نحو 52 ألف شخص في مخيمي الهول والروج 60 في المئة منهم أطفال
نحو 52 ألف شخص في مخيمي الهول والروج 60 في المئة منهم أطفال

قالت خبيرة أممية مستقلة إن الاحتجاز الجماعي للأطفال إلى أجل غير مسمى ودون إجراءات قانونية ينتهك القانون الدولي ويجب إيقافه على الفور، وذلك في ختام زيارة قامت بها إلى سوريا، استمرت ستة أيام.

وفي بيان صدر، الجمعة، أوضحت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب، فيونوالا ني أولين، أن الزيارة تأتي في إطار معرفة حجم الاعتقال التعسفي إلى أجل غير مسمى في شمال شرق سوريا.

ووصلت ني أولين إلى دمشق في 15 يوليو، في زيارة تركزت على قضايا الاحتجاز وإعادة المواطنين الأجانب في شمال شرق البلاد، حيث التقت بمسؤولين حكوميين وزارت سجون ومواقع احتجاز في القامشلي والحسكة والهول والمالكية.

وتشير تقارير إلى وجود نحو 52 ألف شخص محتجز في مخيمي الهول والروج في سوريا، 60 في المئة منهم أطفال، وغالبيتهم دون سن 12 عاما. وعبرت ني أولين عن مخاوف جدية بشأن وضع النساء في ملحق مخيم الهول، بالنظر إلى عدم قدرة وصول أي شخص فعليا إلى ذلك الموقع، باستثناء الجهات الأمنية.

وأعربت عن قلقها العميق بشأن الاعتقال التعسفي واسع النطاق في شمال شرق سوريا للأطفال من البنين والبنات، بناء على صلاتهم وصلات أولياء أمورهم السابقة المزعومة بتنظيم داعش.

وقالت ني أولين "القلق الأكبر لي ولفريقي في أثناء زيارتنا إلى شمال شرق سوريا هو الاحتجاز الجماعي التعسفي وغير المحدد المدة للأطفال، وخاصة الصبية".

وأضافت أن احتجازهم في المعسكرات والسجون والمراكز "جاء بسبب ما أثير عن تشكيلهم تهديدا على الأمن بسبب الصلات السابقة المزعومة لهم أو لوالديهم بتنظيم داعش".

صدمة نفسية

وتعليقا على الممارسة المنهجية المتمثلة في فصل الأولاد، ولا سيما رعايا البلدان الثالثة، عن أمهاتهم في المخيمات عند بلوغهم سن المراهقة، قالت الخبيرة الأممية: "من الواضح أن جميع الأطفال الذين قابلتهم مصابون بصدمة نفسية بسبب الانفصال عن أمهاتهم، والذي غالبا ما يتم بشكل عنيف وفقا للتقارير." 

وقالت إن هذه "الممارسة المقيتة" تعتبر انتهاكا واضحا للقانون الدولي لحقوق الإنسان وتتعارض مع حقوق الطفل، ودعت إلى إنهائها على الفور.

وأعربت المقررة الخاصة عن انزعاجها الشديد من وجود عدد كبير من الأولاد الصغار في سجون الذكور البالغين، مضيفة أنه لا يبدو أن هناك خطة لهؤلاء الصبية عندما يصلوا إلى سن الرشد سوى السجن.

وقالت إن "احتجاز الأحداث والمراهقين السوريين والعراقيين ومن جنسيات أخرى، دون إجراءات قانونية، هو ببساطة أمر غير مقبول وينطوي على انتهاكات أساسية متعددة لحقوق الطفل بموجب القانون الدولي".

أضرار تتعذر معالجتها

ونددت ني أولين، الجمعة، بفصل المراهقين الذكور بشكل "منهجي" عن أمهاتهم في مخيمات احتجاز في شمال شرق سوريا، ما يسبب لهم أضرارا تتعذر معالجتها ويشكل "انتهاكا للقوانين الدولية"، وفقا لفرانس برس.

وقالت الخبيرة الأممية لصحفيين في جنيف بعد عودتها من سوريا إنها لاحظت أن "مئات المراهقين الذكور مفصولون عن أمهاتهم بغياب أي أساس قانوني لذلك".

وأوضحت أنه يتم تبرير هذه الممارسة بـ"مخاطر أمنية غير مثبّتة يشكلها الأطفال الذكور عندما يبلغون سن المراهقة"، مؤكدة أنها رأت أطفالا لا تتجاوز أعمارهم 11 عاما مفصولين عن أمهاتهم.

