إردوغان والأسد
إردوغان والأسد

تتصدر سوريا وتشعبات مساراتها قائمة ملفات السياسة الخارجية التركية، بعد فوز الرئيس، رجب طيب إردوغان بالانتخابات، ورغم أن أنقرة أطلقت وعودا وسارت بتحركات قبل السباقين الأول والثاني، تسود الآن تكهنات بشأن طريقة التعاطي التي ستتخذها في المرحلة المقبلة.

وقبل موعد السباق الرئاسي والبرلماني بأشهر كانت أنقرة قد اتجهت لفتح أبوابها الموصدة مع النظام السوري، وانطلقت في العلاقة معه ضمن "عملية بناء حوار رباعية"، انخرطت فيها كل من روسيا وإيران، كطرفين راعييّن.

وبموجب هذه العملية اجتمع النظام السوري وتركيا لأكثر من مرة، على مستوى الاستخبارات والدفاع والسياسة، لتصل آخر محطات العلاقة بلقاء وزراء الخارجية في العاصمة الروسية موسكو، قبل موعد الانتخابات بأيام قليلة.

ومع أن الخطوات المذكورة اعتبرت "تطورا فريدا" هو الأول من نوعه منذ أكثر من عقد، إلا أن المخرجات والنتائج لم تكن بذات السياق، لتبقى العلاقة بين كل من أنقرة ودمشق دائرة ضمن معادلة متضادة، تحكمها أولويات وشروط و"خارطة" لا تعرف مفاتيحها.

ولطالما اعتبر مراقبون أن ما أقدمت عليه أنقرة تجاه النظام السوري كان دوافعه بالأساس "اعتبارات انتخابية"، وبالتالي لن يكون هناك أي تعاطي شبيه في المرحلة المقبلة، بعد فوز إردوغان وتبدد الأسباب.

مع ذلك، تحدث مراقبون أتراك وسوريون لموقع "الحرة" أن المسار الذي بدأ قبل قرابة ستة أشهر لن يتوقف، وأنه "ليس انتخابيا بحتا" بقدر ما يؤسس لعلاقة مستجدة سترتبط بها الخيارات بمستويات التقدم والثقة.

ويصر النظام السوري حتى الآن وبعد 4 لقاءات استخباراتية ودفاعية وسياسية على شرط انسحاب القوات التركية من سوريا، من أجل البدء بعملية "التطبيع"، وهو ما تراه أنقرة غير واقعي.

كما يؤكد النظام على فكرة "عدم تسمية المسار القائم بالتطبيع"، مشددا على "شرط الانسحاب" للمضي بذلك.

في المقابل كانت أولى التصريحات المتعلقة بمرحلة ما بعد الانتخابات قد صدرت تركيا على لسان الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم قالن، بعد يوم واحد من إعلان فوز إردوغان.

وأعلن قالن أن بلاده لها 3 أولويات، هي: ضمان أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، عودة اللاجئين، استمرار المفاوضات بين النظام والمعارضة من خلال دفع "اللجنة الدستورية" إلى الأمام.

وعن سؤال يتعلق باللقاء الذي سادت الكثير من الأحاديث بشأنه بين إردوغان وبشار الأسد، أوضح الناطق باسم الرئاسة أنه "لا توجد اجتماعات مقررة حاليا على المدى القريب".

"أولى الخطوات"

ومن المقرر أن تكون أولى خطوات "بناء الحوار" بين أنقرة والنظام السوري في المرحلة المقبلة العمل على "خارطة الطريق" واللجنة المشكّلة من أجل ذلك، وتضم خبراء استخبارات ودفاع وسياسة.

ومن المتوقع أن تعقد اللجنة اجتماعها الأول في الأيام المقبلة، حسب ما ذكرت صحيفة "يني شفق" المقربة من الحكومة، فيما لم يصدر أي تعليق رسمي بشأن الموعد.

وتأتي "وحدة سوريا السياسية وأمن حدودها وسلامة أراضيها" في مقدمة البنود الرئيسية على جدول أعمال اللجنة، ومن ثم قضايا "مكافحة الإرهاب وأمن الحدود"، وصولا إلى "العودة الآمنة للسوريين في تركيا إلى بلادهم".

وفي حين تبرز قضايا "الإرهاب" التي تربطها أنقرة بـ"وحدات حماية الشعب" الكردية في صدارة ما تهتم به أنقرة من المسار الرباعي، إلا أن عودة اللاجئين "طوعا" كانت قد خطفت الأضواء خلال الأيام الماضية على نحو أكبر.

وبينما كانت أحزاب المعارضة تزيد من جرعة الخطاب المعادي للاجئين اتجه إردوغان ومسؤوليه للإعلان عن مشروع سكني في ريف حلب، لإسكان أكثر من مليون لاجئ سوري فيه، وبدعم من قطر.

ولم يعلق النظام السوري على المشاريع السكنية التي أعلنتها أنقرة، أو مساعيها بشأن عودة اللاجئين طوعا، سواء إلى الشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة أو مناطق سيطرته، كما قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، مؤخرا.

ويتضح من إعلان وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار أنه ستكون هناك آلية لتخفيف التصعيد المحتمل من أجل تقليل المخاطر في المرحلة المقبلة، بحسب ما يقول مراد أصلان عضو هيئة التدريس في جامعة حسن كاليونجو والباحث في مركز "سيتا".

وفي الوقت نفسه، يضيف أصلان لموقع "الحرة" أن "الهدف من هذه المبادرة الجديدة هو المساهمة في جهود بناء الثقة، بسبب التاريخ الطويل للصراع من خلال إنشاء قناة اتصال".

"على السوريين، سواء النازحين أو الذين لجأوا إلى بلد آخر، أن يلاحظوا ما إذا كان الأسد يمتثل لمتطلبات عصر جديد ومستقر".

غير ذلك "سيواصل الصراع وتيرته إذا بقي الأسد على نفس الصفحة، من التطهير الديموغرافي في البلاد من المواطنين السوريين".

ويرى الباحث التركي أن "خريطة الطريق ليست سوى خطوة من طريق طويل لمعرفة ما إذا كان السوريون أنفسهم سيوافقون على السلام والمصالحة بالنظر إلى حقيقة أن عملية جنيف للأمم المتحدة واسعة النطاق".

ولا يمكن لتركيا أن تتراجع عن المسار الذي حدث قبل مرحلة الانتخابات، وفق المحلل السياسي المقيم في دمشق، غسان يوسف. 

ويقول يوسف لموقع "الحرة": "آخر لقاء بين أنقرة ودمشق حصل في العاشر من شهر مايو أي قبل الانتخابات بـ4 أيام".

وما سبق "حصل بوساطة روسية مع سوريا لحضور الاجتماع رغم أن دمشق كانت وما زالت تشترط الانسحاب الكامل من سوريا".

ويعتبر المحلل السياسي أن "المشوار طويل ويحتاج لعمل كبير ونفس طويل، وأن يكون هناك ضغط روسي كبير وإيراني لتنفيذ الاتفاقيات والتفاهمات وأيضا لخروج القوات التركية من سوريا".

"تقاليد دولة"

ويسود اعتقاد أن لهجة أنقرة تغيّرت تجاه النظام السوري بعد انتهاء الانتخابات، وإعلان فوز إردوغان على منافسه المعارض، كمال كليتشدار أوغلو.

ويدلل المراقبون على ذلك بتصريحات الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، بعد نفيه وجود "أي خطط للقاء بين إردوغان والأسد في المستقبل القريب".

ويرى الباحث السياسي التركي، عمر أوزكيزيلجيك أن "تركيا كان لها دافعين للتحدث مع الأسد قبل الانتخابات، والآن بقي دافع واحد هو مكافحة الإرهاب".

ولا يعرف ما هي الأوراق التي يمتكلها نظام الأسد بخصوص قضية "مكافحة الإرهاب" التي تصر عليها أنقرة، ولاسيما أن المناطق التي ترى فيها الأخيرة "منبعا للخطر" لا تحسب على مناطق سيطرة دمشق. 

أما في قضية اللاجئين فنادرا ما يعلق عليها النظام السوري، في وقت تعتبر المنطقة التي تستهدفها مشاريع "العودة الطوعية" من جانب تركيا خارج مناطق سيطرته أيضا.
وتختلف وجهة نظر الباحث التركي أصلان مع الاعتقاد المذكور سابقا، إذ يوضح "تركيا لديها تقاليد الدولة ولن تغير الانتخابات الأهداف المنشودة والاستراتيجيات المنفذة". 

ومع ذلك "قد تتغير الأولويات والاستراتيجيات حسب دورات العمل والتفاعل".

ويقول أصلان إن "عمل النظام على الأرض سيوضح أولويات تركيا. بهذا المعنى، قد يحل الخيار العسكري محل مكتب النوايا الحسنة الحالي بقدر ما ينتهك الأسد شروط اتفاق السادة".

من جهته يعتبر المحلل السياسي غسان يوسف أن "إردوغان استغل الفرص وحاول اللعب على جميع الحبال، لكن موضوع العلاقة مع دمشق لم يكن انتخابيا بحتا".

ويشرح فكرته بأن "تركيا تريد شرعنة لوجودها في سوريا، وأن تعيد العلاقات الاقتصادية، لأنها تعرف بأن دمشق عادت لحضنها العربي والجامعة العربية".

كما يضيف أن "تركيا تعتبر سوريا الممر الوحيد لدول الخليج، وهو ما يساعد على ترتيب الاتفاقيات، التي تم التفاهم عليها قبل الانتخابات".

"أولويات ذات شقين"

وبينما تتجه الأنظار إلى مسارات السياسة الخارجية التي سيتبعها إردوغان بعد أداء اليمين يوم الجمعة تبرز "أولويات ذات شقين لأنقرة"، حسب ما يقول الباحث في مركز "سيتا" مراد أصلان.
وتغطي القراءة الأولية "عودة آمنة وتطوعية ومشرفة للسوريين إلى وطنهم، مما يحد من كارثة ديمغرافية محتملة".

ويواجه السوريون "خطر فقدان طابعهم المجتمعي بقدر ما يقضون عقودا في أراضٍ أجنبية"، فيما "لا تستطيع الأجيال السورية الجديدة التحدث بلغتها الأم وهي محرومة من التمتع بتراثها الثقافي".

ويقول أصلان إن "هذه الصورة تشكل أيضا خطرا على الأمن المجتمعي لتركيا، لأن المشهد السياسي سيقع في شرك الاتهامات، كما شوهد خلال انتخابات 2023".

وستستغل الأحزاب السياسية المعارضة، مثل "حزب الشعب الجمهوري" "حزب النصر" الذي يتزعمه أوميت أوزداغ استضافة السوريين كرافعة للادعاء المزعوم بأن "حكومة أردوغان تدمر البلاد".

وكان إردوغان قد أراد ردع مثل هذه الحجة بفكرة مفادها: "يجب علينا احترام القيم الإنسانية وتشكيل الأرضية لعودة المتطوعين الآمنة والمشرفة، ويعتمد هذا التفكير على فكرة أن سوريا بدون شعبها ستكون أرضية لنزاع طويل الأمد".

من جانب آخر هناك تفكير تركي آخر "يدور حول مواجهة إقليمي الإرهاب الذي يسهل إما داعش أو حزب العمال الكردستاني / حزب الاتحاد الديمقراطي / وحدات حماية الشعب".

ويشير الباحث التركي أن بلاده "ترى هذا الاحتمال يمثل تهديدا، ولهذا السبب كانت تركيا مصرة على تأمين عمق 30 كم من الحدود".

"الدعم الأميركي لحزب العمال الكردستاني والمنتسبين إليه في سوريا هو الأولوية الأساسية لتركيا ويجب ألا يكون هناك مجال لدولة أمر واقع قادرة في سوريا"، حسب تعبير ذات المتحدث.

ويضيف أن "حزب العمال الكردستاني / حزب الاتحاد الديمقراطي يتمتع بالمرونة للعب مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران ونظام الأسد"، وأن "سياسة تركيا الجديدة هي الحد من هذه المرونة وتهميش شبكة الإرهاب، من خلال إغلاق أبواب نظام الأسد وإيران وروسيا".

وتختلف وجهة نظر المحلل السياسي غسان يوسف، إذ يرى أن "مطالب أنقرة بخصوص محاربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) واقعية، لكن ذلك لا ينطبق على مناطق شمال غرب سوريا!".

ويقول المحلل: "هل توجد قسد في شمال اللاذقية وإدلب؟ لماذا لا تفتح تركيا طريق إم فور وتفكك النصرة وترحّل المقاتلين الأجانب؟".

ويعتقد يوسف أن "هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن تقدمها تركيا، ليكون بعد ذلك تعاون على محاربة أو تحجيم قسد لمنع إنشاء الكانتون".

"طريق وحيد للانسحاب"

ولتركيا قوات كثيرة في الشمال السوري، وتنتشر في محافظة إدلب وأرياف حلب وصولا إلى منطقتي تل أبيض ورأس العين، بعدما أطلقت عملية "نبع السلام" في 2019.

