لاجئون سوريون يصلون معبر المصنع اللبناني
لاجئون سوريون يصلون معبر المصنع اللبناني

لا يرى لاجئون في ثلاث بلدان مجاورة لسوريا أن "عدم عودتهم" إلى وطنهم يمنعها "سوء الأحوال المعيشية" كما قال رئيس النظام، بشار الأسد، بل يحكم هذه القضية "منظومة أمنية لم تتغير طوال سنوات"، ومخاوف "من أن تعتقل من دون أن تدري من فعل بك ذلك. هل كانت ميليشيا محلية أم إيرانية أم على الهامش؟"، كما يقول رامز الحمصي المقيم في الأردن.

ويقول، محمد السليمان، وهو لاجئ سوري مقيم في إسطنبول، إنه "لا يفكر البتة بالإقدام على مثل هذه الخطوة"، ولاسيما أنه تفاجئ قبل عامين بأنه "مطلوب بنشرة أمنية لفرع الأمن العسكري"، إذ تردد عناصر إلى منزله الكائن في مدينة حمص لأكثر من مرة وسألوا والده "أين ابنك؟ وفي أي بلد يقيم؟. بدنا ياه".

ويشابه حال هذين الشابين السوريين إلى حد كبير قصة الشاب السوري، عمار المقيم في مخيمات عرسال اللبنانية، إذ يعتبر أن "عودته إلى مدينته القصير تعني الموت بكل بساطة!"، ويوضح لموقع "الحرة" أن منزله الكائن هناك استولى عليه منذ سنوات طويلة عناصر مقربون من "حزب الله" اللبناني، وأن تحذيرات وصلتهم مفادها: "إياكم والعودة".

وعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية تصدرت قضية "عودة اللاجئين" إلى سوريا الحديث المتعلق بمشهد اللجوء السوري. وجاء ذلك بعدما أعادت الدول العربية فتح أبوابها أمام النظام السوري، مستأنفة علاقات تم تجميدها لسنوات طويلة.

ولم يقتصر تصّدر هذه القضية على مشهد العلاقات العربية-السورية فحسب والسوريين الموجودين في لبنان والأردن، بل انسحبت بجزء مغاير قليلا إلى تركيا، التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين.

وفي حين كان أساس عودة العلاقات العربية مع النظام السوري "عودة اللاجئين" بالإضافة إلى ملف تهريب الكبتاغون ودفع مسار الحل السياسي إلى الأمام لم يقدم النظام السوري أي بادرة إيجابية بخصوص هذه الملفات الثلاث.

وعلى العكس ناور رأسه بشار الأسد في مقابلة أجرتها معه قناة "سكاي نيوز عربية" قبل يومين على أكثر من مسار، وبينما تنصل من "قضية تهريب الكبتاغون"، رغم التقارير الغربية التي تؤكد ضلوع قوات "الفرقة الرابعة" فيها اعتبر أن "عدم عودة اللاجئين" يعيقها سوء الأحوال المعيشية.

في غضون ذلك قال الأسد إن "المعارضة التي يعترف بها هي المعارضة المصنّعة محليا لا المصنعة خارجيا"، ضاربا بعرض الحائط تأكيدات الدول العربية والغربية على ضرورة التقدم بالحل السياسي، والذي تشارك فيه بعدة مسارات أطراف من المعارضة تقيم في معظمها خارج البلاد.

"حادثتان تلخصان المشهد"

ورغم مرور 12 عاما على الحرب في سوريا ماتزال المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري تحكمها سياسة أمنية "متوحشة" بحسب تقارير منظمات حقوقية سورية ودولية، فيما لم يقدم الأخير أي خطوة على صعيد المعتقلين في سجونه، والكشف عن مصير المختفين قسريا المقدرة أعدادهم بمئات الآلاف.

على العكس وثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، الأسبوع الماضي حادثة قتل تحت التعذيب راح ضحيتها الشاب السوري محمد عبد الرحمن مجو، بعدما عاد إلى مدينته حلب "طوعا"، قادما من المنطقة التي نزح إليها سابقا في الأتارب، الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة.

والشاب "مجو" من أبناء حي خان العسل جنوب غرب مدينة حلب، وفي شهر مايو الماضي توجه من مكان نزوحه في الأتارب إلى مدينة حلب، "لإجراء تسوية لوضعه الأمني والعودة إلى مكان إقامته الأصلي".

لكن في الخامس عشر من شهر يونيو أقدم عناصر من "فرع الأمن العسكري" على اعتقاله من منزله، وذكر أحد أبناء عمومته لموقع "الحرة" أنهم اقتادوه بعد ذلك إلى مراكز الاحتجاز في العاصمة دمشق، وأصبح في عداد المختفين قسريا منذ ذلك الوقت.

وأوضح قريبه و"الشبكة الحقوقية" أن عائلة محمد تلقت نبأ وفاته في الثالث من أغسطس الحالي، بشكل غير رسمي، وعبر اتصال من قبل عناصر قوات النظام السوري.

وتمكنت العائلة من استلام جثمان الشاب الضحية، وبحسب "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" نقلا عن شهود "تعرض محمد للتعذيب بطريقة وحشية والحرمان من الغذاء وإهمال الرعاية الصحية خلال فترة احتجازه، وقد ظهر على جسده أثار التعذيب ولم تتمكن عائلته من فتح تحقيق في حادثة وفاته أو تقديم شكوى للنائب العام بسبب خوفها من الملاحقات الأمنية".

حادثة أخرى وثقها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، الجمعة، إذ قال إن "إعلاميا حربيا من قوات النظام فارق الحياة تحت وطأة التعذيب، بعد اعتقال دام أكثر من عام في سجون الأخير".

وأوضح المرصد الحقوقي أن "الإعلامي" يتحدر من مدينة إزرع بريف درعا الأوسط، وكان قد اعتقل منذ أكثر من سنة بسبب منشور على "فيس بوك" انتقد فيه سياسة النظام في التعامل مع تجار المخدرات.  وتابع المرصد الحقوقي أن "دورية أمنية اعتقلته على الرغم من أنه كان يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية، ويحمل بطاقة صحفية مرخصة من السلطات في سورية، بمزاولة العمل المهني، مع اثنين من أبناء المدينة أيضاً، ما يزال مصيرهما مجهولا".

اللاجئون السوريون يعيشون في الأردن منذ سنوات

"الأفرع تنتظرنا"

بالنسبة للشاب السوري، رامز الحمصي، وهو صحفي مقيم في الأردن منذ سنوات "تعتبر المعضلة الأمنية في سوريا السبب الرئيسي وراء عدم عودته إلى البلاد".

ويقول لموقع "الحرة": "أغلب الناس في مرحلة التجنيد أو الاحتياط أو الذين شاركوا ضد النظام السوري يخافون من العودة"، مشيرا إلى أن "مراسيم العفو لم تكن جادة. نرى تقارير عن اعتقالات، وهناك ثغرات موجودة فيها تزيد من حالة الخوف على نحو أكبر".

"إحدى الثغرات في مراسيم العفو هي حق الدم الذي لا يعفى عنه"، ويتابع الحمصي: "عند عودتي قد أتعرض للاعتقال بناء على شكوى مقدمة ضدي من شخص غير معروف، وبعد ذلك أصبح في عداد المختفين".

وخلال مقابلته مع القناة التلفزيونية قال الأسد لمحاوره: "خلال السنوات الماضية عاد إلى سوريا أقل من نصف مليون بقليل ولم يسجن أي شخص من بينهم".

وأضاف أن "العودة توقفت بسبب واقع الأحوال المعيشية، فكيف يمكن للاجئ أن يعود من دون ماء ولا كهرباء ولا مدارس لأبنائه ولا صحة للعلاج؟. هذه أساسيات الحياة، وهذا هو السبب"، حسب تعبيره.

ووفق رئيس النظام السوري "أصدروا قانون عفو عن كل من تورط بالأحداث خلال السنوات الماضية"، لكنه تابع مستدركا: "ما عدا الجرائم المثبتة التي فيها حقوق خاصة، وكما تسمى بحقوق الدم".

لكن اللاجئ السوري المقيم في إسطنبول محمد لا يرى حديث الأسد واقعيا، ويقول: "الأفرع الأمنية تنتظر كل من يعود إلى سوريا. هذا هو الحال الذي يعرفه كل السوريون ويعرفه النظام السوري بنفسه".

ويضيف عمار المقيم في عرسال اللبنانية أن العديد من أقربائه تعرضوا للاعتقال خلال العامين الماضيين، وأن آخرين مازالوا يقيمون في منازل بالإيجار، لكون بيوتهم الأصلية مستولة عليها من قبل مقربين من "حزب الله" اللبناني في القصير.

دول الجوار السوري تستضيف ملايين اللاجئين. أرشيفية

"وضع أمني متوحش"

ووفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أُجبر أكثر من 14 مليون سوري على الفرار من ديارهم منذ 2011. ولا يزال هناك نحو 6.8 مليون نازح سوري في الداخل حيث يعيش 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر.  وبعد 13 عاما من الحرب ما تزال الأمم المتحدة تؤكد على أن "سوريا غير آمنة لعودة اللاجئين"، وأيضا "لجنة التحقيق الدولية المستقلة"، التي أشارت في تقرير لها مؤخرا إلى أن "غياب عنصر الآمان" ينسحب على كل جغرافيا البلاد.  ولطالما أعلن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه أنهم لن يمولوا إعادة الإعمار في سوريا ما لم يروا انتقالا سياسيا "جاريا بحزم"، وهو الموقف الذي عكسته الولايات المتحدة الأميركية مرارا على لسان مسؤوليها، في وقت أكدت على استمرارها في فرض العقوبات حتى التوصل إلى "حل سياسي"، بموجب القرار الأممي 2254.  ولم ينفذ النظام السوري قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الذي تم تبنيه في ديسمبر 2015 كخريطة طريق للسلام في سوريا.    ويدعو القرار إلى عملية سياسية بقيادة سورية، تبدأ بتشكيل هيئة حكم انتقالية، تليها صياغة دستور جديد وتنتهي بانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة.

ويوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني أن "العائق الأكبر لعودة اللاجئين السوريين هو الوضع الأمني المتوحش، الذي تمارسه أجهزة النظام السوري".

ويقول عبد الغني لموقع "الحرة": "النظام يتحدث عن الخدمات لكي يحصل على الأموال، وينهب قسم أكبر منها. هذه سياسة النظام السوري في تلقي المساعدات منذ سنوات طويلة".

"استراتيجية النظام كما قال للدول العربية: أعطونا أموال لكي نعيد اللاجئين، وكأن الذي تدمّر في سوريا لم يكن بفعل جيش النظام والبراميل التي ألقاها على المدن بعد محاصرتها"، حسب تعبير الحقوقي السوري.

ويضيف مؤكدا: "العائق أمام العودة هو أنه لا يوجد أي ضمانة لأي سوري بأنه لن يعتقل أو يقتل تحت التعذيب أو يزج فيه في الجيش".

"سوريا باتت دولة بدون قانون وتحولت إلى مافيا"، ويتابع عبد الغني: "في حال اعتدى أي عنصر أمن على مواطن لا يمكنه أن يأخذ حقه في القضاء. الأجهزة الأمنية تتصرف على أهوائها".

وبحسب قول الأسد فإن "البنى التحتية مدمرة في سوريا بسبب الإرهاب، وهذا ما يقوله معظم اللاجئين الذين نتواصل معهم، ويرغبون بالعودة. يقولون كيف نحيا وكيف نعيش".

لكن ما سبق يخالف ما وثقته منظمات حقوق إنسان دولية، إذ وثقت إقدام قوات النظام السوري خلال سنوات الحرب على إلقاء البراميل المتفجرة على الأحياء السكنية المأهولة بالسكان، وبالتزامن مع تنفيذها ضربات جوية ومدفعية وبأسلحة محرمة دوليا.

ومع ذلك تشهد المحافظات السورية إلى جانب الدمار أزمة معيشية غير مسبوقة، وبينما يحمّل النظام السوري الدول الغربية مسؤولية ذلك ويربطها بالعقوبات، لطالما أكدت الأخيرة على رأسها الولايات المتحدة الأميركية أن الإجراءات العقابية لا تستهدف إلا أركان النظام ومجرمي الحرب، بعيدا عن القطاعات التي يحتاجها المدنيون.

لاجئون سوريون يبحثون عن مستقبل أفضل في أوروبا

ماذا عن مراسيم العفو؟

وفي تحليل سابق لها أشارت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" إلى أن كافة مراسيم العفو التي أصدرها النظام السوري أفرجت عن 7351 معتقلا تعسفيا، وما زال لدى النظام السوري قرابة 135253 معتقلا/مختف قسريا.

وذكر التقرير أن النظام السوري أصدر منذ مارس 2011 ما لا يقل عن واحد وعشرين مرسوما للعفو منح في معظمها العفو عن كامل أو نصف أو ربع العقوبة لمختلف الجرائم والجنح الجنائية بشكل رئيس.

وخصص النظام بهذه المراسيم بعض المواد والأحكام المحدودة التي تخص المعتقلين على خلفية التعبير عن الرأي السياسي والمشاركة في الحراك الشعبي، بالإضافة إلى شمول معظم المراسيم الأشخاص العسكريين الفارين من الخدمة العسكرية (المنشقين) مع اشتراط تسليم أنفسهم خلال مدة حددها كل مرسوم من تاريخ صدوره وحتى عدة أشهر.

كما أتت بعض المراسيم كتمديد لأحكام مراسيم سابقة، خاصةً تلك المتعلقة بالعسكريين أو من حملة السلاح من المدنيين لتسليم أنفسهم. 

وأوضحت "الشبكة الحقوقية" أن "جميع المراسيم صدرت عن رئيس الجمهورية الذي يرأس السلطة التنفيذية، منتهكا بذلك قانون العقوبات السوري، أما مجلس الشعب وهو الجهة التشريعية المخولة بدراسة وإقرار مراسيم العفو العامة لم يصدر عنه أي قانون عفو مطلقا".

ولم تفض المسارات السياسية التي مضى بها نظام الأسد والمعارضة السورية، على مدى 11 عاما إلى أي نتائج على صعيد الإفراج عن المعتقلين أو الكشف عن مصيرهم، وعما إذا كانوا على قيد الحياة أم توفوا تحت التعذيب.   وكان من بين هذه المسارات "سوتشي" و"جنيف" و"أستانة".   وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمع الدولي و"الدول الصديقة وغير الصديقة للسوريين"، التي لم تتمكن أيضا من خلال مواقفها الكثيرة في التوصل إلى أي نقطة يمكن البناء عليها بخصوص المعتقلين، سواء في الوقت الحالي أو مستقبلا. 

لاجئون سوريون يسيرون في مخيم الزعتري للاجئين في مدينة المفرق الأردنية في 17 يونيو 2021

"لا ينسى من خرج ضده"

ويرى الصحفي الحمصي المقيم في الأردن أنه "لا يوجد جدية قوية من النظام لتخفيف القبضة الأمنية"، متحدثا عن وجود "مؤسسة مخابراتية متكاملة في سوريا، وميليشيات متعددة تتبع للأمن العسكري والجوية، وأخرى لإيران وحزب الله وللجيش السوري".

ويقول: "قد تعتقل ولا تعرف من اعتقلك!. هل هي ميليشيا محلية أم إيرانية أم أجهزة نظام أو أي أحد كيدي؟. احتمالات الاعتقالات كبيرة جدا، وهذا أهم سبب لا يدفع السوري في الخارج للعودة".

ومن جانب اقتصادي يشير الصحفي إلى أن "الكثير من العائلات التي لم يكن لها نشاط سياسي في السابق تتخوف من العودة أيضا، بسبب دمار البنية التحتية وغياب وظائف الدولة".

"لا اقتصاد ولا استثمار وبعض العائلات التي عادت من الأردن بعد 2018 تندمت فعليا أنها عادت. الليرة كل يوم تتدهور وفي كل ساعة سعر. من في الداخل يتمنى الخروج والذي يقيم في الخارج لا يتمنى العودة"، حسب تعبير ذات المتحدث.

من جهته يوضح الشاب السوري محمد المقيم في إسطنبول أن أقاربه في الداخل حيث يسيطر النظام السوري "يعيشون في متاهة كارثية سواء من ناحية المعيشية أو الوضع الأمني القاتم".

ويشرح أن أحد أعمامه في مدينة حمص استدعي قبل أشهر لـ"فرع المخابرات الجوية"، بسبب "فيش أمني مرتبط باسمه منذ عام 2011"، معتبرا أن "النظام لا ينسى من خرج ضده وهذا ما يخيف كل السوريين ويمنعهم من مجرد التفكير بالعودة لا الإقدام على الخطوة".

من جهته يوضح الصحفي رامز الحمصي أن "غالبية السوريين في الأردن لا يفكرون بالعودة في الوقت الحالي وحتى لو تعرضوا للتضييق".

ويتابع: "الناس بحسب ما نعاين سيظلون في الخارج حتى آخر رمق. وللابتعاد عن فكرة العودة يفكرون بالانتقال إلى بلد آخر، سواء في ليبيا أو في مناطق تشهد بعض الاضطرابات، كي لا تلاحقهم الحكومات بشأن أوضاعهم القانونية".

دبابات إسرائيلية في سوريا
دبابات إسرائيلية في سوريا

"الخطوط الحمر" التي رسمتها إسرائيل أمام تركيا حول تدمر السورية لا تأت من فراغ كما يقول خبراء لموقع "الحرة"، بل ترتبط في غالبيتها بما تشكله هذه المنطقة الواقعة في وسط سوريا من أهمية استراتيجية كبرى لأي طرف ينوي التمركز فيها، على صعيد إنشاء القواعد اللازمة للسيطرة على الأرض، ولحجز مكانٍ في الجو.

وتردد الحديث عن هذه "الخطوط الحمر" على لسان مصادر في تل أبيب نقلت عنها وكالة "رويترز"، الخميس، وجاء ذلك في أعقاب الكشف عن أول اجتماع جمع وفدين من إسرائيل وتركيا في أذربيجان، لمناقشة آلية منع الاشتباك بينهما في سوريا.

وقالت الوكالة إن الوفد الإسرائيلي أبلغ نظيره التركي خلال اجتماع باكو بأن "أي تغيير في انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخاصة إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر هو خط أحمر"، وأبلغه أيضا بأن أي خطوة من هذا القبيل "ستكون خرقا لقواعد اللعبة".

ولم تصدر أي تفاصيل من الجانب التركي عن فحوى الاجتماع الأول مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان، لكن وزارة الدفاع في أنقرة أكدت الخميس حصول الاجتماع، وقالت إنه يأتي في إطار إنشاء آلية هدفها "منع الاشتباك".

تدمر التي حددتها إسرائيل دون غيرها من المناطق السورية كمنطقة يمنع الاقتراب منها تقع في ريف محافظة حمص وسط البلاد، وهي منطقة صحراوية يوجد فيها مدينة مأهولة بالسكان وقواعد عسكرية وجوية.

وقبل سقوط نظام الأسد تعرضت هذه المنطقة لعدة غارات جوية استهدفت مواقع انتشار ميليشيات تتبع لإيران، ورغم تغيّر خرائط السيطرة هناك بعد الثامن من ديسمبر 2024 إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من استهدافها مجددا.

على مدى الأيام الماضية، وقبل بدء تركيا وإسرائيل الاجتماعات المتعلقة بآلية منع الاشتباك، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على تدمر لـ5 مرات، واستهدف بها مطارها العسكري وقاعدة التياس الجوية القريبة منها، والمعروفة باسم "T4".

وجاءت تلك الضربات في أعقاب انتشار تقارير غير مؤكدة رسمية عن نية تركيا التمركز في القواعد الجوية هناك، وذلك في مسعى للتمركز على الأرض مع استقدام منظومات للدفاع الجوي من نوع "حصار".

لماذا تدمر بالتحديد؟

وتُعتبر قاعدة "T4" الجوية في منطقة تدمر من أهم القواعد الجوية في سوريا. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا خريف عام 2015، اختارت موسكو هذه القاعدة، بالإضافة إلى "حميميم" بريف اللاذقية، لتكون جزءا من منطقة النفوذ العسكري الروسي.

وطورت روسيا بنيتها التحتية، وزادت عدد حظائر الطائرات، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، التي توضح لموقع "الحرة" أن القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة.

ووفقا لتقارير وسائل إعلام إسرائيلية فإن الضربات الأخيرة على هذه القاعدة وعلى مناطق عسكرية أخرى في تدمر أسفرت عن تدمير طائرات من نوع "سوخوي" وحظائر كانت موجودة فيها.

كما أسفرت الضربات عن تدمير المدارج الخاصة بقاعدة "التياس"، مما جعلها خارج الخدمة.

وتشرح كولوريوتيس أنه توجد عدة ميزات تجعل "T4" أهم قاعدة جوية عسكرية في سوريا.