وتعد فيونوالا ني أولين مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بمكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان، أول خبيرة أممية في مجال حقوق الإنسان تزور معسكرات الاحتجاز والسجون التي يديرها الأكراد في شمال شرق سوريا، وفقا لفرانس برس.

وفي حين أقرت الخبيرة بأن الوضع المحلي شديد التعقيد على الصعيدين السياسي والأمني، اعتبرت بأن ذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال "الاحتجاز الجماعي التعسفي للأطفال إلى أجل غير مسمى".

تنظيم عودتهم إلى بلدانهم

وشددت على ضرورة تنظيم إعادتهم إلى أوطانهم "بشكل عاجل"، مؤكدة أن بلادهم، إلى جانب السلطات المحلية المدعومة من الولايات المتحدة، تتحمل مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرضون لها.

وناشدت جميع الدول التي لديها رعايا محتجزين في شمال شرق سوريا أن تفي بالتزاماتها الأساسية في مجال حقوق الإنسان وأن تعيد مواطنيها إلى أوطانهم، وأكدت أن "ظروف الاعتقال القاسية لجميع الفئات، بما في ذلك الرجال والنساء وخاصة الأطفال، والتي شاهدتها بنفسي، تجعل مثل هذه الإعادة مهمة للغاية".

وتواجه الدول الغربية انتقادات متزايدة لرفضها إعادة المزيد من مواطنيها الذين غادروا إلى العراق وسوريا للانضمام إلى جماعات جهادية مثل تنظيم داعش، وفقا لفرانس برس.

وأشارت الخبيرة الأممية إلى حصول "بعض التحركات الإيجابية"، إذ أن المخيمات استضافت في ذروة إشغالها ما يصل إلى 70 ألف شخص، لكنها حذرت من أن وتيرة الإعادة الحالية "ستبقي (المخيمات) مفتوحة على الأقل لمدة 20 عاما" إضافية.

وقالت الخبيرة "فكروا في ما يعنيه ذلك بالنسبة لطفل يبلغ عامين ويعيش حاليا في أحد هذه الأماكن. يبدو أنه لا يوجد وعي بأن احتجاز الأطفال لفترة تبدو بلا نهاية (...) يشكل انتهاكا مطلقا للقانون الدولي".

وأشارت إلى أن العودة متاحة فقط للنساء والأطفال، ما يعني أنه ليس أمام المراهقين الذكور على الأرجح مكان يلجؤون إليه.

كما استنكرت الخبيرة عدم تمكنها من الوصول إلى "ملحق" لمخيم الهول يحتجز فيه 10 آلاف أجنبي.

"خطف مئات الأطفال"

وقالت فيونوالا ني أولين، في اليوم التالي لعودتها من سوريا، إنها قلقة أيضا حيال "خطف" مئات الصبية من المخيمات، وفقا لرويترز.

ويوجد الآلاف من الأشخاص النازحين داخليا وعائلات مقاتلي تنظيم داعش المشتبه بهم، ومنهم سوريون وعراقيون وأشخاص من جنسيات أخرى، في معسكرات الاحتجاز المنتشرة في المنطقة بعد فرارهم من المناطق التي يسيطر عليها المتشددون في أثناء الصراع في سوريا.

ومن بين الأماكن التي زارتها كان مخيم الهول الذي يديره الأكراد ويضم نحو 55 ألف شخص من بينهم 31 ألف طفل. كما يضم ​المخيم ​رعايا دول غربية رغم الضغوط التي تبذلها الأمم المتحدة لإعادتهم لأوطانهم، وفقا لرويترز.

ويقع مخيم الهول في شمال شرق سوريا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة. ولم يرد مسؤول من السلطات التابعة لقوات سوريا الديمقراطية التي تدير المنطقة على طلب للتعليق من رويترز.

ودائما ما يطالب المسؤولون في قوات سوريا الديمقراطية الدول الأجنبية باستعادة عائلات مقاتلي تنظيم داعش الموجودة في المخيمات.

ظروف قاسية

ووصفت ني أولين الظروف في مخيم الهول بأنها "قاسية وغير عادية"، قائلة إن درجة الحرارة وصلت إلى 50 درجة مئوية في أثناء زيارتها. وقالت إن مصطلح "مخيم" غير مناسب لأن الناس ليسوا أحرارا في الدخول إليه أو الخروج منه.

وأضافت "يبدو أنه لا أحد يدرك أن احتجاز الأطفال يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي فيما يبدو أنها دورة لا تنتهي من الاعتقالات للأفراد من مختلف الأعمار".

أماكن مجهولة

كما عبرت ني أولين عن مخاوفها إزاء فصل مئات الفتيان عن أمهاتهم في المخيمات على أساس الخطر الأمني ​​المزعوم الذي يمثلونه. ولم تذكر ني أولين المكان الذي ذهب إليه هؤلاء الفتيان لكنها قالت في وقت سابق إنهم ذهبوا إلى أماكن مجهولة.

وتابعت "كل امرأة تحدثت إليها أوضحت أن خطف الأطفال هو أكثر ما يصيبهن بالقلق والمعاناة والضرر النفسي الأكبر".

وكان خبراء حقوقيون تابعون للأمم المتحدة قد عبروا عن قلقهم البالغ في فبراير الماضي، حيال التقارير التي أفادت بأن السلطات في شمال شرق سوريا أخذت ما لا يقل عن عشرة صبية من مخيم روج.

وقالوا إن هناك نمطا من الإبعاد القسري للصبية الذين يبلغون من العمر 10 أو 12 عاما من المعسكرات وفصلهم عن أمهاتهم ونقلهم إلى أماكن مجهولة، ووصفوا هذا الأمر بأنه غير قانوني تماما.

وقالت الإدارة ذاتية الحكم التابعة لقوات سوريا الديمقراطية في بيان في ذلك الوقت إن هذه التقارير "لا تمت للحقيقة بصلة".

وأضافت أن إدارة المخيمات دأبت على إخراج الفتية من حين لآخر لأنهم في هذا السن أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة، مشيرة إلى أنهم وضعوا في "مراكز إعادة تأهيل".

الأطفال أكثر من يعاني

وفي مايو 2022 قالت، أديل خضر، المديرة الإقليمية لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن ملايين الأطفال السوريين يعيشون في خوف وحاجة وعدم يقين، سواء في داخل سوريا أو في دول الجوار.

وأضافت أن "أكثر من 6.5 مليون طفل في سوريا يحتاجون إلى المساعدة، وهو أعلى رقم جرى تسجيله منذ بداية الأزمة السورية المستمرة منذ 2011".

ولا تزال نهاية الأزمة في سوريا بعيدة المنال، بحسب المديرة الإقليمية لليونيسف التي ذكرت أنه "في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2022، قتل وأصيب 213 طفلا في سوريا".

كما أوضحت في مايو 2022، أنه جرى التحقق من مقتل وإصابة أكثر من 13 ألف طفل منذ بداية الأزمة في العام 2011.

أما في البلدان المجاورة لسوريا، فوضع اللاجئين السوريين ليس أفضل حالا. إذ تعاني تلك البلدان بما فيها لبنان، من ضغوطات بسبب عدم الاستقرار السياسي والهشاشة، ويعتمد حوالي 5.8 مليون طفل على المساعدة، حيث يعانون من الفقر والمصاعب.

تهديد للمستقبل

وفي مارس 2021، حذر ممثل اليونيسف في سوريا من أن الحرب لا تقضي على حاضر أطفال سوريا فحسب، لكنها تهدد مستقبلهم أيضا، مشيرا حينها إلى أنه بعد 10 سنوات من الحرب، ترك النزاع 90% من الأطفال السوريين في حاجة إلى المساعدة.

وقال، بو فيكتور نيلوند، ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة في سوريا، إن أزمة ثلاثية من العنف والبؤس الاقتصادي وجائحة كورونا دفعت بالعائلات إلى حافة اليأس.

وأضاف قائلا: "ماذا يعني ذلك من الناحية العملية؟ هذا يعني على سبيل المثال أن عائلتين من كل ثلاث أسر تبلغان بأنهما لا تستطيعان تلبية احتياجاتهما الأساسية".

وأشار إلى زيادة تزويج الأطفال، وإلى اضطرار العديد منهم للخروج للعمل - بعضهم لا تتجاوز أعمارهم 7 أعوام. إضافة إلى ذلك، يعاني أكثر من نصف مليون طفل دون سن الخامسة في سوريا من التقزم نتيجة سوء التغذية المزمن، بحسب وكالات الأمم المتحدة.