وحتى الآن تؤكد أن وجودها خارج الحدود مرتبط بـ"مكافحة الإرهاب"، والذي تراه مرتبطا بـ"وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني".  كما تدعم أنقرة تحالف "الجيش الوطني السوري" الذي يعتبره النظام السوري "منظمة إرهابية"، وأنه يجب تفكيكها.

ويرى النظام أيضا أن انتشار الأتراك في سوريا يعتبر "احتلالا"، بينما يؤكد على ضرورة "إنهائه" كخطوة أولى للمضي بعملية "التطبيع".
 
وتتمثل السياسة الجديدة لتركيا في تشجيع نظام الأسد على الامتثال لقرارات الأمم المتحدة والتوصل إلى إجماع لإنهاء الصراع السوري، مع مراعاة المخاوف المذكورة، على رأسها "التهديدات الإرهابية".

و"لم يكن الأسد مهتما بحل النزاع حسب سلال الأمم المتحدة"، ويرى الباحث أصلان أن "خارطة الطريق ستكون على الأقل قاعدة لتسهيل التوصل إلى حل وسط بين الائتلاف السوري المعارض ونظام الأسد".

ويضيف: "إذا قاوم نظام الأسد، فقد تدفع تركيا روسيا لقبول خيار ثالث، وهو خيار عسكري، وبالتالي لن يكون هناك عذر لوقف الحملة العسكرية للقوات المسلحة التركية والجيش الوطني السوري".

ويستبعد المحلل السياسي يوسف أن "تخرج تركيا من سوريا، إذا لم يكن هناك تعديل لاتفاقية أضنة أو توقيع اتفاقية جديدة تستطيع من خلالها التدخل في حال تمدد حزب العمال".

ويؤكد أنه "لا يرى أن بوادر للانسحاب التركي من البلاد".

بدوره يشير الباحث أصلان إلى أن "الأمن في شمال سوريا يتطلب وجودا عسكريا تركيا، وإلا فإن النازحين السوريين سيكونون فريسة لنظام الأسد".

وسيؤدي هذا التوقع إلى "جلب ملايين اللاجئين الجدد إلى تركيا، وقد تستغل الخلايا الإرهابية الفرص وتوسع دائرة نفوذها على حساب أمن تركيا والسوريين".

ويوضح أصلان أن "الانسحاب الكامل لن يكون خيارا إلا إذا قام السوريون ببناء دولة ديمقراطية خاضعة للمساءلة، وإقامة سيادة كاملة على كل شبر من سوريا".

المرأة الفرنسية، البالغة 35 عاما، استعبدت طفلة إيزيدية في عام 2017، وفق ما نقلته فرانس برس عن مصدر مطّلع (أرشيفية.تعبيرية)
المرأة الفرنسية، البالغة 35 عاما، استعبدت طفلة إيزيدية في عام 2017، وفق ما نقلته فرانس برس عن مصدر مطّلع

أعلنت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب لوكالة فرانس برس، الجمعة، أن متطرفة فرنسية عادت، في أغسطس عام 2021 ، من سوريا إلى بلدها وتحاكم بتهم إرهابية، وُجّهت إليها أيضا تهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق الأقلية الإيزيدية.

وقالت النيابة العامة إنه في ختام جلسة استجواب خضعت لها، الثلاثاء، وجّهت إلى المشتبه بها تهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.

وبحسب ما نقلته الوكالة عن مصدرين مطّلعين على القضية فإن هذه المرأة الفرنسية، البالغة 35 عاما، استعبدت طفلة إيزيدية في عام 2017. 

وأوضح المصدران أن المتهمة تنفي التهم المُوجّهة إليها.

وبحسب النيابة العامة فإنها "ثالث امرأة" توجّه إليها تهم تتعلق بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية من بين "العائدات" اللواتي يُحاكمن في فرنسا بتهم ارتكاب جرائم إرهابية.

وقال أحد المصدرين المطّلعين على هذه القضية لفرانس برس إنه "منذ 2022" وجّهت إلى المرأة الأولى تهمة ارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، في حين وجّهت التهمة ذاتها في مطلع مايو لـ"عائدة" ثانية من سوريا هي زوجة سابقة لـ "أمير" في تنظيم داعش.

وكانت الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب قالت، في نهاية أبريل، لوكالة فرانس برس إنه في أواخر عام 2016 فُتح تحقيق أولي "هيكلي" بشبهة ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في العراق وسوريا منذ عام 2012 "بحق الأقليات العرقية والدينية".

وأوضحت النيابة العامة أن "الهدف هو توثيق هذه الجرائم وتحديد هوية مرتكبيها الفرنسيين المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية".