرب، والتي استخدمتها ضد المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، ناهيك عن استدام البراميل المتفجرة، والتي أحدثت دمارا ضد أهداف مدنية، فيما تشير تقديرات إلى أن ثلاثة أرباع القتلى في عمليات القصف الجوي من النظام السوري كانوا من المدنيين.

حصار المدن والقرى

عناصر من القوات النظامية السورية قرب الزبداني -أرشيف

حيث استخدم النظام السوري الحصار على نطاق واسع في العديد من المناطق التي يسيطر عليها المعارضون في سوريا كسلاح حرب، وفقا لما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الحرب في سوريا، إذ انتشر في نهاية عام 2012 شعار "أستسلام أو تجويع"، ليستخدم كعقاب جماعي ضد كل منطقة لم يتمكن النظام من السيطرة عليها.

جرائم عرقية ومذهبية

جثث قتلى الهجوم بغاز الأعصاب في دوما بالغوطة عام 2013. أرشيف

خلال سنوات الحرب الأولى في سوريا وقعت العديد من المجازر العرقية والطائفية، واستهداف المعتقلين باغتصابهم بناء على الشك بولائهم، وكان الهدف من هذه المجاز هو "خلق سوريا موالية" لبشار الأسد.

التهجير الطوعي والقسري

عمليات شراء عقارات في الغوطة تصاعدت بشكل كبير وملفت. أرشيفية

أصدر النظام السوري عدة قوانين ومراسيم تحتوي قواعد غامضة تعاقب سكان مناطق المعارضة بذرائع مختلفة منها الفرار من الخدمة العسكرية، وبما دفع بتهجير الأهالي في بعض المناطق وحثهم على عدم التفكير بالعودة لمساكنهم، والتي نتج عنها تهجير قسري لعشرات الآلاف من 30 مدينة وقرية خاصة في مناطق شمال البلاد.

وتنقل الدراسة عن وجود أنباء تتحدث عن "منح الجنسية السورية لأعداد كبيرة من أبناء الطائفة الشيعية من لبنان والعراق وإيران وتوطينهم في مناطق أخليت من السوريين السنة".

مصادرة الأملاك بقوة القانون

اتهامات للنظام السوري بتسهيل الاستيلاء على أملاك النازحين. أرشيفية

يستخدم النظام السوري سياسات وقوانين رسمية لمصادرة منازل اللاجئين وأراضيهم وممتلكاتهم، فيما استخدمت وثائق مزورة للمطالبة بملكيات من قبل موالين للنظام، ناهيك عن إتلاف متعتمد لسجلات مدنية في بعض المدن، مثل ما حصل في حمص ومناطق أخرى، فيما تم تغيير معالم وأسماء بعض الشوارع والأحياء لوضع عوائق وارباك أمام أصحاب الممتلكات.

خيارات العودة

لاجئون سوريون عائدون من عرسال إلى سوريا. أرشيفية

وخلال الاجتماع التشاوري الذي عقد حول سوريا في العاصمة الأردنية عمان مؤخرا، قبل التصويت بأيام على عودتها لجامعة الدول العربية، أكد البيان الختامي على أن "العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين إلى بلدهم هي أولوية قصوى ويجب اتخاذ الخطوات اللازمة للبدء في تنفيذها فورا".

وحض البيان على "تعزيز التعاون بين سوريا والدول المضيفة للاجئين بالتنسيق مع الأمم المتحدة لتنظيم عمليات عودة طوعية وآمنة للاجئين وإنهاء معاناتهم، وفق إجراءات محددة وإطار زمني واضح".

واتفق المجتمعون في على أن تبدأ الحكومة السورية "بتحديد احتياجات لازمة لتحسين الخدمات العامة المقدمة في مناطق عودة اللاجئين للنظر في توفير مساهمات عربية ودولية فيها".

كما اتفقوا على أن توضح دمشق "الإجراءات التي ستتخذها لتسهيل عودتهم، بما في ذلك في إطار شمولهم في مراسيم العفو العام".

وتظهر بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الاستجابة العالمية للطوارئ عودة 4200 نازح طوعيا داخل سوريا في ديسمبر الماضي، والتي كانت أكثر من 65 في المئة منها داخل محافظ درعا.

