طفلة مصابة بالقصف الذي نفذته قوات النظام السوري على إدلب في 5 أكتوبر تتلقى العلاج في المستشفى.
طفلة مصابة بالقصف الذي نفذته قوات النظام السوري على إدلب في 5 أكتوبر تتلقى العلاج في المستشفى.

لليوم الخامس على التوالي يخيم "الموت والقتل والنزوح" على شمال سوريا، ورغم أن هذا المشهد ليس بجديد على المناطق الخاصعة لسيطرة فصائل المعارضة، باتت الوتيرة المتصاعدة للقصف بمختلف أنواع الأسلحة من جانب قوات نظام الأسد تهدد بـ"كارثة إنسانية"، وفق "الدفاع المدني السوري"، وهو فريق للإسعاف والإنقاذ. 

وتستهدف قوات الأسد والميليشيات المساندة لها والطيران الحربي الروسي، منذ يوم الخميس وبشكل عنيف قرى وبلدات واسعة في محافظة إدلب وريف حلب، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 مدنيا، غالبيتهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى أكثر من 200 جريح، وفق مصادر طبية وإسعافية مختلفة. 

وجاءت حملة القصف بعد ساعات من الإعلان عن "هجوم الكلية الحربية" في مدينة حمص، والذي أسفر عن أكثر من 90 قتيلا من عسكريين ومدنيين، في وقت اتهمت وزارة دفاع النظام السوري "تنظيمات إرهابية تدعمها دول معروفة" بالوقوف وراء الحادثة.

ولم يكشف النظام السوري حتى الآن اسم وهوية "الجهة التي نفذت "الهجوم"، لكن وسائل إعلام مقربة منه، بينها صحيفة "الوطن" شبه الرسمية قالت إن "الهجمات على إدلب وريف حلب انتقامية وتأتي ردا على ما حصل في الكلية الحربية".

وطال قصف النظام السوري والطيران الحربي الروسي مناطق مأهولة بالسكان في قرى وبلدات الريف الجنوبي لإدلب، وتوسعت دائرة الضربات خلال اليومين الماضيين لتصل إلى مركز مدينة إدلب، ومنطقة دارة عزة في ريف حلب الغربي.

وتشمل الأسلحة التي تستخدمها قوات الأسد في التصعيد المدافع الثقيلة وراجمات الصواريخ، فضلا عن الطائرات الحربية التي ألقت بقذائف النابالم الحارق والذخائر العنقودية، وهي أسلحة محرمة دوليا، حسب ما أوضح "الدفاع المدني السوري"، و"مديرية صحة إدلب".

"جرائم إبادة موصوفة"

وطوال سنوات الحرب الماضية في سوريا، أصبحت محافظة إدلب في الشمال الغربي للبلاد الملاذ الأخير للسوريين الذين ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، وبحسب إحصائيات لمنظمات إنسانية يقيم فيها أكثر من 4 ملايين مدني.  

وتخضع المحافظة لاتفاقيات تركية- روسية، تدخل إيران في جزء منها أيضا ضمن تفاهمات "أستانة"، ومع تصاعد وتيرة القصف من جانب النظام لم يصدر أي تعليق من جانب الدول الراعية لاتفاقيات وقف إطلاق النار هناك.

وتحدث "الدفاع المدني السوري"، الاثنين، أن "هجمات قوات النظام وروسيا تستهدف منازل المدنيين والمرافق الحيوية والطبية والتعليمية ومخيمات المهجرين، ومراكز الدفاع المدني السوري"، وذلك بـ"استخدام أسلحة تحوي مواد حارقة".

وبلغت حصيلة الضحايا حتى الآن 40 شخصا بين قتيل وجريح، في وقت تتواصل فيه موجات نزوح المدنيين بشكل كبير من المناطق التي تتعرض للهجمات، إلى المجهول دون وجود مأوى آمن يحميهم.

ويوضح نائب مدير "الدفاع المدني"، منير مصطفى لموقع "الحرة" أن هجمات النظام السوري الحالية لا تختلف عن سابقاتها، ويقول: "الإجرام نفسه والضحية نفسها والأسلحة ذاتها".

ويضيف مصطفى: "النظام لم يتوقف عن قصف المنطقة بالأسلحة المحرمة دوليا دون أي اكتراث من المجتمع الدولي"، وهو ما يكرره في الوقت الحالي "بسبب غياب المحاسبة" منذ 12 عاما.

وتتعامل قوات الأسد منذ خمسة أيام بـ"طريقة الإبادة الجماعية"، ويشير مصطفى إلى "جرائم إبادة موصوفة تحصل، باستخدام الأسلحة المحرمة دوليا"، من بينها الذخائر العنقودية والنابالم الحارق. 

واستهدفت إحدى الضربات، الأحد، مدارس وسط مدينة إدلب، ومشفيين مركزيين الأول هو "مشفى إدلب الوطني" والثاني "إدلب الجامعي"، ما أسفر عن خروج الأول عن الخدمة، بعدما سقط صاروخ في عيادات المرضى.

وقالت "مديرية صحة إدلب" إن حصيلة حملة "القصف الوحشي" التي بدأتها قوات النظام، الخميس الفائت، وصلت إلى 49 قتيلا و279 مصابا، معظمهم من النساء والأطفال.  وسجل فريق "منسقو الاستجابة في الشمال" الإنساني استهداف المنطقة أكثر من 198 مرة، وتركز الاستهداف على أكثر من 61 مدينة وقرية، كما ساهمت الطائرات الحربية بأكثر من 35 غارة جوية.

