احتجاجات السويداء مستمرة منذ 40 يوما
احتجاجات السويداء مستمرة منذ 40 يوما | Source: @suwayda24

تأخذ الاحتجاجات الشعبية في السويداء السورية شكلا تنظيميا بعد مرور أكثر من 40 يوما على انطلاقها ضد النظام السوري، ورغم أن المتظاهرين لم يفارقوا ساحة السير التي أطلق عليها اسم "ساحة الكرامة"، بات توقيت يوم "الجمعة" أساسيا بالنسبة إليهم، من أجل حشد أكبر عدد من المحتجين.

ويتجلى "الشكل التنظيمي" حسب ما يقول مشاركون ونشطاء سياسيون لموقع "الحرة" بالعبارات التي يرفعها المحتجون والشعارات التي يرددونها والمشاهد التي يترجمونها وسط الساحات، إذ باتت تتغير بين أسبوع وآخر، مع تقاطعها في مطلب وحيد هو إسقاط النظام السوري ورحيل رئيسه بشار الأسد.

وخرج الآلاف يوم الجمعة وسط "ساحة الكرامة" وأعادوا ترديد الشعارات المناهضة للنظام السوري، فيما وثقت تسجيلات مصورة نساء تعتلي رؤوسهن أغصان من الزيتون، وأطفال يرتدون الزي التقليدي ويحملون شعارات تطالب بالحرية والعدالة للسوريين.

كما وثقت تسجيلات أخرى حمل المتظاهرين لصور شيخ العقل، حكمت الهجري المؤيد للانتفاضة ومطالب المحتجين، ولافتات رسم عليها العلم المعتمد للثورة السورية والآخر ذو النجمتين الذي يمثل النظام السوري، وعليها عبارة "الشعب السوري واحد".

في غضون ذلك أقدم محتجون على نزع صور جديدة لرئيس النظام السوري وأبيه حافظ الأسد، ووضعوا بدلا عنها صورة لسلطان باشا الأطرش قائد "الثورة السورية الكبرى"، وهو الذي يحظى بخصوصية في المحافظة ذات الغالبية الدرزية، وتحوّل إلى رمز نضالي منذ عقود طويلة.

"الناس مش مستعجلة"

ويشارك في المظاهرات التي يتوسع زخمها بين أسبوع وآخر مثقفون وسياسيون ومعارضون للنظام السوري، بالإضافة إلى ناشطات سوريات وطلاب جامعات ومدارس، وهو "مشهد استثنائي" كما يراه مشاركون ويميز المظاهرات الحالية عن الاحتجاجات السابقة في المحافظة.

ويوضح الناشط السياسي السوري، مروان حمزة أن انتفاضة السويداء وبعد مرور 40 يوما على انطلاقها "باتت تنظم نفسها بنفسها"، وأن "الشارع اختار أشخاصا لتنظيم عملية الشعارات والخروج بالوقفات وجميع التفاصيل"، التي توثقها الكاميرات.

وتحدث حمزة لموقع "الحرة" عن "وجود جهات اختارها الشارع، مسؤولة عن عملية التنظيم كي لا يكون الوضع عشوائيا وفوضويا كما يدعي البعض".

وتشير الشعارات التي يرفعها المحتجون إلى "وعي ورؤية تمكن الشارع من إنتاجها".

ويضيف الناشط السياسي: "المدى مفتوح والناس مش مستعجلة. جمعة بعد جمعة وشهر بعد شهر وحتى لسنة.. الناس ستبقى في الشارع حتى تتحقق المطالب".

واعتبرت الناشطة والمهندسة السورية، راقية الشاعر أن "الاحتجاجات باتت تأخذ شكل كرنفال احتفالي لن يتوقف حتى تتحقق مطالب كل سوريا بالخلاص من النظام السوري القمعي والديكتاتوري".

وتقول الشاعر لموقع "الحرة": "قلنا كلمتنا ولن نتراجع عنها. الشارع بات منظما. الناس تنام وتستفيق ويدور في بالها الاحتجاج، وكأنه تحول إلى وظيفة أو عمل يتوجب الحضور من أجله".

ومنذ 40 يوما لم تتوقف المظاهر الاحتجاجية في ساحات السويداء، بينما تشير الشاعر إلى أن "الوصول للذروة بات يتركز بشكل أساسي في يوم الجمعة"، وتتابع: "السويداء في كل جمعة تعيش جمعة عظيمة".

"ثابت ومتغير"

وعلى مدى الأسابيع الماضية بدا النظام السوري وكأنه "غير مهتم" لما يجري في المحافظة الواقعة على حدود الأردن، ومع ذلك لم ينسحب هذا المشهد على الصحفيين والمحللين المقربين منه.

إذ اتجه هؤلاء إلى اتهام المتظاهرين بالترويج لـ"الانفصال والعمالة للخارج" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي نفاه المحتجون وردوا عليه بلافتات وشعارات أكدت على أن "سوريا واحدة لا تتجزأ".

ويقول الناشط حمزة إن "الاحتجاجات التي خرجت يوم الجمعة هي الأكبر على مستوى جبل العرب".

ويضيف أن الأسباب التي تقف وراء ازدياد الزخم تتعلق بـ"الثقة التي باتت عند الشارع، بعد حالة كبيرة من الخوف".