وأشار إلى أن حركة عودة النازحين تعني عمليات عودتهم إلى ديارهم أو مناطق تجماعاتهم السكانية الأصلية، وهي لا "تتبع بالضرورة التعريفات العالمية للعائدين، أو الحلول المستدامة للنازحين داخليا".

وقبل ذلك رصد المكتب عودة طوعية لـ13 ألف نازح داخليا في سبتمبر في جميع أنحاء سوريا.

وتشير دراسة مركز جسور إلى أن "الهجرة" من سوريا ظلت الخيار المفضل للسوريين في مناطق الصراع المختلفة، والمبادرات لإعادة اللاجئين والنازحين فشلت في تحقيق نتائج مرضية، حيث كانت معظمها مبنية على أهداف سياسية أو اقتصادية، وليس على أساس الاستجابة لاحتياجات الناس مثل السلام والأمن والاستقرار والضمانات والعدالة.

وحتى يعود اللاجئون أو النازحون السوريون إلى مناطقهم، على النظام السوري الالتزام بعدد من الضمانات، والتي تشمل:

  • ضمانات عدم الملاحقة من قبل أجهزة النظام السوري أو أطراف النزاع.
  • البدء في مشاريع إعادة الإعمار وتوفير المنازل لمن فقدوا سكنهم كليا أو جزئيا.
  • استعادة حقوق الملكية لأصحاب المنازل والأراضي بضمان الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
  • أي عملية سياسية في البلاد عليها أن تتضمن أحكاما تشجع على عودة اللاجئين.
  • توفير الاستقرار والأمان والرعاية الصحية والعوامل الاقتصادية.

إردوغان يتطلع لإعادة العلاقات مع نظام الأسد (أرشيف)
إردوغان ينادي منذ أسابيع لعقد لقاء مع بشار الأسد

لم تُحسم حتى الآن طبيعة الملفات التي ستوضع على طاولة أنقرة ودمشق في أولى اللقاءات التي ستجمعهما في المرحلة المقبلة، وبينما يرهن رئيس النظام السوري، بشار الأسد النتائج بإحراز خرق على صعيد "الانسحاب" لا تلوح في الأفق أي بوادر تركية للاستجابة لهذا المطلب في الوقت الحالي. 

وكان الأسد أبدى استعداده للانضمام إلى أي لقاء مع تركيا، قبل أيام، لكنه أكد في تصريحات للصحفيين من دمشق على ضرورة إنهاء "جوهر المشكلة"، المتمثل بـ"دعم الإرهاب والانسحاب من سوريا"، على حد تعبيره. 

وفي رد غير مباشر، الخميس، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن وجود قواتها في سوريا "يهدف للدفاع عن النفس، وإزالة التهديد الإرهابية"، وقالت إن "عملياتنا تساهم بشكل كبير في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية". 

وجاء بيان الدفاع التركية بعدما صرّح وزيرها، يشار غولر بأن بلاده عازمة على إنشاء ممر أمني بعمق 30-40 كيلومترا على طول الحدود مع العراق وسوريا، مردفا بالقول: "سنواصل العمليات حتى تحييد آخر إرهابي". 

ولتركيا قوات كثيرة في سوريا، وتتوزع على 4 مناطق في ريف حلب الشمالي والشرقي ضمن المنطقة المسماة من جانبها بـ"درع الفرات".  

كما تنتشر في عفرين ومحافظة إدلب، إضافة إلى منطقة عمليات "نبع السلام"، التي تشمل منطقتي رأس العين وتل أبيض في ريف محافظة الرقة. 

وإلى جانب انتشارها هناك تدعم فصائل مسلحة من المعارضة السورية، وتنضوي ضمن "تحالف الجيش الوطني السوري". 

وكانت قد التقت عدد من قادة هذا التحالف قبل أيام في العاصمة أنقرة، وفي أعقاب التصريحات التي أدلى بها الأسد لأول مرة، ردا على الدعوات التي أطلقها الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان للقائه. 

"3 أهداف تركية" 

ويوضح الباحث في الشأن التركي، محمود علوش أنه من غير المتصور أن تتخلى تركيا عن وجودها العسكري في المستقبل المنظور، حتى تحقق 3 أهداف مرتبطة بسياساتها الحالية في سوريا. 

ويقول لموقع "الحرة" إن الهدف الأول يتعلق بمعالجة هواجسها الأمنية تجاه "الوحدات الكردية". 

ويرتبط الثاني بإعادة اللاجئين والثالث بإيجاد حل سياسي للصراع السوري. 

ويضيف علوش أن "الوجود التركي في سوريا فرضته متطلبات الأمن القومي"، و"يشكل نقطة ارتكاز أساسية في السياسة التركية بسوريا.. وبالتالي ستبقى هناك حاجة لمواصلة الوجود بالتزامن مع سير أنقرة على مسار التطبيع مع النظام". 

وينادي إردوغان منذ أسابيع لعقد لقاء مع بشار الأسد. 

ودائما ما كان يشير خلال الأسبوعين الماضيين وفي سياق تصريحاته عن مسار التطبيع إلى أنه الهدف من التوجه لدمشق يصب في إطار إنهاء "التهديد الذي تشكله الوحدات الكردية" وضمان عودة اللاجئين. 

لكن الأسد لم يبد أي بادرة لعودة اللاجئين، ولم يعرب عن استعداده للانخراط بأي جهد مشترك مع تركيا لإنهاء التهديد الذي تشكله "قسد". 

ومع ذلك بعث برسائل خلال حديثه للصحفيين، بعدما عاد بالذاكرة إلى ما قبل 2011، مشيرا إلى أن سوريا كانت ملتزمة بما تم الاتفاق عليه ضد الإرهاب على جانبي الحدود. 

"ضغط على الطاولة" 

ومن المقرر أن يعقد اجتماع قريب على المستوى الأمني بين المسؤولين الأتراك والسوريين، كما أعلن الأسد مؤخرا وكشفت عنه بغداد. 

وتشير الأجواء التي تسبقه إلى ضغوط تمارس من كل طرف، من أجل تقديم ملف على آخر لوضعه على الطاولة أولا.  

وبينما أشار إلى ذلك رئيس النظام السوري قبل أيام أكد المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط ودول أفريقيا ميخائيل بوغدانوف أن "انسحاب القوات التركية من سوريا وضمان أمن الحدود يجب أن يكون على أجندة المفاوضات". 

وأعرب بوغدانوف، الخميس، عن أمله في عقد لقاء ثلاثي يجمع إردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين وبشار الأسد، لكنه ذكر أن "هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به". 

ويتوقع الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن، آرون لوند أن تحصل محادثات تركية سورية في وقت قريب إلى حد ما، لكنه يشير إلى "وجود عقبات جدية تحول دون نجاحها". 

ويستبعد لوند في حديثه لموقع "الحرة" توصل أنقرة ودمشق إلى مرحلة التطبيع الكامل على المدى القريب، ويضيف أن الطرفين قد يجدان "مشكلات ذات مستوى أدنى للتعاون بشأنها". 

وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا "من شأنه أن يسهل بناء الثقة وتعميق التعاون"، وفق حديث الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن. 

ويؤكد من ناحية أخرى بالقول: "من الممكن أيضا أن تكون خلافاتهم عميقة جدا بحيث تنتهي في نهاية المطاف إلى عرقلة أي تقدم ذي معنى". 

ومن الممكن أن يرغب كلا الجانبين  في الانتظار ورؤية ما سيحدث في الانتخابات الأميركية قبل اتخاذ أي خطوات جريئة. 

وبالنظر إلى أن مسار التطبيع سيكون طويلا ومعقدا يوضح الباحث علوش أنه "لا يمكن أن نتصور أن تتخلى تركيا عن وجودها في سوريا في القريب المنظور". 

ويضيف أن هناك عاملا آخر يؤثر في مسألة التواجد العسكري، وهو الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا. 

وطالما أن أميركا موجودة عسكريا لن تفكر تركيا بآلية انسحاب، وفق حديث الباحث المختص بالشأن التركي. 

"التطبيع قادم.. العبرة بالضمانات" 

وترعى موسكو مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة منذ بدايته، وانضمت إليها إيران في وقت لاحق. 

وتتجه الأنظار الآن إلى العراق كلاعب رابع، بعدما أبدى المسؤولون في بغداد استعدادهم لـ"الوساطة". 

وتريد تركيا الانتقال بسرعة إلى الاجتماعات رفيعة المستوى، كما يرى الباحث لوند، ويريد النظام السوري في المقابل الحصول على "ضمانات معينة" قبل أي لقاء بين إردوغان والأسد. 

ويبدو أن تركيا غير راغبة في تقديم أي بادرة للانسحاب من سوريا، أو ربما لا تزال تتفاوض بشأن التفاصيل. 

ويعتقد لوند أن الأسد يريد التأكد من أن العملية سوف تتحرك نحو هذا الهدف.  

وربما يشعر أيضا وفقا لحديثه بالقلق من أن الأتراك قد يشرعون في محاولة تطبيع العلاقات دون سحب قواتهم على الإطلاق.  

ويشير الباحث علوش إلى أن تركيا كانت واضحة "في بحث آلية الانسحاب بمجرد الوصول لتطبيع يضمن لها تحقيق الأهداف المحددة من جانبها". 

ويقول إن الموقف المذكور خلق هامشا إضافيا من الدبلوماسية مع دمشق، من أجل التوصل لتفاهمات لإعادة تصميم العلاقات مع سوريا، ولاسيما الجانب الأمني. 

وما تزال تركيا تهدف إلى إنهاء "خطر الوحدات" والتوصل لتفاهمات مع دمشق تعيد تشكيل الجانب الأمني في العلاقة التركية السورية. 

وقد يكون ذلك على غرار "إعادة إحياء اتفاق أضنة مع إحداث تعديلات توسع نطاق التدخل التركي العسكري في المستقبل فيما لو عاد خطر العمال والوحدات"، بحسب الباحث علوش.  

"اتركوا المشاكل للزمن"  

ورغم أن أنقرة تشترك وتتقاطع مع نظام الأسد في عداء "قسد" المسيطرة على مناطق في شمال وشرق سوريا، تختلف طريقة التعاطي والنظر عند كل طرف عن الآخر. 

وتنظر أنقرة إلى "قسد" المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية على أنها ذراع عسكري مرتبط بحزب "العمال الكردستاني" المصنف على قوائم الإرهاب. 

أما نظام الأسد فقد صنّف "العمال الكردستاني" في تسعينيات القرن الماضي على أنه منظمة "إرهابية"، لكنه لم يتخذ ذات الإجراء مع "قسد". 

ويقول الباحث التركي، سرحات إركمين إن العملية القائمة بين أنقرة ودمشق يهيمن عليها تصور مثل: "فلتبدأ المحادثات، ابدأ السير على طريق بنوايا حسنة، سيتم حل المشاكل على المدى الطويل". 

وإذا حاول الطرفان العثور على كل الإجابات والجلوس على الطاولة، فقد يستمر الوضع الحالي لمدة عشر سنوات أخرى، وفق حديث إركمين. 

ويضيف في مقالة موسعة نشرها الخميس: "ولا بأس إذا لم يتم تسميتها أو لم يتم رسم خريطة الطريق. فلتبدأ عملية المصالحة بحسن نية، وسنقوم بالتخطيط للباقي على طول الطريق". 

ومن جهته يوضح الباحث لوند أن "تركيا تريد إيجاد طرق للتعاون ضد حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري، وإعداد الترتيبات لسيناريو افتراضي لليوم التالي حيث تنسحب الولايات المتحدة بسرعة ويتعين عليها ملء الفراغ الناتج". 

وربما تبحث أيضا "عن طرق لاستئناف التجارة"، وتسهيل عودة اللاجئين "بسبب المشاعر المعادية التي تتصاعد ضدهم، مما يلحق الضرر بحكومة إردوغان". 

ولا يستبعد الباحث أيضا أن "تريد أنقرة التأكد من قدرة الشركات التركية على لعب دور في أي مشاريع إعادة إعمار مستقبلية (في سوريا)".