وتضاعف عدد الأطفال الذين ظهرت عليهم أعراض الاضطراب النفسي والاجتماعي عام 2020 حيث استمر تعرضهم للعنف والصدمات.

وقال بو فيكتور نيلوند، في مارس 2021، إن ما يقرب من خمسة ملايين طفل ولدوا في سوريا على مدى السنوات الماضية، وإن مليون طفل آخر ولدوا لاجئين في الدول المجاورة لسوريا، "وهؤلاء هم ملايين الأطفال الذين لا يعرفون سوى الموت والنزوح والدمار".

ووفقا للبيانات التي تم التحقق منها، بين عامي 2011 و2020، تم تجنيد أكثر من 5,700 طفل في القتال – بعضهم لا تزيد أعمارهم عن 7 سنوات. وفي الفترة نفسها (2011-2020) تعرضت أكثر من 1,300 منشأة تعليمية وطبية للهجوم، بما في ذلك الأشخاص الذي يعملون هناك.

وأضاف نيلوند: "يواجه التعليم الآن واحدة من أكبر الأزمات في التاريخ الحديث. هناك حوالي 3.5 مليون طفل خارج المدرسة، 40% منهم فتيات".

وذكر المسؤول الأممي بأن الوضع في شمال غرب سوريا مقلق بشكل خاص، حيث لا يزال ملايين الأطفال نازحين، إذ فرت عائلات كثيرة من العنف عدة مرات، بعضها يصل إلى سبع مرات بحثا عن الأمان. يعيش هؤلاء في خيام وملاجئ ومبان مدمرة أو غير مكتملة البناء.

ودعا ممثل اليونيسف في سوريا إلى إعادة دمج الأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة، وخاصة في شمال شرق سوريا، في المجتمعات المحلية، كما دعا إلى إعادة أطفال الرعايا الأجانب بأمان إلى بلدانهم الأصلية.

إردوغان يتطلع لإعادة العلاقات مع نظام الأسد (أرشيف)
.آخر دعوات إردوغان للأسد كانت على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)

لم تخلُ تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان خلال الأيام الماضية من الدعوات المتكررة للقاء رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ورغم أن الأخير أظهر قبل ذلك بادرة إيجابية لم يتطور موقفه إلى مستوى "الاندفاعة" التركية.

آخر دعوات إردوغان كانت على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث قال إنه وجه دعوة "للسيد الأسد"، قبل أسبوعين، لعقد اجتماع "في تركيا أو دولة ثالثة".

كما أعلن أنه أصدر توجيهات لوزير خارجيته، حقان فيدان من أجل التواصل في هذا الشأن (ترتيب الاجتماع)، ولكي يتم "التغلب على القطيعة والمضي قدما في بدء عملية جديدة".

وقبل حديثه من واشنطن دعا إردوغان الأسد مرتين، وكانت إحداها للاجتماع في تركيا، ومع ذلك لم يجب رئيس النظام السوري ومؤسساته الرسمية حتى الآن بالسلب أو الإيجاب.

لكن الأسد ذاته، والذي لطالما وصفه الرئيس التركي في بدايات أحداث الثورة السورية لأكثر من مرة بـ"القاتل"، كان قد كسر جزءا من الجمود بإعلانه مؤخرا "الانفتاح على جميع المبادرات المرتبطة بالعلاقة بين سوريا وتركيا".

وقال إن تلك المبادرات يجب أن تكون "مستندة إلى سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها ومحاربة الإرهاب وتنظيماته"، دون أن يتطرق إلى الشرط الذي نادى به سابقا للدفع بعملية "الحوار"، والمتمثل بانسحاب القوات التركية من سوريا.

وعلى أساس ذلك، اعتبر خبراء ومراقبون في تصريحات سابقة لـ"الحرة" أن تراجع الأسد عن شرط "الانسحاب" وبصورة مبدئية يعطي دفعة لعملية "بناء الحوار" بين أنقرة ودمشق، وأن تصريحات إردوغان المتتالية بعد ذلك زادت من الزخم على نحو أكبر.

ولا يعرف حتى الآن ما إذا كان الأسد وإردوغان سيلتقيان في المرحلة المقبلة، إن كان في تركيا أو في "دولة ثالثة".

ويرى مراقبون من أنقرة ودمشق تحدثوا لموقع "الحرة" أن ما يحصل الآن على صعيد التصريحات والدعوات يصب في إطار "وضع اللمسات الأخيرة على العملية الجديدة".

