لاجئون سوريون في طريق العودة من لبنان
بعد 13 عاما من الحرب ما تزال الأمم المتحدة تؤكد على أن سوريا غير آمنة لعودة اللاجئين (أرشيف)

بعدما وضعت الدول العربية ملف "العودة الآمنة والطوعية للاجئين السوريين" إلى بلدهم أولوية قصوى على سكة إعادة العلاقات مع دمشق يبدو من تصريحات النظام السوري أنه غير مستعد حتى الآن لـ"تنفيذ أي آلية من دون مقابل"، وكما هو الحال بالنسبة لقضية "تهريب المخدرات" تشوب مواقفه "نبرة ابتزاز"، حسب مراقبين.

ووفقا للبيان الختامي الذي وزع في أعقاب اجتماع "عمّان التشاوري"، في شهر مايو الماضي، اتفق المجتمعون على أن "العودة الطوعية والآمنة للاجئين (السوريين) إلى بلدهم هي أولوية قصوى، ويجب اتخاذ الخطوات اللازمة للبدء في تنفيذها فورا".

وحضّوا، حسب البيان، على تعزيز التعاون بين سوريا والدول المضيفة للاجئين بالتنسيق مع الأمم المتحدة "لتنظيم عمليات عودة طوعية وآمنة للاجئين وإنهاء معاناتهم، وفق إجراءات محددة وإطار زمني واضح".

لكن وعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية لم تظهر في الأفق أي "إجراءات محددة"، وكذلك الأمر بالنسبة لـ"الإطار الزمني الواضح لعودة اللاجئين الطوعية". وعلى العكس أشار مسؤولون في النظام إلى أن أي عملية من هذا القبيل يجب أن ترتبط بـ"إعادة الإعمار".

وفي يونيو الماضي وفي أثناء اجتماعه مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، في دمشق تطرق رئيس النظام السوري، بشار الأسد لـ"حشد الجهود لدعم مشاريع التعافي المبكر المرتبطة بعودة اللاجئين السوريين ومتطلباتها، وإبقاء ملف اللاجئين في إطاره الإنساني والأخلاقي".

وأكد خلال اجتماعه أن "العودة السليمة للاجئين السوريين هي الهدف الأسمى لدى الدولة السورية، لكنه مرتبط بتوفير متطلبات إعمار البنى المتضررة في القرى والمدن التي سيعودون إليها، وتأهيل المرافق الخدمية بمختلف أشكالها، إضافة إلى ضرورة تنفيذ مشاريع التعافي المبكر الضرورية لعودتهم".

وقبل ذلك دعا وزير خارجيته، فيصل المقداد في اجتماع وزراء الخارجية العرب في جدة السعودية إلى "دور عربي في إعادة الإعمار كشرط لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم". 

وكررت معاونة وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية للشؤون الدولية، رانيا أحمد ما سبق بقولها، منتصف مايو، إن "عودة المهجّرين إلى مدنهم ومنازلهم يأتي عبر التشجيع على إقامة المشاريع الاقتصادية في مختلف القطاعات".

"معادلة حل وإعمار"

ووفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أُجبر أكثر من 14 مليون سوري على الفرار من ديارهم منذ 2011. ولا يزال هناك نحو 6.8 مليون نازح سوري في الداخل حيث يعيش 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر.

وبعد 13 عاما من الحرب ما تزال الأمم المتحدة تؤكد على أن "سوريا غير آمنة لعودة اللاجئين"، وأيضا "لجنة التحقيق الدولية المستقلة"، التي أشارت في تقرير لها مؤخرا إلى أن "غياب عنصر الآمان" ينسحب على كل جغرافيا البلاد.

ولطالما أعلن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه أنهم لن يمولوا إعادة الإعمار في سوريا ما لم يروا انتقالا سياسيا "جاريا بحزم"، وهو الموقف الذي عكسته الولايات المتحدة الأميركية مرارا على لسان مسؤوليها، في وقت أكدت على استمرارها في فرض العقوبات حتى التوصل إلى "حل سياسي"، بموجب القرار الأممي 2254.

ولم ينفذ النظام السوري قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الذي تم تبنيه في ديسمبر 2015 كخريطة طريق للسلام في سوريا.  

ويدعو القرار إلى عملية سياسية بقيادة سورية، تبدأ بتشكيل هيئة حكم انتقالية، تليها صياغة دستور جديد وتنتهي بانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

وتقول الأمم المتحدة إن تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية في سوريا تصل إلى 400 مليار دولار. وهذا الرقم يشمل حجم الدمار فقط، ولا يشمل الخسائر البشرية، والمقصود بها الأشخاص الذين قتلوا خلال المعارك، والأشخاص الذين نزحوا وهجّروا من منازلهم.

وأشار إلى هذه الإحصائية الأسد، في مارس 2023، بقوله إن التقديرات للحرب تفوق 400 مليار دولار، مضيفا أنه "رقم تقريبي وقد يكون أكبر، حيث أن بعض المناطق لا تزال خارج سيطرة الدولة السورية"، حسب تعبيره.

ماذا يريد الأسد؟

ومنذ تحول ميزان القوى لصالح الأسد خلال السنوات القليلة الماضية، أعاد النظام السوري بناء أجزاء صغيرة من البلاد بمساعدة حلفائه. وشمل هذا المسار قسما من سوق يعود تاريخه إلى قرون في مدينة حلب الشمالية وبعض المساجد التاريخية في حلب ومدينة حمص. 

ومع ذلك، لا تزال مدن وبلدات وقرى بأكملها في حالة خراب، بينما تسبب الصراع في أضرار دائمة لأنظمة الكهرباء والنقل والصحة في البلاد.

وكان من المتوقع ضمن أوساط النظام السوري أن ينعكس فتح الأبواب العربية أمام دمشق على الواقع المعيشي في البلاد، لكن هذا التوقع لم تشهده أرض الواقع، في وقت لم يطرأ أي تغيّر جذري على "الأولويات العربية القصوى"، على رأسها "تهريب المخدرات" و"عودة اللاجئين".

ويرى الحقوقي السوري محمد العبد الله، وهو مدير "مركز العدالة والمساءلة" في واشنطن، أن "عودة اللاجئين مهمة بالنسبة للنظام لسبب أساسي، يكمن بأنه يربط هذا المسار بإعادة الإعمار".

ويقول العبد الله لموقع "الحرة": "النظام يرحّب ويضغط من أجل عودة اللاجئين وفي ذات الوقت يصدّر لاجئين ليزيد الضغط على الغرب، ولكي تصل الدول هناك إلى مرحلة تشي بوجود ضغط اجتماعي واقتصادي في البنتى التحتية لأوروبا، مع صعود اليمين وأصوات معاداة الهجرة".

ولذلك وعندما تصل الدول الغربية إلى هذه القناعة "ستبدأ بإعادة اللاجئين ولو بصورة قسرية، وتتجه بعد ذلك إلى إعطاء الأموال للأسد من أجل إعادة الإعمار، ولكي يعيش من يعود بحياة كريمة".

ورغم أن الأسد يرغب بـ"السيناريو" المذكور، فإن "المجتمع الدولي والدول الغربية ليسوا أغبياء"، بحسب تعبير الحقوقي السوري، و"يعرفون أنه لا يمكن أن يعود أي لاجئ دون حل لسياسي حقيقي يضمن سلامة الأرواح".

"الهدف من إعادة الإعمار هو الأموال وليس عودة اللاجئين أو الخوف عليهم".

ويتابع العبد الله أن "النظام السوري يبتز المجتمع الدولي وجواره بموضوع اللاجئين ويحاول ربط إعادة الإعمار بعودتهم"، وهو ما أكد عليه الأسد في لقاءه الأخير مع المسؤول الأممي في دمشق غريفيث.

"يبتز بملفين"

وبعد مرور ثلاثة أشهر على الانفتاح العربي الكبير على دمشق لا يعرف بالتحديد ما إذا كانت العواصم قد التمست أي بادرة إيجابية على صعيد "الأولويات" التي أكد عليها في بيان اجتماع "عمان التشاوري" وقبله في جدة.

وسبق وأن قال محللون لوكالة "أسوشيتد برس" إن الأسد يأمل من خلال القيام بمجرد تحركات محدودة ضد تجارة المخدرات أن يفوز بتمويل عربي لإعادة إعمار البلاد، والعودة إلى الصف العربي، بل وممارسة بعض الضغط من أجل إلغاء العقوبات الغربية.  ويعكس حديث المحللين ما قاله المقداد في الرابع عشر من يونيو الماضي، بينما كان قد صرّح قبل ذلك بأن علاقة سوريا مع الدول العربية لا تسير بمقاربة "خطوة مقابل خطوة" بل على أرضية اتخاذ خطوات جماعية للحل السوري.

وتوضح الكاتبة والناشطة السياسية السورية، عاليا منصور أن "النظام كان واضحا منذ البداية بأنه سيستغل ملفين يهمان العرب لابتزازهم، الأول هو الكبتاغون والثاني اللاجئين".

وتقول منصور لموقع "الحرة": "الكبتاغون يشكّل أولوية للأردن ودول الخليج واللاجئين للأردن ولبنان. هذان الملفان يستغلهما الأسد من أجل المال ومحاولة رفع العقوبات عنه، ولكن بالنهاية لا هو سيوقف تجارة الكبتاغون ولا سيسمح بعودة اللاجئين".

"تجارة الكبتاغون تدر المليارات ليس على النظام فحسب بل على إيران وميليشياتها، كما أنها سلاح أثبت فعاليته بحرب إيران على المجتمعات العربية".

أما موضوح اللاجئين فتضيف منصور أن "إعادة الاعمار تطلب حلا سياسيا وفق القرار 2254 لا يبدو قريبا، ويتطلب رفع العقوبات، وهذا لن يحصل وإن حاول البعض".

ويرى إياد حميد، وهو باحث كبير في برنامج التطوير القانوني السوري ومقره لندن أن "ملف اللاجئين بالنسبة لبشار الأسد مجرد وسيلة لتحصيل مكاسب من المجتمع الدولي". 

وفي سياق التقارب الأخير مع دول الخليج، تحولت رواية النظام إلى أن عودة اللاجئين تستوجب إعادة الاعمار. 

ويأمل النظام، بحسب ما يقول حميد لموقع "الحرة": "أن يتجاوز الشروط التي وضعها المجتمع الدولي لضخ أموال إعادة الإعمار، بما فيها الانخراط في العملية السياسية وفقا لـ 2254 والاستحقاقات الاخرى في الملفين الحقوقي والإنساني".

"النظام لم يلتزم بأي وعود"

وفي عام 2022 حذرت الأمم المتحدة من أن جزءا ضئيلا فقط من اللاجئين الذين هم بحاجة إلى إعادة التوطين في بلد ثالث يتاح لهم ذلك، مشيرة إلى أن الاحتياجات على هذا الصعيد "سترتفع بشكل حاد في 2023".

وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنها تتوقع أن يحتاج أكثر من مليوني لاجئ إلى إعادة التوطين في 2023.

وبحسب المفوضية "يمثل اللاجئون السوريون أكبر نسبة من الأشخاص الذين لديهم احتياجات لإعادة التوطين على مستوى العالم، وذلك للعام السابع على التوالي، نظرا لأن الأزمة السورية لا تزال تعتبر أضخم حالة من حالات اللجوء في العالم".

وبينما يقول الحقوقي السوري العبد الله إن "عودة السوريين من دول الجوار وتحت إطار الضغط والظروف الإنسانية السيئة قد تحصل" يستبعد أن تنعكس هذه الحالة على أولئك المقيمين في دول أوروبا.

ومع ذلك يشير الحقوقي إلى أن "النظام ينظر للاجئين على أنهم مدخل للموارد المالية، وبالتالي لن يسهّل العودة حتى يحصل على الأموال".

"النظام لم يلتزم بأي نظام ولا يريد سماع قرار 2254"، ويرى الحقوقي أن "عودته إلى الجامعة العربية باتت شكلية وإعلامية وبروتوكولية، ولن يحصل النظام من خلالها على الأموال أو إعادة الإعمار".

ولم تغيّر عودة النظام إلى الجامعة وعودة علاقات بعض الدول معه بالواقع السوري شيئا، وفق ما تقول الناشطة السياسية منصور. 

على العكس توضح أن "الوضع الاقتصادي يزداد سوءا، وحالات الهجرة أو الهروب من مناطقه تزداد يوميا حتى بتنا نسمع عن مراكب تقل مهاجرين غير شرعيين من مناطق سيطرة الأسد".

وترى منصور أن "النظام يريد مجتمعا متجانسا كما وصفه الأسد. يريد سوريا لمن (يدافع عنها) أي للميليشيات التي شاركته بقتل السوريين، أما اللاجئين في دول الجوار فهو لا يريدهم ولن يسمح بعودتهم".