فمن جانب يعتبر موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا مثالي، إذ تبعد حوالي 220 كيلومترا عن مرتفعات الجولان، و250 كيلومترا عن الحدود مع تركيا، و300 كيلومتر عن معبر البوكمال مع العراق.

ومن جانب آخر تضيف الباحثة أن "القاعدة معزولة عن الوجود البشري"، مما يجعل مراقبتها الأرضية معقدة. كما تقع بالقرب من البادية السورية، حيث تتواجد خلايا تنظيم "داعش"، وعلى بُعد حوالي 200 كيلومتر من نهر الفرات، حيث تتمركز "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

كولوريوتيس تؤكد أن الاعتراض الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في سوريا يقتصر على رفض إسرائيل وجود قاعدة جوية هناك أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو، دون أن يشمل الأمر الاعتراض على القواعد البرية.

"3 أسباب"

وتمتلك أنقرة عدة قواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي، بعضها يعود إلى عام 2016، ولم تعتبرها إسرائيل في السابق أنها تشكل تهديدا لأمنها القومي.

أما سبب الاعتراض الإسرائيلي على وجود قاعدة جوية تركية في سوريا (في T4)، فيمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء ذلك، وفقا للباحثة في شؤون الشرق الأوسط.

السبب الأول عسكري، إذ ستحد القاعدة الجوية التركية في سوريا من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وستضطر إسرائيل إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع وزارة الدفاع التركية لتنسيق تحركاتها الجوية في سوريا مسبقا لتجنب الحوادث. وهذا أمر لا تريده إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، بحسب كولوريوتيس.

والسبب الثاني استراتيجي، إذ تعتقد إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا سيزيد من أهمية المواقف التركية إقليميا ودوليا، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون قائدة المنطقة، وهو هدف عملت عليه خلال العام الماضي من خلال استهداف النفوذ الإيراني لملء هذا الفراغ بنفسها.

وتتمتع تركيا بنفوذ كبير في شمال العراق وعلاقات ممتازة مع قطر، ووجود عسكري في شمال قبرص، وعلى أساس ذلك توضح الباحثة أن "التوسع في سوريا قد يفتح الطريق أمام أنقرة لزيادة نفوذها في لبنان والأردن أيضا".

وعلاوة على ما سبق يذهب السبب الثالث باتجاه مسار سياسي، تضيف كولوريوتيس.

وتقول إنه رغم وصف إسرائيل للإدارة السورية الجديدة "بالإرهابية"، إلا أنها تعلم أنه ستكون هناك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة لاحقة.

ولذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المجال الجوي السوري، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مستخدمة إياها كأوراق مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

وبخلاف ما سبق تعتقد الباحثة أن "الوجود العسكري التركي في سوريا سيحد من هذه السيطرة الإسرائيلية، ويدعم موقف الإدارة السورية في أي مفاوضات".

"لا تريد هيمنة جوية لتركيا"

ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانت آلية "منع الاشتباك" بين تركيا وإسرائيل في سوريا ستخفف من التصعيد الحاصل بينهما، ولا يعرف أيضا ما إذا كان الطرفان ستجمعهما أي قواسم مشتركة في البلاد، في المرحلة المقبلة.

وتشير التصريحات الرسمية التركية الصادرة عن وزارة الدفاع إلى أن أنقرة لن تتراجع عن تقديم الدعم للإدارة السورية الجديدة، ولن تتراجع أيضا عن مساعي إنشاء القواعد في سوريا.

لكن في المقابل يبدو من التصريحات الرسمية في تركيا أن تلك القواعد ستكون "تدريبية" على نحو أكبر، دون أن يعرف المكان الذي ستتموضع فيه، سواء في وسط البلاد أو في شمالها كما المعتاد.

ويقول الباحث السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن إن القاعدة الجوية الموجودة في تدمر (T4) تزعج إسرائيل، وبالتالي هي لا تريد لأي طرف التمركز فيها، كي لا تتأثر حرية حركتها الجوية في سوريا.

ويضيف شتيرن لموقع "الحرة": "وفي حال دخلت تركيا للعمق السوري ربما ستكون هناك سيطرة معينة ونوع من الحماية على هذه المناطق وهذا ما لا تريده إسرائيل ويقلقها".

