عشرات الوفيات بمخلفات الحرب في سوريا. أرشيفية - تعبيرية
عشرات الوفيات بمخلفات الحرب في سوريا. أرشيفية - تعبيرية

تسببت مخلفات الحرب في سوريا في إصابة ومقتل نحو 500 شخصا بينهم أطفال ونساء منذ بداية عام 2023، بحسب ما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وتظهر الأرقام مقتل 222 شخصا بينهم 67 طفلا و19 سيدة خلال الفترة ذاتها، إضافة إلى إصابة 271 شخصا بينهم 95 طفلا و14 سيدة، ما يعني أن انفجار ألغام وذخائر من مخلفات المعارك تسببت في إصابة ومقتل 162 طفلا منذ بداية العام الحالي.

ما هي مخلفات الحرب؟

الألغام الأرضية تقتل المئات في سوريا. أرشيفية

مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبدالرحمن، يشرح أن مخلفات الحرب في غالبيتها تضم ألغام أرضية، إضافة إلى ذخائر صاروخية سقطت ولم تنفجر، ناهيك عن الذخائر التي يُعثَر عليها في مركبات عسكرية أو مستودعات مهجورة، والتي تكون غير مستقرة على الإطلاق.

وذكر مدير المرصد السوري في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة" أن غالبية المناطق في سوريا شهدت معارك من أطراف متقاتلة مختلفة، وأن الكثير منها عمد إلى "زرع الألغام الأرضية" في بعض المناطق التي أصبحت تشكل خطرا على المواطنين.

وتعرف اللجنة الدولية للصليب الأحمر مخلّفات الحرب بأنها "الذخائر المتفجرة بجميع أشكالها وأنواعها المتروكة أو غير المنفجرة التي تظل في منطقة معينة بعد انتهاء نزاع مسلح ما.

وتضم هذه الذخائر "قذائف المدفعية والقنابل اليدوية وقذائف الهاون والقذائف الأخرى، والصواريخ" بسائر أشكالها.

وتفرق اللجنة بين "الذخائر غير المنفجرة" والتي تعتبر "أشد مخلفات الحرب القابلة للانفجار خطورة" وهي تلك التي أطلقت أو ألقيت لكنها لم تنفجر على النحو المنشود، خاصة وأنها قد تنفجر في حالات كثيرة عند "لمسها أو تحريكها"، وبين "الذخائر المتفجرة المتروكة" التي تركت أثناء النزاعات في مواقع غير آمنة من دون حراسة.

على من تقع مسؤولية التخلص من مخلفات الحرب؟

الجميع يتحمل مسؤولية إزالة مخلفات الحرب في سوريا. أرشيفية - تعبيرية

البروتوكول الدولي "بشأن المتفجرات من مخلفات الحرب" الذي أبرم، في عام 2003، يوجب على أطراف أي نزاع مسلح اتخاذ تدابير ملموسة للحد من مخاطر مخلفات الحرب القابلة للانفجار.

ويعد هذا الاتفاق الدولي "أداة أساسية للجهود المبذولة للحد من مما ينجم عن الحروب الحديثة من وفيات وإصابات في صفوف المدنيين"، بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ويقول عبدالرحمن إن "مسؤولية إزالة مخلفات المعارك في سوريا (تعتبر) مسؤولية جميع الأطراف"، ولكن مرحلة البدء في إزالة هذه المخلفات لن تبدأ إلا بعد انتهاء الحرب تماما من خلال "حل سلمي".

وأشار إلى أكثر من 12 عاما من الحرب والمعارك المتواصلة التي لم تنته في جميع المناطق، سقطت فيها ملايين الذخائر على جميع المناطق في سوريا، ناهيك عن زراعة مئات الآلاف من الألغام في العديد من المناطق.

ويحمّل الاتفاق الدولي كل طرف في الحرب مسؤولية "مخلفات الحرب في الإقليم التابع لسيطرته"، وتدعوهم لتقديم "مساعدات تقنية ومالية ومادية وفنية" أو السماح لطرف ثالث مثل المنظمات التابعة للأمم المتحدة أو غيرها بتحديد مناطق مخلفات الحرب وإزالتها والتخلص منها.

كيفية التعامل مع مشكلة مخلفات الحرب؟

سوريون فقدوا أطرافهم بسبب مخلفات الحرب. أرشيفية

ووضع الاتفاق الدولي حزمة من الإجراءات لمحاولة ضمان حماية السكان المدنيين من تأثير مخلفات الحرب، والتي تتضمن:

•    استقصاء وتقدير خطر مخلفات الحرب

•    تقدير الاحتياجات وترتيبها حسب الأولوية لتحديد المناطق التي تتواجد فيها المخلفات والتخلص منها

•    وضع علامات لتحديد المتفجرات من مخلفات الحرب

•    اتخاذ خطوات لتعبئة الموارد لتنفيذ خطة التخلص من مخلفات الحرب، والتعاون مع المنظمات الدولية عند الحاجة.

وذكر مدير المرصد السوري أن بعض المناطق، مثل درعا وريف حلب الشمالي ومناطق الحدود السورية العراقية وتلك التي شهدت المعارك المسلحة التي تمركزت فيها ميلشيات مسلحة أو قواعد عسكرية، من الأرجح أنها تضم العديد من المخلفات الخطيرة.

وكرر المرصد مطالبته للمنظمات الدولية بضرورة العمل على إزالة تلك المخلفات من الأراضي السورية بسبب مخاطرها العالية على حياة المواطنين وسكان تلك المناطق.

وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن التعامل مع مخلفات الحرب طويلة وواسعة الانتشار، وقد يستغرق العثور عليها وإزالتها "عدة سنوات أو عدة عقود"، إذ ما زالت دول أوروبية تجري عمليات استكشاف وإزالة لأسلحة استخدمة خلال الحرب العالمية الثانية.

ضحايا مخلفات الحرب في سوريا بالأرقام 

الحرب تسببت بأضرار واسعة في البنى التحتية للبلاد

ومنذ عام 2015، وثقت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام مقتل أو إصابة 15 ألف شخص جراء الذخائر المتفجرة، بما يعادل مقتل أو إصابة خمسة أشخاص يوميا.

ومنذ مارس من عام 2020 وحتى مطلع 2023، تسببت هذه المخلفات بمقتل وإصابة حوالي 1500 شخصا في سوريا، بينهم 763 قتيلا بينهم أكثر من 300 طفل و50 امرأة.

وتعرِّض مخلفات الحرب الأطفال بشكل خاص لمخاطر شديدة للغاية إذ أنها "تلفت نظرهم وتسترعي انتباههم" وقد يكلّف فضول الأطفال أحيانا حياتهم.

وتعد الأجسام المتفجرة من الملفات الشائكة المرتبطة بالحرب السورية المستمرة، منذ مارس عام 2011. ورغم الهدوء على جبهات القتال، لا يزال ضحايا تلك الأجسام القاتلة في ارتفاع، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.

وعلى صعيد المواقع الجغرافية، تصدرت مناطق نفوذ النظام السوري حالات الإصابة والوفاة بسبب مخلفات الحرب، تلتها مناطق نفوذ الإدارة الذاتية ومناطق نفوذ الفصائل الموالية لأنقرة ومناطق نفوذ ما تسمى بـ" هيئة تحرير الشام".

وأوضح المرصد السوري أن أكثر من ثلث هذه الإصابات والوفيات تعرض لها المدنيون بينهم أطفال ونساء أثناء بحثهم عن فطر الكمأة.

وتقطف الكمأة عموما، بين فبراير وأبريل من كل عام، وتُباع بسعر مرتفع، ما يفسر إقبال المواطنين في المناطق الريفية على جمعها لبيعها في ظل ظروف اقتصادية صعبة بعد 12 عاما من الحرب. ويباع الكيلوغرام الواحد في أسواق دمشق بسعر يراوح بين خمسة وعشرة دولارات، وفق جودته.

عمليات جمع الكمأة تتم في البادية السورية - صورة تعبيرية. أرشيف
جمع "الكمأة" في سوريا.. "رهان على الروح" داخل الثقب الأسود لداعش
داخل منطقة البادية السورية مترامية الأطراف أو كما تعرف بـ"الثقب الأسود لتنظيم داعش" فَقد مئات المدنيين أرواحهم هناك بين شهري فبراير وأبريل الماضيين في أثناء بحثهم عن "فطر الكمأة"، وعلى الرغم من تسجيل العديد من هذه الحوادث من جانب جهات حقوقية، إلا أن كثير من الناس الفقراء ما يزالون يسلكون هذه المغامرة حتى الآن، مع علمهم بأنها قد تنتهي بالموت.