لكن "وإن اضطر في لحظة ما إلى السماح لبضع مئات بالعودة، إلا أن ذلك لا يعني أبدا أنه سيسمح بعودة ملايين السوريين"، حسب ذات المتحدثة.

من جانب آخر يعتقد الباحث القانوني السوري إياد حميد أن "نظام الأسد قد لا يرغب فعلا بعودة اللاجئين إلى سوريا"، إذ "يستغل حاجة اللاجئين للأوراق الرسمية وجوازات السفر وغيرها لفرض رسوم باهظة تشكل أحد مصادر دخله الرئيسية".

ويضاف إلى ذلك أن "التحويلات المالية التي يرسلها السوريون في المهجر تدر الملايين من القطع الاجنبي لصالح النظام"، عدا عن "أنها تساعد إلى حد ما في تخفيف وطء الأزمة الاقتصادية على المجتمع السوري الذي خذلته سياسات حكومة النظام، وبالتالي ترفع بعض العبء عنه"، وفق الباحث القانوني.

وتؤكد الناشطة منصور أن "ملف اللاجئين والنازحين بالنسبة للنظام ملف يبتز من خلاله الأمم المتحدة بموضوع المساعدات، والدول العربية من أجل استغلال نفوذها في الغرب بما يتعلق بالعقوبات".

وفي يونيو الماضي كانت وكالة "بلومبيرغ" نقلت عن مصادر مطلعة قولها إن السعودية والإمارات تضغطان على حلفائهما في أوروبا لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الحكومة السورية وتخفيف العقوبات.

وأضافت المصادر أن "المسؤولين السعوديين والإماراتيين مارسوا ضغوطا على نظرائهم في الاتحاد الأوروبي وعلى مستويات مختلفة لعدة أشهر"، وأنهم "أشاروا إلى أن التحركات الدبلوماسية لإنهاء الصراع المستمر في سوريا منذ 12 عاما لم تعد مجدية ما لم يتم تخفيف العقوبات للمساعدة في إنعاش الاقتصاد السوري المنهار".  وأكد المسؤولون أيضا أن "التعافي الاقتصادي قد يجذب ملايين اللاجئين السوريين إلى وطنهم، مما يخفف الضغط على الدول المجاورة التي تستضيفهم مثل لبنان والأردن".

في المقابل استبعدت دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية بما في ذلك فرنسا وألمانيا إعادة العلاقات مع سوريا، قائلة إنها لن تكافئ نظاما متهما بقتل شعبه.  وقال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في تصريحات له خلال مؤتمر للمانحين في سوريا عقد في بروكسل مؤخرا إن "الظروف غير مواتية ليغيّر الاتحاد الأوروبي سياسته بشأن سوريا" في ظل غياب "إصلاحات سياسية حقيقية" في البلد.  وأوضح أن الاتحاد الأوروبي سيُبقي على عقوباته على نظام الأسد ولن يدعم عودة السوريين إلى بلدهم ما لم تكن عودة "طوعية" وآمنة وخاضعة لمراقبة مجموعات دولية.

تبدأ المحاكمة يوم الثلاثاء في فرنسا
تبدأ المحاكمة يوم الثلاثاء في فرنسا

للمرة الأولى في فرنسا، تنطلق، الثلاثاء، محاكمة غيابية أمام محكمة الجنايات في باريس، لثلاثة مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى في النظام السوري، بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب على خلفية مقتل فرنسيَين سوريَين اعتُقلا في 2013.

وحسب الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، تهدف الإجراءات إلى "محاكمة أعلى المسؤولين في النظام منذ اندلاع الثورة السورية في مارس 2011" ضد الرئيس بشار الأسد.

وتشمل المحاكمة الغيابية في باريس، 3 متهمين هم المدير السابق لمكتب الأمن الوطني، علي مملوك، والمدير السابق للمخابرات الجوية، جميل حسن، والمدير السابق لفرع التحقيق في المخابرات الجوية، عبد السلام محمود.

وسبق لمسؤولين أقل شأناً أن خضعوا لمحاكمات في أماكن أخرى في أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، بشأن انتهاكات النظام. كما حضر هؤلاء جلسات الاستماع.

وستضم هيئة محكمة الجنايات 3 قضاة من دون محلفين، وسيتم تصوير جلسات الاستماع المقررة على مدى 4 أيام لحفظها ضمن أرشيف القضاء.

وسيتم لأول مرة في محكمة الجنايات في باريس، توفير الترجمة العربية للجمهور.

تنديد منظمات حقوقية بالطعن الفرنسي على مذكرة اعتقال الأسد.. "بيان أخلاقي" يصطدم بالحصانة
اعتبر ناشطون وحقوقيون سوريون أن البيان الذي دانت فيه منظمات حقوقية سورية ودولية قرار القضاء الفرنسي الطعن في صلاحية مذكرة الاعتقال الصادرة بحق رئيس النظام الأسد، بشار الأسد، خطوة جيدة، ولكنها غير كافية لتحقيق العدالة لشعبهم وإنهاء الأزمة الدامية التي تمر بها البلاد منذ أكثر من 13 عاما.

وترتبط القضية بالضحيتين باتريك الدباغ ووالده مازن. وكان باتريك (وُلد في 1993) طالباً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في دمشق، بينما كان والده (وُلد عام 1956) مستشاراً تربوياً رئيسياً في المدرسة الفرنسية بالعاصمة السورية.

واعتُقل الاثنان في نوفمبر 2013 على يد عناصر قالوا إنهم من جهاز المخابرات الجوية السورية.

تعذيب

وحسب صهر مازن الذي اعتُقل في الوقت ذاته ثم أُطلق سراحه بعد يومين، فقد نُقل الرجلان اللذان يحملان الجنسيتين الفرنسية والسورية، إلى مطار المزّة قرب دمشق، الذي يوصف بأنه أحد أسوأ مراكز التعذيب التابعة للنظام.

إثر ذلك، غابت أي مؤشرات الى أنهما على قيد الحياة، إلى تم الإعلان عن وفاتهما في أغسطس 2018. 

ووفق شهادات الوفاة المرسلة إلى العائلة، فقد توفي باتريك في 21 يناير 2014، ومازن في 25 نوفمبر 2017.

وفي اللائحة الاتهامية، اعتبر قضاة التحقيق أنه "من الثابت بما فيه الكفاية" أن الرجلين "عانيا، مثل آلاف المعتقلين لدى المخابرات الجوية، من تعذيب قاس لدرجة أنهما ماتا بسببه".

وفي السياق ذاته، قدم عشرات الشهود، من بينهم العديد من الفارين من الجيش السوري ومحتجزين سابقين في المزّة، تفاصيل للمحققين الفرنسيين واللجنة الدولية للعدالة والمساءلة، وهي منظمة غير حكومية، بشأن التعذيب في هذا السجن. وتحدثوا عن الضرب بقضبان من الحديد على أخمص القدمين وصدمات كهربائية وعنف جنسي.

من ناحية أخرى، طُردت زوجة مازن الدباغ وابنته من منزلهما في دمشق الذي استولى عليه عبد السلام محمود.

ونص الاتهام على أن هذه الوقائع "من المرجح أن تشكل جرائم حرب وابتزاز وتمويه ابتزاز"، كما أن "الحجز على ممتلكات سوريين اختفوا أو وُضعوا في معتقلات أو مهجّرين قسراً أو لاجئين، كان ممارسة منتشرة للنظام السوري".

وقالت المحامية كليمانس بيكتارت التي تمثل عدداً من الأطراف المدنية إن "كثيرين قد يعتبرون هذه المحاكمة رمزية، لكنّها جزء من عملية طويلة ويجب قراءتها في ضوء المحاكمات".

وأضافت: "كل هذا يصب في جهد لمكافحة الإفلات من العقاب على جرائم النظام السوري، وهو الأمر الأكثر أهمية لأن هذا الكفاح من أجل العدالة هو أيضاً كفاح من أجل الحقيقة".

وتابعت بيكتارت: "نميل لأن ننسى أن جرائم النظام لا تزال تُرتكب حتى اليوم"، مشيرة إلى أن هذه المحاكمة بمثابة تذكير بأنّه "يجب ألا نقوم بأي حال من الأحوال بتطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد".

وتشهد سوريا منذ عام 2011 نزاعاً دامياً تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص، وألحق دماراً هائلاً بالبنى التحتية وأدى إلى نزوح وتشريد ملايين السكان داخل البلاد وخارجها.

ولا يزال مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمخطوفين والمعتقلين لدى أطراف النزاع كافة، خصوصاً في سجون ومعتقلات النظام السوري، مجهولاً.