"إسرائيل تريد المنطقة مفتوحة وأعتقد أن الخطوط الحمر تتجاوز تدمر لتصل إلى حد الموضوع الجوي في سوريا وسلاح الجو التركي"، يتابع الباحث الإسرائيلي.

ويردف: "إسرائيل لا تريد هيمنة تركية جوية على هذه المنطقة، سواء من خلال الطائرات بالجو أو على مستوى نشر منظومات دفاع جوي"، في إشارة منه إلى تدمر الواقعة وسط سوريا.

ومن جهته يوضح الباحث السوري، ضياء قدور أن "تثبيت تركيا لوجودها العسكري في مدينة تدمر يمكن أن يشكل تحولا كبيرا في المشهد العسكري في سوريا والمنطقة بشكل عام".

ومن خلال إقامة منظومات دفاع جوي متطورة وتشغيل القواعد الجوية في الشعيرات و"T4" ومطار تدمر "ستحقق تركيا قدرة على فرض سيطرة جوية قوية في وسط سوريا"، يضيف الباحث لموقع "الحرة".

ويشير أيضا إلى أن هذه الخطوة قد تتيح لتركيا تشكيل "فقاعات دفاعية" استراتيجية، مما يزيد من تعقيد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية ليس فقط في سوريا، بل في الشرق الأوسط ككل.

"انتكاسات ممر داوود"

وقبل سقوط نظام الأسد دائما ما كان ينظر المراقبون والخبراء لتدمر على أنها تقع وسط "الكوريدور الإيراني"، الذي يخترق سوريا قادما من العراق.

وكان هذا "الكوريدور" أو الممر تستخدمه إيران لإيصال السلاح إلى "حزب الله" في لبنان، ولدعم ميليشياتها الأجنبية والمحلية، التي كانت تنتشر في مناطق متفرقة بسوريا.

وشكّل سقوط نظام الأسد نهاية الحلم الإيراني المتعلق بهذا الممر. ورغم حصول ذلك لم تتوقف إسرائيل من استهداف المناطق المحيطة به أو الواقعة في منتصفه، بينها تدمر والقواعد الموجودة فيها.

ومنذ أشهر تتوارد أنباء وتقارير غير مؤكدة عن مساعي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب سوريا وصولا إلى حدود العراق، وتتعلق على نحو خاص بما سمي بـ"ممر داوود"، الذي تقول الباحثة كولوريوتيس إنه بات من الماضي، لعدة أسباب.

وتوضح الباحثة أن المناقشات حول الممرات الإسرائيلية في سوريا تبدو، في هذه المرحلة، غير منطقية.

وتشرح أنه كان هناك حديث عن إنشاء ممر يربط إسرائيل بالسويداء ومع مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" عبر منطقة التنف، حيث يوجد نفوذ للولايات المتحدة، تحت اسم "ممر داوود".

وتضيف أن هذا المشروع عانى من ثلاث انتكاسات رئيسية: الأولى كانت الاتفاق بين "قسد" ودمشق؛ والثانية كانت تأكيد إدارة ترامب على أنها ستنسحب من سوريا؛ والثالثة كانت عدم وجود توافق داخل السويداء بشأن العلاقات مع إسرائيل.

ونتيجة لذلك، وحتى داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصبح الحديث عن "ممر داوود" شبه معدوم مؤخرا، وفقا للباحثة.

ومن المهم التأكيد على أن إسرائيل لا تنوي الانخراط في عمليات برية في سوريا، بحسب كولوريوتيس، التي ترى أن "وجودها العسكري البري لن يتجاوز إلى ما وراء المناطق القريبة من منطقة فض الاشتباك".

ويعتقد الباحث قدور أن تدمر تحولت خلال الأيام الماضية من منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى نقطة صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الفراغ العسكري الهائل الذي نشأ في البلاد، بعد انهيار نظام الأسد، وتدمير جميع دفاعاته وقدراته العسكرية.

ويقول إن الصراع الحالي الحاصل في سوريا "قد يؤدي توترات متزايدة أو ربما إلى اتفاقات لخفض التصعيد، يتم من خلالها إنشاء آلية تنسيق عسكرية تهدف لتقليل التصعيد في المنطقة وضمان مصالح الأطراف المتنازعة".