وسببت الهجمات المستمرة على المنطقة إلى توقف العملية التعليمية وحرمان أكثر من 400 ألف طالب من التعليم، كما توقفت المشافي والنقاط الطبية عن العمل للحالات العامة مسببة حرمان أكثر من مليوني مدني من الخدمات الطبية، وفق "منسقو الاستجابة". 

كما سجلت حركة نزوح من جميع المناطق المستهدفة هي الأكبر من نوعها منذ عدة سنوات في المنطقة، حيث تجاوز العدد الأولي لإحصاء النازحين من قبل الفرق الميدانية حتى الآن 78,709 نازحين من مختلف المناطق.

"حياة مشلولة"

وقالت "مديرية صحة إدلب" في بيان إن "منشآتنا الصحية تستجيب بأقصى طاقتها لمصابي القصف، حيث تعمل المديرية بالتعاون مع الشركاء لتزويد المشافي بما تحتاجه من أدوية ومستهلكات ضرورية لاستمرار عملها في إسعاف المصابين".

وأضافت: "تم التعميم على المنشآت الصحية، وخاصة الموجودة في المناطق المستهدفة، للعمل بخطة الطوارئ وإيقاف استقبال الحالات الباردة وتركيز الجهد على الخدمات الإسعافية".

وتقضي "خطة الطوارئ"، وفق ما أعلنت  المديرية، بأن يتم تجهيز أقسام الإسعاف وغرف العمليات والعنايات في المشافي والمنشآت والمراكز الصحية، لاستقبال جميع الحالات التي ترد إليها نتيجة القصف.

وتحدث الإعلامي المقيم في إدلب، عدنان الإمام عن "حياة مشلولة في إدلب وريف حلب"، ويقول إن القصف دفع السكان هناك إلى إغلاق المحال التجارية، بينما تعلّق التعليم في المدارس.

ويضيف الإمام لموقع "الحرة": "الناس في مناطق القصف إما بقيت في منازلها أو نزحت، وخاصة من سرمين وأريحا ودارة عزة وبلدة ترمانين".

"المجتمع الدولي صامت ولم نرَ أي إدانة"، ويعتبر الناشط الإعلامي أن نظام الأسد "يستغل اتجاه أنظار العالم إلى ما يحصل بين غزة وإسرائيل وينتقم من المدنيين".

ويتابع: "الوضع الإنساني صعب جدا. هناك مخيمات إيواء أنشئت بعد التصعيد. النساء في مكان والرجال ينامون في السيارت. هناك أيضا سكان لا يعرفون أين سيذهبون".

ويضيف الصحفي السوري، أحمد رحال أن "قوات الأسد تستخدم في حملتها القنابل العنقودية والنابالم الحارق المحرم دوليا"، ويتوازى مع ذلك قصف مكثف بالطائرات الحربية الروسية.

ويوضح رحال لموقع "الحرة" أن "جميع الاستهدافات تضرب المنازل والأحياء المأهولة بالسكان"، وأنهم لم يوثقوا أي استهداف لمقار عسكرية.

وأدى القصف المتواصل إلى موجة نزوح كبيرة، جزء منها "مؤقت" والآخر دائم.

ويتابع الصحفي السوري: "بعض العائلات اتجهت إلى مخيمات ومراكز إيواء وستعود إلى منازلها حتى تهدأ الأوضاع، لكن قسم آخر انتقل بشكل دائم إلى المخيمات الواقعة في المناطق الحدودية".

ومع ذلك يشير رحال إلى أن "مناطق إدلب وريف حلب الغربي باتت جميعها مهددة"، وأن القذائف والصواريخ كانت قد وصلت إلى مدينة الدانا القريبة من الحدود، قبل يومين. 

"حرب ممنهجة"

ومنذ الخامس من أكتوبر استقبلت مشافي ومراكز "الجمعية الطبية السورية الأميركية" (سامز) في شمال غرب سوريا عددا كبيرا من الضحايا الذين سقطوا بسبب التصعيد الجاري في شمال غرب سوريا. 

وأوضحت "سامز" أنه ومنذ يوم الأحد "تم تعليق العمل في مركز صحي إضافي  ليصبح عدد المراكز التي توقفت عن العمل هو 4 مراكز صحية"، مضيفة: "لا يزال تركيزنا حاليا موجها لتوفير الخدمات الإسعافية في بقية المراكز الطبية".

وقال "الدفاع المدني السوري" في بيان الاثنين إن "استهداف المدنيين الممنهج في المناطق المأهولة بالسكان والمخيمات، وقتلهم وبأسلحة محرمة دوليا، واستهداف المرافق العامة والمشافي ومراكز الدفاع المدني السوري والأسواق هو انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني".

وأوضح البيان أن "القانون الدولي الإنساني يعدُّ هذه المرافق والأماكن محيدة عن القصف. هذه الجرائم والانتهاكات ما كانت لتحصل لو كان هناك محاسبة لنظام الأسد على جرائمه".

بدوره يرى نائب مدير "الدفاع المدني"، منير مصطفى، أن "النظام السوري مأزوم سياسيا واقتصاديا، ولذلك دائما ما يرى مخرجا في الحل العسكري".

ويقول: "من خلال هذا الحل يريد إعادة دوره الفاعل على الأرض، كونه تراجع بعد الحراك الشعبي الأخير في السويداء، استكمالا لثورة السوريين للوصول إلى العدالة والحرية".

"قتل السوريين هو المخرج له، ويجب أن تكون هناك إجراءات من مجلس الأمن والأمم المتحدة، لأن ما يحصل جرائم إبادة موصوفة وضد الإنسانية".

ويتابع مصطفى: "النظام يريد قتل أكبر عدد ممكن من الناس، من خلال تدمير البنى التحتية والمشافي وفرق الدفاع المدني. ما يحصل حرب ممنهجة والنظام يعرف ماذا يفعل".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".