ويتوقع المحلل السياسي المقيم في دمشق، غسان يوسف أن يزور وزير خارجية تركيا، حقان فيدان العاصمة السورية دمشق، من أجل "وضع خطة مفاوضات".

وفي حين يقول يوسف لموقع "الحرة" إن "المفاوضات ستجري بالفعل" يستبعد أن تكون سريعة، بالنظر إلى المشاكل والملفات العالقة بين الجانبين.

لم تخلُ تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان خلال الأيام الماضية من الدعوات المتكررة للقاء رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

"3 عوامل وراء الاندفاعة"

من الجانب الرسمي في تركيا ترتبط "الاندفاعة" الحاصلة نحو الأسد ونظامه في سوريا بعدة "مشاكل" تتطلب الحل.

أولها قضية اللاجئين وضرورة عودتهم إلى البلاد.

وتتمثل الثانية بـ"الخطر" الذي يشكله "حزب العمال الكردستاني" على الأمن القومي التركي و"قوات سوريا الديمقراطية" التي تراها أنقرة مرتبطة به.

في المقابل لم تنكشف حتى الآن أولويات للنظام السوري، رغم أن مسؤوليه أشاروا سابقا إلى ضرورة "وضع جدول زمني لانسحاب القوات التركية من سوريا".

وطالبوا أيضا بـ"وقف دعم الإرهابيين" وبحث آلية تصنيفهم، في إشارة إلى فصائل المعارضة التي تدعمها أنقرة في شمال سوريا.

ويعتقد الباحث في الشأن التركي، محمود علوش أنه توجد "3 عوامل قوية" تدفع مشروع "التطبيع" إلى الأمام بين أنقرة ودمشق.

ويوضح لموقع "الحرة" أن أولها يتمثل بالزخم الروسي الجديد في رعاية هذا المسار ودخول العراق على خط الوساطة.

كما أن "تركيا بحاجة إلى إشراك دمشق في استراتيجيتها الجديدة لمكافحة الإرهاب على غرار العراق"، وفق الباحث.

ويضيف علوش أيضا أن "الاندفاعة" الحاصلة لا يمكن فصلها عن "الاستعداد لتحول محتمل في الموقف الأميركي في سوريا في حال عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض".

ومن جهته يرى الباحث السياسي التركي، هشام جوناي أن اندفاعة الرئيس التركي نحو الأسد "متعلقة بمصالح تركيا وحزب العدالة والتنمية الحاكم".

ويعتقد في حديثه لموقع "الحرة" أن ترتبط أيضا بـ"مشكلة اللاجئين والأحداث الأخيرة" التي حصلت في قيصري، وبمساعي إردوغان "للخروج من العزلة التي فرضتها مواقفه السابقة من الربيع العربي".

جوناي يوضح أن "الرئيس التركي يريد حل مشكلة اللاجئين بالتشاور مع النظام، لكي يكون هناك عودة إلى المناطق التي يحكمها".

ويعتبر أن تحركاته "مرتبطة بالتغير الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية، للبحث عن المصلحة بدلا عن المواقف السياسية والإيديولوجية".

تركيا ترفض انسحاب قواتها من سوريا

"عوامل سياسية وإقليمية"

ويمكن أن تعزى الرغبة الملحة الأخيرة في رغبة إردوغان لمقابلة بشار الأسد إلى العديد من العوامل السياسية والإقليمية ذات الصلة بالسياسة التركية الداخلية والخارجية، كما يشير أوميت نظمي هزير وهو محلل سياسي تركي مقيم في موسكو.

ويقول إن السبب الأول هو "تزايد مشكلة الهجرة في تركيا"، وما يرافقها من ضغوط داخلية تؤكد على ضرورة معالجة هذه القضية.

وتستضيف تركيا أكثر من 3 مليون لاجئ سوري.

ويضيف المحلل لموقع "الحرة" أن "قضية الهجرة كانت قد لعبت دورا في خسارة أصوات حزب إردوغان في الانتخابات المحلية الأخيرة".

ولذلك يحتاج الرئيس التركي الآن إلى إيجاد حل دائم لهذه المشكلة، ولكي يواجه أيضا الضغوط التي يتعرض لها في السياسة الداخلية التركية.

كما أنه "من الممكن تقديم التقدم الدبلوماسي الناجح مع سوريا باعتباره إنجازا كبيرا في السياسة الداخلية"، بحسب هزير.

ومن ناحية أخرى ترتبط اندفاعة إردوغان نحو الأسد بـ"التهديد الذي تشكله وحدات حماية الشعب الإرهابية"، على حد تعبير المحلل التركي.

كما يقول إن "التغييرات في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا والشرق الأوسط الأوسع يمكن أن تؤثر أيضا على استراتيجية تركيا".

وإذا ما خفضت الولايات المتحدة مشاركتها في المنطقة، فقد "تشعر تركيا بالحاجة إلى اتخاذ المزيد من المبادرات في تشكيل النتائج الإقليمية"، وفق حديث هزير.

تركيا استهدفت عدة مواقع للأكراد في شمال سوريا

ما الأصداء في دمشق؟

ومنذ بدء عملية "بناء الحوار" بين تركيا والنظام السوري في أواخر العام 2022 كانت تعليقات الأخير تذهب بمسارين.

المسار الأول على لسان وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد ومسؤولين آخرين والثاني بشكل غير رسمي عبر صحيفة "الوطن" المحلية.

ويقول المحلل السياسي المقيم في دمشق يوسف إن النظام السوري "ينظر إلى تركيا الآن على أنها في وضع صعب".

ويأتي ذلك "في ظل المنافسة الحاصلة بين المعارضة والعدالة والتنمية للتقارب مع سوريا"، بحسب حديثه.

ويضيف أن "سوريا تعرف أن حل اللاجئين والأمن والاقتصاد والسياحة في تركيا لن يتم ما لم تحل المشاكل معها"، ولذلك تتخذ موقفا ثابتا من الاندفاعة.

ويوضح الباحث في الشأن التركي علوش أن "الأسد يتطلع إلى المزايا السياسية والاقتصادية للتطبيع مع تركيا".

وفي المقابل "يسعى إلى حصد أكبر قدر من المكاسب قبل منح إردوغان ما يحتاجه"، بحسب حديثه.

من ناحية أخرى، يشير الباحث إلى أن "إردوغان جاد في رغبة التطبيع مع دمشق، ويعتقد أن مثل هذه الخطوة ستعزز مصالح تركيا في سوريا وتخلق فرصا لإنهاء الصراع بدلا من مواصلة انتظار الوقت".

كما يقول إن "قضية اللاجئين تضغط بشكل متزايد على السياسة التركية في سوريا وتشكل حافز آخر لمشروع التطبيع".

ويردف أن "أحداث قيصري الأخيرة أظهرت مخاطر انفجار هذه القضية إلى صدام بين المجتمع التركي والسوريين".

قضية اللاجئين تضغط بشكل متزايد على السياسة التركية في سوريا.

"بين 3 وسطاء"

وترعى موسكو مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة منذ بدايته، وانضمت إليها إيران في وقت لاحق.

وتتجه الأنظار الآن إلى العراق كلاعب رابع، بعدما أبدى المسؤولون في بغداد استعدادهم لـ"الوساطة".

ويعتقد أنطون مارداسوف، وهو محلل روسي وباحث غير مقيم في "معهد الشرق الأوسط"، أن "دمشق وأنقرة لم يكن بوسعهما خلال الفترة الماضية إلا أن يردا على جهود الوساطة العراقية".

وبينما من المهم لتركيا أن تنفذ مشروع "طريق التنمية" عبر الأراضي العراقية وتواصل تنفيذ العمليات ضد "العمال الكردستاني" فإن العلاقة مع بغداد مهمة بالنسبة للأسد أيضا، ولذلك "كان عليه أن يكون مجاملا"، على حد تعبير مارداسوف.

يشير المحلل الروسي في حديثه لموقع "الحرة" إلى ثلاثة سياقات "هامة" يجب مراقبتهما في أثناء تقييم مسار التطبيع الحاصل بين أنقرة ودمشق.

ويرتبط الأول بالانتخابات الأخيرة التي كانت تستعد "الإدارة الذاتية" في شرق سوريا لتنظيمها.

والثاني بالملفات المتقاطعة بين موسكو وأنقرة وبين الأخيرة ودمشق.

أما المسار الثالث فيتعلق بالمنافسة الداخلية الحاصلة في تركيا بين الحزب الحاكم وحزب "الشعب الجمهوري" وورقة اللاجئين التي يتم سحبها الآن بصورة أكبر.

التوغلات التركية أدت إلى نزوح مئات الآلاف من الأكراد في شمال سوريا

كيف تفكر موسكو؟

ويعود المحلل الروسي إلى الوراء قليلا ويقول إنه من المهم "فهم الاختلافات بين الانتخابات التي أجرتها الإدارة الذاتية الكردية في شمال سوريا عام 2017، وتلك التي تخطط لها الآن".

ويوضح أن "جوهر الوضع الحالي هو أن حكومة الأسد، مستغلة العودة إلى الجامعة العربية، حاولت تقديم مسار بديل للتطبيع من شأنه أن يحظى بالموافقة العربية".

تضمن المسار تكثيف الحوار مع "حزب الاتحاد الديمقراطي" عبر "هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي"، بحسب مارداسوف.

وفي نهاية المطاف أدى عمل "الاتحاد الديمقراطي" على ما يسمى بـ "العقد الاجتماعي" إلى كتابة مسودة دستور، تتصور إنشاء مجلس عسكري من نوع ما مع بعض السوريين.

وكانت موسكو "على علم جيد بهذا الأمر"، وفقا لحديث المحلل الروسي.

ويشير إلى أن الترتيبات المذكورة سابقا وما تبعها من نية "الإدارة الذاتية" تنظيم الانتخابات "من شأنها أن تفضي الشرعية على جسم يقوم على الاندماج السريع لوحدات حماية الشعب تحت جناح دمشق"، في حال طرأ أي تغير في شكل الوجود الأميركي.

تركيا تنشر قوات في سوريا لمواجهة حزب العمال الكردستاني.

"حل المشكلة.. نحو الحوار"

بوجهة نظر المحلل الروسي كان السيناريو المذكور سيحرم تركيا من فرصة القيام بعمليات لإضعاف حزب "العمال الكردستاني" وجميع التنظيمات المرتبطة به.

ولذلك اتجهت لحل المشكلة عن طريق الحوار مع الأسد، والذي تمتد جذوره أيضا إلى السياق السياسي الداخلي للتنافس بين "العدالة والتنمية" وحزب "الشعب الجمهوري".

ومن المهم بالنسبة لأنقرة أن تعمل على إخراج الحوار مع دمشق بشأن اللاجئين من حالة الركود لاعتراض أجندة المعارضة.

وثانيا بأن تستخدم هذا العامل في المفاوضات مع الكرملين، وفقا لمارداسوف.

أما وبالنسبة لموسكو فإن الاتصالات السورية التركية مهمة لأنها حتى عبر العراق ستعمل على تحسين صورتها كطرف نجح في تحقيق المصالحة في نهاية المطاف.

ويقول المحلل الروسي أيضا إن "بعض التكثيف التجاري عبر أراضي المعارضة في سوريا سيكون على أي حال ميزة إضافية للاقتصاد السوري المدمر".

وستحاول موسكو في المرحلة المقبلة "تحويل التقدم الافتراضي في الاتصالات بين دمشق وأنقرة ضد الأكراد"، كما يتابع المحلل الروسي.

لكنه يشير إلى "خطر قد يعترض العملية".

ويتمثل أنه "وفي حالة تكثيف بعض الأعمال العسكرية فمن غير المرغوب به أن تقوم روسيا بتحويل الموارد من الصراع الأوكراني"، لأن "نفس الكتائب الإضافية من الشرطة العسكرية التي سيتم نشرها في الأراضي الجديدة المنقولة إلى الأسد تشكل عبئا إضافيا على الآلة العسكرية للكرملين".

ومن زاوية أخرى تتعلق بروسيا يوضح أوميت نظمي هزير المحلل التركي المقيم في العاصمة الروسية أنه "ومن خلال تعزيز العلاقات المحسنة بين تركيا وسوريا تستطيع موسكو تحقيق التوازن ضد القوى الأخرى، وخاصة ضد الولايات المتحدة، وتعزيز موقفها الجيوسياسي في الشرق الأوسط".

إلى جانب ذلك يشير إلى أن "روسيا التي تتعامل مع المشكلة الأوكرانية تريد حل الأزمة السورية وتخفيف أعباءها".

ويضيف أن "مشاركة روسيا أمر حاسم في تشكيل مسار العلاقات بين أنقرة ودمشق"، ويعتقد أنها "ستقدم بعض الضمانات للجانبين، وهناك احتمال أن تستضيف موسكو اجتماع إردوغان والأسد في المستقبل".