مضى أسبوع على "هجوم الكلية الحربية" بمدينة حمص السورية دون أن يحمّل النظام السوري جهة بعينها مسؤولية الحادثة، وتحدث سكان لموقع "الحرة" أنه ومنذ حصوله وحتى الآن "لم تنقطع الأخبار المتعلقة بالتصدي للمسيّرات"، وحتى أن الجميع بات يسمع بها لكن "دون أن يرونها في السماء".
وأسفر "الهجوم" عن 89 قتيلا مدنيا وعسكريا، إلى جانب أكثر من 200 جريح. وجاء في أعقاب انتهاء حفل تخريج طلاب ضباط داخل "الكلية الحربية" وفي أثناء التقاط ذويهم الصور التذكارية، حسب ما جاء في الرواية الرسمية.
وحمّلت وزارة الدفاع السورية "تنظيمات إرهابية تدعمها دول معروفة" مسؤولية "الهجوم"، لكنها لم تحدد الجهة التي انطلقت منها "الطائرات المسيرة"، ولم تنشر أي صور تظهر حطامها أو أجزاء من ذخائرها، بعد واقعة "الكلية الحربية".
وبعد يوم من الإعلان عن حادثة "الكلية" نشرت وسائل إعلام مقربة من النظام السوري تسجيلات مصورة عبر مواقع التواصل، وقالت إنها توثّق عمليات اعتراض "مسيّرات جديدة" في الأجواء، بينما أظهرت إحدى الفيديوهات إطلاق عناصر النظام الرصاص في الهواء، ومن داخل ساحة "المشفى العسكري".
وعادت وسائل إعلام وصحفيون ومراسلو محطات إذاعية من مدينة حمص، ليتحدثوا الخميس عن "تصدٍ جديد للدفاعات الجوية استهدف طائرة مسيّرة حاولت تنفيذ اعتداء".
وذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" أنه "سمعت أصوات مضادات أرضية في مدينة حمص، ظهر الخميس، وسط انتشار أمني مكثف منذ الأربعاء، بمحيط مبنى الكلية الحربية وبالأحياء وعلى أسطح المباني أيضا".
وجاء الاستنفار "بالتزامن مع تداول أنباء عن زيارة مرتقبة للجنة تحقيق من العاصمة السورية دمشق للعمل على كشف ملابسات الهجوم الذي تعرضت له الكلية"، وأشار "المرصد" إلى أن "الطرقات المؤدية للكلية الحربية شهدت انتشارا مكثفا لدوريات الأمن على طريق الخراب، وطريق أبراج حي الوعر المحاذي لفرع أمن الدولة".
من جهتها نقلت وكالة "سبوتنيك" الروسية، الخميس عن مصدر أمني وصفته بالرفيع قوله إن "مضادات الدفاع الجوي التي سمعت أصواتها في مدينة حمص وسط سوريا، ناجمة عن الاشتباه بطائرة مسيرة، وتم التعامل معها عبر المضادات الأرضية وفق القواعد الاعتيادية".
وأضاف المصدر أنه "لا صحة لما تم تداوله حول قيام طائرة مسيرة باستهداف أحياء المدينة".
"نسمع عنها ولا نراها"
وأكد 3 أشخاص أحدهم صديق عنصر "دفاع جوي" في قوات النظام السوري لموقع "الحرة" حالة الاستنفار التي شهدتها عدة مناطق في حمص، ليلة الأربعاء، وقال محمد الذي يقيم بالقرب من حي الوعر إنه "سمع أصوات المضادات بشكل واضح ظهر الخميس".
وأضاف لموقع "الحرة": "الجو العام في مدينة حمص يشير إلى وجود مسيّرات تجوب الأجواء بين اليوم والآخر"، ومع إشارة المصادر الإعلامية المقربة من النظام السوري إلى ذلك، إلا "أننا لم نراها أو نلتمس وجودها بالفعل"، وفق قول المتحدث.
ويوضح عبد الرحمن وهو موظف في مديرية التربية وسط المدينة أن "الحديث عن وجود المسيرات في أجواء حمص تصاعد بكثرة بعد هجوم الكلية الحربية"، ومع ذلك "لا أحد يعرف هل هي موجودة بالفعل ومن أين تأتي؟".
ويتابع طالبا عدم ذكر اسمه كاملا لاعتبارات أمنية أن "أصوات الرصاص التي تنسب للمضادات الأرضية نسمع أصواتها بشكل متفرق مع ساعات الظهر والمساء"، وأن "البعض يتحدث عن أجسام مجهولة بينما يقول سكان آخرون إنها طائرات مسيّرة".
ولم يسبق أن شهدت حمص وهي مدينة تقع وسط سوريا وبعيدة عن خطوط الجبهات مثل الهجوم الذي استهدف "الكلية الحربية" على مدى السنوات الماضية.
وكانت المواجهات وأصوات القصف والرصاص قد توقفت فيها بعد عام 2017، في أعقاب بسط النظام السوري لسلطته الأمنية والعسكرية على كامل حي الوعر، المحاذي لـ"الكلية الحربية".
ومنذ تشييع قتلى "الهجوم" وحتى الآن يخيم على مشهد المدينة وحياتها اليومية حالة من "الحداد"، كما يقول من تحدث إليهم موقع "الحرة"، وفي ذات الوقت خلقت أصوات الرصاص التي تطلق بين يوم وآخر "حالة من الإرباك".
وما يزيد من "الإرباك"، حسب ما يشير عبد الرحمن "عدم اتضاح ما يحصل، وسواء إن كانت هناك مسيّرات بالفعل تجوب أجواء المدينة أم أن الأمر يتعلق باعتبارات أمنية أخرى غير معلنة"، مضيفا: "قد لا يخرج الأمر عن لعبة مخابرات!".
"اتهام مفتوح"
وقبل انطلاقة الثورة في عام 2011 كان النظام السوري يضرب طوقا أمنيا لا يقل عن 10 كيلومتر، في أثناء احتفال تخريج دفعة من طلاب "الكلية الحربية"، كما يقول العقيد المنشق، إسماعيل أيوب.
وأضاف في تقرير سابق لموقع "الحرة": "الطوق الأمني كان يفرض بسبب حضور شخصية هامة في الحفل، ربما الرئيس أو وزير الدفاع، الذي يستلم مهمة التخريج". و"ما بعد القضاء على المسلحين في حمص كما يعتبر النظام باتت حماة وطرطوس ودمشق وحمص حتى مدينة تدمر خاضعة لسيطرته بالكامل"، ويتابع أيوب: "هذه المناطق تخضع لسيطرة قواته بشكل كبير جدا، وبرعاية حزب الله والميليشيات الإيرانية".
وتحاذي "الكلية الحربية" التي تعرضت للهجوم قرى وبلدات تقطنها الغالبية الشيعية، ويتواجد فيها حسب ما تؤكد تقارير محلية عناصر موالين لإيران ولـ"حزب الله"، وعلى رأسها المزرعة التي كانت تنطلق منها هجمات باتجاه حي الوعر، عندما كانت تسيطر عليه فصائل معارضة، قبل 2017. ومن الجهة الشمالية ورغم أن فصائل المعارضة كانت تسيطر على المنطقة هناك قبل 2018، خرجت إلى الشمال السوري بموجب اتفاق رعته موسكو، وأتاح بعد ذلك سيطرة كاملة عسكرية وأمنية للنظام السوري.
و"لا يمكن أن يكون هناك فصيل مسلح مضاد أو مناهض للنظام موجودا في هذا العمق على أقل تقدير أي بشكل تقريبي 100 كيلومتر"، في إشارة من العقيد المنشق أيوب عن موقع "الكلية الحربية" في حمص.
ويقول: "لا يوجد في محيط مجمع الكليات أي فصائل مناهضة للنظام. من يتواجد عناصر حزب الله من الشمال وفي القصير، كما ينتشرون أيضا في مطار الضبعة والشعيرات وفي تي فور، وصولا إلى جبل زين العابدين في حماة ومطار المدينة هناك".
