لا ترتبط أسباب إيقاف العمل بمحاكم الميدان العسكرية من جانب النظام السوري بدوافع وظروفٍ آنية، بل للقصة أبعاد أكبر، حسب ما يرى حقوقيون سوريون، وتصب في معظمها ضمن إطار محاولات الأخير لطمس قضية المختفين قسرا والتنصل منها استباقا لأي ضغوط، وهم الأشخاص الذين دخلوا معتقلاته وغاب عنهم الخبر.
وعندما يتردد اسم المحاكم المذكورة منذ عقود في سوريا لا يخيم سوى مشهد واحد من "موت استثنائي" تفرضه أحكام تطلق خلال دقيقة أو دقيقتين من قبل "قضاة بالاسم"، ومن دون أن يسمح للمتهم الذي انتزعت الأقوال منه تحت التعذيب من توكيل محامي دفاع، كما ينص القانون.
وجاء إيقاف العمل بهذه المحاكم بموجب مرسوم رئاسي أصدره رأس النظام السوري، بشار الأسد، الأحد، وألغى من خلاله المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968 وتعديلاته، والمتضمن ستحداثها.
ونص مرسوم الأسد على أن تحال جميع القضايا في محاكم الميدان العسكرية بحالتها الحاضرة إلى القضاء العسكري لإجراء الملاحقة فيها، وفق أحكام "قانون العقوبات" و"أصول المحاكمات العسكرية" الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 61 لعام 1950 وتعديلاته.
ودائما ما تكون خطوات الأسد المتعلقة بالمعتقلات والمحاكمات المتعلقة بمئات آلاف المعتقلين غامضة إلى حد كبير، فيما يأتي إلغاء العمل بمحاكم الميدان التي يقول حقوقيون إنه أزهقت أرواح عشرات الآلاف من السوريين ليغلق الأبواب أمام جرائم ووثائق وتفاصيل محاكمات بقيت ضمن أدراج أمنية لعقود.
"بين الأب والابن"
والمرسوم المنهى العمل به كان قد نص على إحداث محكمة أو أكثر تسمى "محكمة الميدان العسكرية"، تتولى النظر في الجرائم الداخلة في اختصاص المحاكم العسكرية والمرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية التي يقرر وزير الدفاع إحالتها إليها.
ومنح المرسوم "109" عام 1968، محاكم الميدان العسكرية صلاحيات واسعة، منها جواز ألا تتقيد بالإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة، فضلا عن أن أحكامها لا تقبل أي طريق من طرق الطعن.
ويوضح الباحث والمعتقل السوري السابق في سجن صيدنايا، محمد منير الفقير، أن الهدف الأول من المحاكم قبل أكثر من نصف قرن كان من "أجل تغطية الجريمة الخاصة بنكسة حزيران أيام حكم البعث"، وواصل الأسد الأب بعد انقلابه العمل فيها لمواجهة معارضيه في أحداث الثمانينيات، وخلفه بذات المسار ابنه بشار الأسد في أعقاب الثورة السورية.
وخلال أحداث الثمانينيات طرأ تعديلات على سير عملها لتشمل المدنيين، ويقول الفقير لموقع "الحرة" إن "حافظ الأسد استغلها وأعدم من خلالها الآلاف، بعد إحالتهم إلى سجن تدمر".
وبعد الأحداث المذكورة لم يتوقف العمل فيها، فيما أصبحت تتعامل مع قضايا محدودة بخصوص المدنيين والعسكريين، مثل "العمالة لإسرائيل وبعض الأنشطة المعارضة التي كان النظام السوري يشهر أنها تشكل تهديدا ضده، من قبيل نشاط مجموعة شباب داريا".
وأعيد تفعيل العمل فيها في أعقاب انطلاقة الثورة السورية، من جانب الأسد الابن، وبينما كان المكان الخاص به في السابق سجن تدمر تحولت إلى سجن المزة ومن ثم صيدنايا، بعدما أقدم النظام على "إفراغ الإسلاميين منه ليحل مكانهم المعارضين"، وفق المتحدث.
ويقول الفقير إن "كل المعتقلين في صيدنايا حكمتهم المحكمة الميدانية، وكل من أعدموا كان بناء عليها".
ويتابع أن "محكمة الميدان لا تخضع لأي أصل من أصول المحاكمات ولا أي مستوى من مستويات التقاضي. جلسة وحدة فقط تأخذ الضبوطات المنتزعة تحت التعذيب، ودون السماح لتوكيل محامي".
ويوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، أن "محاكم الميدان العسكرية هي أسوأ المحاكم في سوريا، وتتفوق على محكمة الإرهاب القائمة".
ويقول لموقع "الحرة" إن "المحاكمات التي تجري فيها تستمر دقيقتين أو ثلاثة وأغلب مخرجاتها الإعدام. كانت سرية ومن دون استئناف واستجواب المعتقل يعتمد على الضبط الأمني المقدم من الأفرع".
وغالبا ما تنعقد المحاكم الميدانية في الأفرع الأمنية، وتصدر الأحكام على المعتقلين داخلها، وتتنفذ فورا.
وبذلك يضيف عبد الغني أنها "أداة للتخلص من المتظاهرين والمعارضين المطالبين بالتغيير السياسي"، مشيرا إلى أنهم وثقوا 13 ألف حكم بالإعدام فيها، في الفترة الممتدة من شهر مارس 2011 وحتى الآن.
"هي وصمة عار في تاريخ سوريا"، كما يصفها الحقوقي السوري، ميشيل شماس.
ويضيف لموقع "الحرة": "هي ليست محكمة كما يطلق عليها بالصورة العامة. ليسوا قضاة بل ضباط أو أشخاص أمنيين تابعين للنظام السوري".
ويقول إن "الهدف من إنشائها كان من أجل تخويف الناس وقمع المعارضة ضد النظام"، وإن "الأفرع الأمنية هي التي تولت خلال السنوات السابقة القرار المتعلق بالشخص المحال إليها".
لماذا أوقف الأسد العمل بها؟
وسبق وأن قالت منظمة "العفو الدولية" إن المحاكم الميدانية تعمل "خارج نطاق قواعد وأصول النظام القانوني السوري".
وفي تقرير أصدرته عام 2017، نقلت عن قاضِ سابق فيها قوله "يسأل القاضي عن اسم المحتجز، وعما إذا كان قد ارتكب الجريمة أم لا. وستتم إدانة المحتجز بصرف النظر عن إجابته".
وأضافت "يخضع المحتجزون قبل إعدامهم لإجراءات قضائية صورية لا تستغرق أكثر من دقيقة واحدة أو اثنتين.. وتتصف هذه الإجراءات بأنها من الإيجاز والتعسف بحيث يستحيل معهما أن يتم اعتبارها إجراءات قضائية معتادة"، واصفة الإجراءات بـ"مهزلة... تنتهي بإعدام المحتجزين شنقا".
وتأتي خطوة الأسد بإيقاف العمل بالمحاكم في وقت تواصل فيه الدول العربية السير بطرق إعادة تأهيله، بناء على مقاربة "خطوة مقابل خطوة". وتلزم هذه المقاربة النظام السوري على تقديم خطوات سياسية وتتعلق باللاجئين وعمليات تهريب المخدرات في مقابل إعادة قبوله بالتدريج.
كما تأتي بالتزامن مع المظاهرات الشعبية التي تنادي بإسقاط الأسد، وتتركز على نحو أكبر ولافت في محافظة السويداء السورية، ذات الغالبية الدرزية.
وبينما يرجح ناشطون حقوقيون أن تكون خطوة الأسد متعلقة بما سبق، يرى آخرون أن "للقصة أبعاد أكبر"، وتتعلق بالخصوص بقضية المختفين قسرا.
ويرى الناشط الحقوقي السوري والمعتقل السابق، منصور العمري أن "إلغاء المحاكم الميدانية يعني التخلص من سجلاتها بما في ذلك الأحكام".
ولذلك "فإن حذف هذه السجلات يعني تدمير المعلومات اللازمة لمعرفة مصير من حكم عليهم وأعدموا، بمن فيهم المختفون قسرا".
ويقول العمري: "من أدلة الجرائم قتل المخفيين قسرا بأحكام الإعدام الصادرة عن هذه المحاكم في ظل محاكمات غير عادلة تظهر سجلاتها غياب المحامين، وتجاهل ادعاءات الاعترافات المنتزعة تحت وطأة التعذيب وغيره من انتهاكات المحاكمات العادلة واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب".
ولا يغير المرسوم الجديد من جانب الأسد نظام المحاكمة غير العادلة في سوريا، ولاسيما أن قانون العقوبات العسكري السوري يحتوي على أحكام تسمح بالمحاكمات السرية وتحظر إجراءات النشر.
ويوضح أن "القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق لا تخضع لأي طريقة من طرق المراجعة، بينما يسمح بإعدام عسكريين ومدنيين بتهم عديدة، منها كل من حرض العسكريين على الانضمام إلى العدو أو المتمردين".
وتسمح الأحكام الغيابية للأفرد المحكوم عليهم باستئناف القرار خلال 5 أيام فقط، "وتسمح أيضا بمصادرة كافة الأموال المنقولة وغير المنقولة القائمة والمستقبلية المشتركة وغير المشتركة"، وفق العمري.
بدوره يقول الحقوقي السوري عبد الغني إن "ربط إيقاف العمل بالمحاكم بدوافع وظروف آنية يعتبر غير صحيح".
ويعتقد أن "الهدف من وراء المرسوم يصب ضمن استراتيجية النظام السوري التي بدأت في عام 2017، بعد تعرضه لضغوط بشأن مسألة الاختفاء القسري والمعتقلين".
"النظام منذ سنوات يفكّر كيف يتخلص من قضية المختفين قسرا، وإلغاء المحكمة حلقة ضمن السلسلة".