ومنذ اندلاعه في عام 2011، تسبب النزاع في سوريا بمقتل نحو نصف مليون شخص، وألحق دمارا هائلا بالبنى التحتية والاقتصاد، ودفع أكثر من نصف السكان إلى النزوح داخل سوريا أو التشرد خارجها.

السويداء تشهد منذ منتصف أغسطس احتجاجات سلمية أسبوعية تطالب برحيل الأسد
السويداء تشهد منذ منتصف أغسطس احتجاجات سلمية أسبوعية تطالب برحيل الأسد. | Source: @suwayda24

يحمل حمزة شهادة البكالوريوس في التجارة والاقتصاد، وقبل أن ينخرط بقوة في الحراك السلمي ضد النظام السوري، أغسطس عام 2023، كان رئيسا لـ"المنظمة العربية لحقوق الإنسان" في سوريا.

وعلى هذا الأساس واستنادا للخلفية الحقوقية التي اكتسبها على مدى سنوات رأى أن عليه "واجبا" يقوم على فكرة مختصرة بحسب حديثه لموقع "الحرة"، وهي: "رفع الحيف عن المضطهدين، والوقوف بجانب الفئات المسحوقة في ظل نظام لا يرى إلا مصالحه!".

حمزة هو واحد من بين آلاف المتظاهرين الذين يواصلون التظاهر السلمي بشكل يومي وأسبوعي وسط المدينة الواقعة جنوبي سوريا، وذات الغالبية الدرزية.

ورغم أن مطالبهم لم تلق أي صدى حتى الآن يؤكدون على المضي بما بدأوه العام الماضي، ويعتبرون من جانب آخر أنهم "حققوا الكثير"، حسب حديث عدد منهم لموقع "الحرة".

وبحلول أغسطس المقبل يكون الحراك وحالة التظاهر "الاستثنائية" من ناحية الشعارات والزخم والمشاركة في السويداء قد أتم عامه الأول.

وما يزال المتظاهرون ينادون بشعارات إسقاط النظام السوري ورحيل رئيسه، بشار الأسد، عن السلطة وتطبيق قرار مجلس الأمن الخاص بالحل السياسي في البلاد، والمعروف برقم 2254.

ومع ذلك، لم يستجب النظام السوري على مدى الأشهر الماضية لتلك الأصوات، وعلى العكس اتبع سياسة عدم إبداء أي موقف وترك الأمور تجري كما هي وكأن شيئا لم يحصل في السويداء الخاضعة لسيطرته الأمنية والعسكرية اسميا جنوبي البلاد.

تظاهرات السويداء تصاعدت مؤخرا

كيف يبدو الحراك الآن؟

وحتى الآن لم تنقطع الوقفات والمظاهرات في "ساحة الكرامة" وسط السويداء، كما يقول الناشط حمزة، وبالإضافة إلى ذلك أصبح الجمعة يوما مميزا و"طقسا احتفاليا يشارك فيه المحتجون من كافة القرى والبلدات".

لكن وعند قياس نسبة المشاركة في الأسابيع الأولى وما هي عليه الآن يتضح وجود فارق على صعيد أعداد المتظاهرين، الذين ينادون بإسقاط النظام ويرفعون اللافتات المناهضة للأسد.

ويوضح مدير تحرير شبكة "السويداء 24"، ريان معروف أن الحراك أفرز كتلة كبيرة أو شريحة عريضة من الناس تمسكت بالتظاهر اليومي والأسبوعي، مع "الاستمرار بالكفاح اللاعنفي عبر تكتيكات مختلفة".

جانب من الاحتجاجات التي تشهدها السويداء

من بين تلك التكتيكات: حملات مقاطعة انتخابات "مجلس الشعب" أو تنفيذ الإضرابات الجزئية والضغط على المؤسسات الخدمية للقيام بواجباتها، مع ثبات واضح على المطالب الرئيسية والخطوط العريضة للحراك.

ويقول الصحفي لموقع "الحرة" إن تلك الخطوط ما يزال القائمون والمشاركون متمسكون بها، وهي: إسقاط النظام، التغيير السياسي عبر تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، إطلاق سراح المعتقلين وخروج القوى الأجنبية من البلاد.

وفي اليوم الأول للحراك السلمي تجاوزت أعداد المشاركين حاجز 7 آلاف متظاهر.

واليوم ووفقا لذات الصحفي يشارك في كل جمعة حوالي 500 إلى 1000 متظاهر.

ويضيف أن أسباب التراجع ليست تغييرا في مواقف الناس الرافضة للنظام السوري، وإنما ترتبط بعوامل عديدة ومختلفة معيشية واقتصادية.

وتتعلق أيضا بـ"شعور جزء من الناس بانسداد آفاق الحل وعدم جدوى التظاهر، خلافا لرأي الشريحة التي أفرزها الحراك والمستمرة في التظاهر.. دون يأس"، وفق معروف.

ويتفق بذلك الناشط الحقوقي حمزة، إذ يشير إلى وجود انخفاض في أعداد المشاركين ويربط السبب بظروف اقتصادية، وانشغال الناس هناك بمواسم الحصاد.

ويتابع بالقول: "النظام لم يترك شيء لنا. كيف يمكن للموظف أن يؤمن خبزه براتب شهري لا يزيد عن 15 دولار؟!.. لن نتراجع عن الساحات وسنواصل التظاهر حتى تحقيق المطالب".

جانب من الحراك السلمي الذي تشهده محافظة السويداء

"زخم أقل.. نفس أطول"

وتعتبر السويداء واحدة من بين المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة النظام السوري منذ سنوات، وسبق وأن شهدت مظاهرات سلمية ضد الأسد لكنها لم تصل إلى النقطة التي عليها الآن.

وحتى الآن لا تعرف النقطة التي سيصل إليها الحراك الشعبي فيها، ولاسيما في ظل غياب أي تعليق أو تعاطي جدي من جانب النظام، إن كان بالسلب أو الإيجاب.

ورغم غياب الأفق من جانب السلطة في دمشق مع غياب أي بارقة أمل لتحقيق المطالب يرى الكاتب والناشط السياسي، حافظ قرقوط أن ما يجري الآن في السويداء "تجذّر على نحو كبير".

ويقصد بذلك حالة القطيعة بين أهالي المحافظة ونظام الأسد و"نقطة اللاعودة" التي وصلوا إليها، بعدما أسقطوا رموز الأخير بشكل كامل وأزالوا المتعلقة بحزبه (البعث).

ويقول قرقوط لموقع "الحرة": "يمكن القول إن الحراك يسير قدما نحو خلق آليات استمراره لفترة أطول وأطول".

وأشار إلى حديث شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، بقوله قبل أشهر: "نفسنا طويل. يعتقد النظام أننا سنمل لكن الطريق طويل وسنصمد".

ويحظى الحراك السلمي منذ أشهر وحتى الآن بدعم من الشيخ المذكور والشيخ "أبو وائل الحناوي".

يطالب السوريون في السويداء بحقوقهم ويحتجون على قمع النظام وفساده

ويشارك فيه إلى جانب الشبان شريحة واسعة من النساء، وفئات مختلفة من السكان، من فلاحين وموظفين ومدرسين وغيرهم.

ويعتبر قرقوط أن الشيء الأهم مع اقتراب إتمام الحراك السلمي عامه الأول هو "الصوت المدني الواضح الذي قضى على الماضي الأسود الذي حكم سوريا"، وبأنه لا يمكن العودة إليه نهائيا.

وهناك "مكاسب أخرى"، بينها "معرفة شرائح المجتمع كافة طعم الحرية الجديد"، مع كف يد أجهزة أمن النظام وفرق"حزب البعث" عن مسارات الحياة اليومية.

ومن جهته يرى الصحفي ريان معروف أن "الحراك أدى الحراك لتشكيل صوت قوي جدا للمعارضة في السويداء".

وساهم أيضا حسب قوله "في تكثيف النشاط والعمل المدني، وتوسيع آفاق العمل الإعلامي، وشعور الناس أكثر بالحرية والقدرة على التغيير عندما تتاح ظروفه".