وتغطي السيطرة المذكورة للميليشيات دائرة واسعة تحيط بحمص حتى عمق أكثر من 100 كيلومترا باتجاه الجنوب والشمال وأكثر من ذلك.
ومنذ سبعة أيام (تاريخ هجوم الكلية الحربية) لم يوجه النظام السوري اتهاما لجهة بعينها، وبقيت روايته الرسمية ضمن "إطار مفتوح" نسب من خلاله الحادثة لـ"تنظيمات إرهابية تدعمها دول معروفة".
ودفعت الرواية الرسمية الكثير من المراقبين للتشكيك، وحتى أن البعض منهم لم يستبعد أن يكون "ما حصل مفتعلا".
في غضون ذلك شرح أحمد وهو شاب مقيم في حمص نقلا عن صديق له كان يخدم في محيط "الكلية الحربية" قبل حصول الهجوم، قوله إن "قوات النظام السوري نشرت 5 عربات من نوع شيلكا في محيط تجمع الكليات قبل يوم من الحادثة".
وأوضح لموقع "الحرة": "قال لي صديقي وهو من مرتبات الدفاع الجوي إنهم سمعوا انفجارا ولم يرصدوا في ذلك الوقت أية مسيرات في الأجواء".
ويتابع: "لم تكن هناك مسيّرات.. وصلنا أمر بفتح النار وإطلاق رصاص الشيلكا في السماء بعد حصول الهجوم فورا".
وفي مداخلة سابقة على "شام إف إم" استعرض مراسل الإذاعة المحلية حيدر رزوق اللحظات الأولى لحصول الانفجار، وقال مساء الخميس الفائت: "بعد ساعات الظهر سمعت عدة انفجارات مصدرها حي الوعر وتزامنت مع أصوات للطيران الحربي أثناء تحليقه خلال حفل تخريج الضباط". وتحتفل "الكلية الحربية" بتخريج عدد من ضباطها في مثل هذا اليوم من كل عام، ويضيف رزوق: "الأصوات أولا كانت مجهولة المصدر، وبعد ذلك علم أنها جراء عدوان استهدف الساحة التي كانت تضم الطلاب وذويهم". "توقيت الانفجار كان مجرد الانتهاء من الاحتفال وخلال اجتماع الضباط مع ذويهم لالتقاط الصور التذكارية والتهنئة"، وأظهرت تسجيلات مصورة نشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي كيف أن الحادثة حصلت بشكل مركّز في منصة التخريج الواقعة في ساحة "القادسية".
وتمكنت وحدات الجيش من إسقاط طائرتين مسيرتين، لكن إحداهما تمكنت من إلقاء القنابل المتفجرة في ساحة الكلية، حسب ما يوضح مراسل الإذاعة المحلية رزوق، مشيرا إلى أن "الاستهداف كان مخطط له بدقة وبشكل مسبق"، وأنه "جاء على مراحل".
بدوره أشار العقيد المنشق أيوب لـ"الحرة" إلى "معلومات وصلت إليه من أحد الضباط في الكلية أن وزير الدفاع كان موجودا قبل الحادثة، وأن الأخير لم يلقي كلمته واختصر الحفل وغادر، بعد وصول تحذيرات بوجود طيران مسيّر في الأجواء".
وقال بناء على ما شاهده من التسجيلات المصورة: "رأيت إطلاق نار وتفجير عبوات ناسفة حارقة. الناس كانت تشتعل. يمكن أن يكون ما حصل عبارة عن تفجير عبوات مزروعة"، مضيفا: "العمل مدبر ومخطط له. لو كان هناك جهة أخرى تريد تنفيذه لكانت استهدفت قيادات الجيش على المنصة الرئيسية".
وبعد "الهجوم" في الكلية الحربية في حمص، صعّدت قوات النظام السوري من هجماتها ضد مناطق سيطرة المعارضة في شمال غربي سوريا. وتسببت هجمات النظام بمقتل أكثر من 40 مدنيا مدنيا وإصابة المئات، جراء استهدافها الأسواق الشعبية والأحياء السكنية ومدراس ومساجد ونقاط طبية، بحسب "الدفاع المدني السوري".