ويوضح عبد الغني أن "السلسلة كاملة بدأت بإصدار مراسيم عفو ومن بإصدار وثائق نفوس تزعم وفاة المعتقلين بظروف طبيعية".
ويتابع: "المحكمة الميدانية هي المتسبب الأساسي وفق بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان بموضوع الاختفاء القسري"، وأن النظام يريد القول إن قسم من المختفين "حكموا بالإعدام وقسم آخر توفوا بصورة طبيعية، بينما قسم ثالث خرج بمراسيم العفو والرابع ما زال في السجون".
"لم يأت عن إيمان بالعدالة"
ومنذ عام 2011، وبعدما بدأ النظام السوري بمواجهة مناهضيه الذين خرجوا في الشوارع ضده أمنيا وعسكريا، أقدمت الأفرع الأمنية التابعة له على اعتقال مئات الآلاف من الأشخاص، من نساء وأطفال ورجال.
وبينما استلمت عائلات جثثا من هؤلاء قضوا تحت التعذيب، بقي مصير البقية غير معلوم، وبذلك أدرجوا ضمن قوائم ضحايا الإخفاء القسري. ولا يعلق النظام السوري على ما يجري داخل زنازين أفرعه الأمنية، من اعتقال تعسفي وإخفاء قسري وقتل تحت التعذيب، وهي ممارسات لطالما تحدث عنها وأثبتها معتقلون سابقون، ومنظمات حقوق إنسان دولية وسورية.
وبحسب الأمم المتحدة، فإنه "يكثر استخدام الاختفاء القسري أسلوبا استراتيجيا لبث الرعب داخل المجتمع. فالشعور بغياب الأمن الذي يتولد عن هذه الممارسة لا يقتصر على أقارب المختفي، بل كذلك يصيب مجموعاتهم السكانية المحلية ومجتمعهم ككل".
ووفق بيانات "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، يتصدّر النظام السوري قائمة المختفين قسرا في سوريا، بـ95696 حالة. ويشير مديرها عبد الغني بقوله: "لدينا تخوف على هؤلاء، وأن يكون النظام السوري قد قتلهم".
ويعتبر الحقوقي السوري، ميشيل شماس أن "إلغاء العمل بالمحاكم الميدانية لم يأت عن إيمان بالعدالة واستقلال القضاء، بل لأنه محشور ومخنوق من الداخل والخارج".
ويقول الباحث السوري محمد منير الفقير إن "النظام السوري يحاول تدوير الزوايا"، وإن "إيقاف العمل بالمحكمة بالنسبة له دون كلفة، مع وجود محكمة الإرهاب التي تفي بالغرض".
ويعتقد من جانب آخر أن ما يتبعه النظام السوري قد يكون بمثابة "رد استباقي على أي تحرك دولي في ملف المحاسبة وكشف الحقيقة"، مشيرا إلى التحرك الأخير الذي بدأته "محكمة العدل الدولية".
ومن المقرر أن تعقد المحكمة الدولية في أكتوبر المقبل أول جلسة استماع، بخصوص الدعوى المرفوعة ضد النظام السوري بطلب كندي - هولندي، والخاصة بجرائم التعذيب التي ارتكبها بحق السوريين.
ويضيف الناشط الحقوقي العمري أن "النظام أقدم على تدمير أدلة بالغة الأهمية على الجرائم في تحد للطلب المتعلق بعدم تدمير أي دليل، بما في ذلك المعلومات حول مواقع المقابر الجماعية، وشهادات الوفاة التي توضح السبب الحقيقي للموت".
وجاء في تعليق لـ"الهيئة السورية للمعتقلين" أن "المحاكم الميدانية كانت استثنائية لا، ويوجد بها أي ضمانات دستورية ولا يحق للمتهم الماثل أمامها تقديم أي دفوع أو توكيل محام أو مراجعة أي قرار أو حكم يصدر عنها إضافة إلى سريتها".
واعتبرت الهيئة أنها كانت "إحدى الأدوات التي مارس بها النظام السوري القتل منذ بداية حكمه واستخدمها لإبادة أي صوت معارض له، كما كانت إحدى آليات الترهيب التي نشطت منذ بداية الثورة والتي ارتبط اسمها بسجن صيدنايا العسكري سيء السيط".
من جانبه أشار المحامي السوري، عارف الشعال إلى أنه "كانت واحدة من أسوأ المحاكم على الإطلاق، حيث كانت محكمة سرية لا يدخلها محامي ولا يوجد فيها ضمانة حق الدفاع، وقراراتها لا تقبل الطعن وتخضع بالمطلق للسلطة التنفيذية التي تملك الحق بإلغاء أحكامها".
ويضيف أن "عدا عن ذلك كان وجود هذه المحكمة مرتعا خصبا للفاسدين من المحتالين والنصابين والسماسرة الذين يزعمون أن لهم يد طولى فيها ويتقاضون من المساكين مبالغ خيالية بسبب ذلك وهم كاذبون".