"الناس حست بحرية أكبر وأنها قادرة على إعلاء صوتها بدون أي مشاكل وحواجز"، و"من الطبيعي أن تزداد الأعداد طالما تخطت الانتفاضة اليوم الـ40 بالحفاظ على ذات المطالب"، وفق حمزة.

وتوضح الناشطة الشاعر أن "هناك حالة من التنظيم تخص الشعارات والوقفات والكلمات واللافتات، وحتى على مستوى وصول الوافدين من القرى والبلدات إلى ساحة السير وسط المدينة".

وتقول: "كل شيء بات منظما. الثابت في الانتفاضة هو السلمية والمتغير هو مظاهر الاحتجاج وكيفية التعبير عن المطالب".

وباتت السويداء "تعطي نموذجا حيا عن الشعب السوري بأكمله"، وفق تعبير الناشطة السورية، مضيفة: "نحن شعب نحب الحياة والسلم ولم نكن دعاة حرب وتدمير كما هو حال النظام السوري".

وتتابع: "النظام جاء قبل 60 عاما. نقول له في الشوارع جاء قبلك الكثير وسيأتي بعدك الكثير أيضا. حراكنا مستمر حتى تحقيق مطالبنا لمشروعة في تحقيق دولة المواطنة والمساواة والعدل".

ولا يمكن الإجابة على سؤال "إلى أين تذهب الانتفاضة؟"، حسب ما يرى الناشط السياسي حمزة، ويوضح حديثه بالقول إن "الشارع يعيد إنتاج نفسه بين اليوم والآخر".

ومع ذلك يضيف الناشط: "بالتأكيد هناك خطط للقادم وستخرج من الشارع أيضا، كونه يحوي مجتمع مدني وقيادات ومثقفين".

وبالتالي سيكون بمقدور هؤلاء "الجلوس على طاولة، لكي ينتجوا حلولا وأفكار، ومن ثم يضعوها على ورقات لتحقيق شيء تفاوضي في المستقبل، مع التأكيد على مطالب إسقاط النظام السوري"، بحسب حديث الناشط السوري. 

والانتفاضة الحالية التي تعيشها السويداء تختلف كثيرا عن الاحتجاجات السابقة التي شهدتها المحافظة منذ عام 2020. 

ويرتبط الاختلاف بالمواقف التي اتخذها رجال الدين في تأييد الحراك، في مقدمتهم شيخ العقل حكمت الهجري، إلى جانب الحواجز التي كسرها المواطنون والناشطون من رجال ونساء، إذ باتوا يعلون الصوت ضد الأسد بالوجه المكشوف وعلى العلن.

ورغم أن شرارتها اندلعت بعد قرار حكومي قضى برفع أسعار المحروقات، قادت المطالب والشعارات التي رفعها المتظاهرون على مدى الأسابيع الماضية إلى مشهد أوسع أعاد ذاكرة السوريين إلى الأيام الأولى للثورة السورية في 2011. 

شكوى قضائية تلاحق الرئيس السوري أحمد الشرع في فرنسا. أرشيفية
شكوى قضائية تلاحق الرئيس السوري أحمد الشرع في فرنسا. أرشيفية

تسلمت النيابة العامة الفرنسية دعوى قضائية ضد الرئيس السوري، أحمد الشرع وعدد من وزرائه بتهمة "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي"، وجرائم ضد الإنسانية بسبب الأحداث التي عرفت باسم "مجازر الساحل".

ووفقا للمذكرة القضائية التي أورد أبرز ما جاء فيها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد رفع المحامي، بيدرو أندروجار القضية نيابة عن "التجمع الفرنسي-العلوي".

وأشار المرصد إلى أن مجازر الساحل وقعت على "خلفية هجوم إرهابي شنته مجموعات مسلحة ممولة من رجل أعمال سوري مقيم في روسيا في السادس من آذار، حيث هاجموا حواجز قوات وزارتي الداخلية والدفاع"، فيما قابل ذلك إعلان النفير العام للانتقام من الطائفة العلوية.

وجاء في المذكرة أن الحكومة السورية بقيادة الشرع مارست "حملة ممنهجة ضد أبناء الطائفة العلوية".

ووجهت الاتهامات إضافة للشرع إلى: وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، وزير الداخلية أنس خطاب، قائد الفرقة 25، محمد الجاسم المعروف باسم "أبو عمشة".

ويتهم التجمع الحكومة السورية بارتكاب أكثر من 50 مجزرة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 2500 مدنيا من الطائفة العلوية، ناهيك عن ضحايا من عائلات مسيحية وسنية.

كما يتهم القوات التي ارتكبت المجازر بـ"اغتصاب، قتل، إحراق منازل"، إلى جانب رفضهم لإصدار شهادات وفاة للضحايا.

إضافة إلى عمليات تهجير قسري بهدف إحداث تغيير ديموغرافي وطائفي في المنطقة.

وطالبت الدعوى بوقف الأعمال العدائية من مناطق الساحل السوري، وإطلاق سراح المعتقلين، وفتح تحقيق دولي بالجرائم التي ارتكبت.

وأصدرت منظمة العفو الدولية أصدرت تقريرا في 4 أبريل وصفَت فيه الأحداث بأنها "جرائم حرب"، مستندة إلى أدلة مرئية وشهادات شهود عيان.

وشكلت السلطات السورية "اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل".