تنظيم داعش يشن هجمات من آن لآخر على قوات النظام السوري
تنظيم داعش يشن هجمات من آن لآخر على قوات النظام السوري

يكاد لا يمر أسبوع دون إعلان النظام السوري سقوط قتلى له على يد "داعش" في منطقة البادية السورية، ومع توثيق "المرصد السوري لحقوق الإنسان" 275 عنصرا قتلوا منذ بداية 2024، تثار تساؤلات عن أسباب وقوعهم في كل مرة بـ"المصيدة"، كما يطلق عليها خبراء.

"المرصد" ذكر الاثنين أن 3 عناصر من قوات النظام لقوا مصرعهم في هجوم نفذه عناصر التنظيم الإرهابي على نقاط عسكرية في بادية تدمر بريف حمص الشرقي.

وجاءت هذه الحادثة بعد يومين فقط من مقتل 28 عنصرا من "لواء القدس" الموالي لروسيا في هجومين منفصلين لخلايا داعش في البادية. ونعاهم الأخير بصورة رسمية عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي.

وقبل هاتين الحادثتين حصلت الكثير من الضربات، وأسفرت في غالبيتها عن قتلى من جيش النظام و"لواء القدس" الذي ينتشر هناك منذ سنوات، وينفذ مهاما عسكرية بدعم من موسكو.

وتشير إحصائيات "المرصد السوري" إلى أن حصيلة القتلى خلال العمليات العسكرية ضمن البادية بلغت 336 قتيلا منذ مطلع العام 2024، بينهم 24 من تنظيم "داعش" و275 من قوات النظام والميليشيات الموالية لها.

وتوضح الأرقام أن عناصر النظام والميليشيات قضوا في 118 عملية لداعش ضمن مناطق متفرقة من البادية، وتمت في غالبيتها عبر كمائن وهجمات مسلحة وتفجيرات في غرب الفرات وبادية دير الزور والرقة وحمص.

"اختلاف بالنهج العسكري"

ومنذ أن خسر التنظيم آخر حضور حضري في الباغوز بريف دير الزور عام 2019 بدأ باستراتيجية تعود إلى ما كان عليه سابقا فيما كان يسمى بـ"دولة العراق والشام"، حسب خبراء ومراقبين تحدثوا لموقع "الحرة".

تقوم الاستراتيجية على التواجد في البادية ونصب كمائن ومصائد بشكل خاص على الطرقات الرئيسية وفي محيطها.

وعندما تمر قوات النظام من هناك كمجموعات فردية وضمن أرتال سرعان ما تتحول إلى هدف سهل، وسط غياب الدعم أو الإسناد من الجو.

وتبلغ مساحة البادية السورية نحو 80 ألف كيلومتر مربع، وتنقسم صحراءها على عدة محافظات سورية، بينها دير الزور وحمص وحماة والرقة وحلب وحماة.

وكان النظام قد أطلق سلسلة عمليات تمشيط فيها على مدى السنوات الماضية، وكذلك روسيا التي أعلنت لمرتين عن حملة بغرض القضاء على داعش هناك، تحت اسم "الصحراء البيضاء".

لكن كل ذلك لم يسفر عن نتائج، وعلى العكس زاد "داعش" من شراسته، وحتى أنه بات يوسع من دائرة الاستهداف على صعيد الرقعة الجغرافية.
ويرى الباحث السوري في "مركز الشرق للسياسات"، سعد الشارع أن "تنظيم داعش  يتفوق عسكريا وأمنيا في البادية السورية"، لاعتبارات تتعلق بخبرته الطويلة في البوادي والصحارى، إن كان في سوريا أو العراق. 

ويقول لموقع "الحرة" إن النهج الذي يتبعه يشبه "حرب العصابات"، حيث تذهب مجموعات عددية صغيرة منه وتشن هجوما على رتل عسكري أو نقطة عسكرية.

في المقابل، يسير النظام السوري بعقلية الجيوش العسكرية النظامية، لكنه "مهما امتلك من قوة لن يكون قادرا على فرض سيطرته الكاملة على البادية"، وفق الباحث السوري.

الشارع يعتقد أنه وإلى جانب ما سبق تكمن عدة أسباب وراء حالة الاستنزاف المستمرة لقوات النظام في البادية السورية.

يتمثل أبرزها بحالة التموضع الخاصة بداعش في البادية، حيث تسمح له بالهجوم باتجاهات متنوعة. 

ويشرح بالقول: "وجوده في الجهة الشرقية من مدينة تدمر (البادية الشامية) يسمح له بشن عمليات في جغرافيا واسعة وعلى طول الطرق الواصلة بين البوكمال شرق دير الزور مرورا بالميادين وبادية السخنة، وحتى بلدة عقرب".

كما يتيح وجوده في شمال تدمر أو ما يسمى بـ"بادية الكوم" شن هجمات على الجهة الشرقية من محافظة حلب والجهة الغربية لمدينة الرقة، والخاصرة الشرقية لمحافظة إدلب.

ويوضح الباحث أنه وبناء على خارطة الانتشار المذكورة "يستطيع داعش كشف جميع الطرق بشكل جيد وشن الهجمات ونصب الكمائن".

"الطرق بوابة تمويل"

ولا يعرف بالتحديد عدد عناصر داعش في البادية السورية، أو كيفية بقائهم على قيد الحياة هناك ومصادر الأسلحة والتمويل.

ومع ذلك، يشير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي إلى أن التنظيم كان يعمل منذ 2015 على تشكيل "كتائب خاصة بالبادية ونسج شبكة علاقات لها".

وتشير الأجواء العامة والإحصائيات إلى أن عمليات داعش باتت متصاعدة على نحو كبير، في مسار بدا واضحا منذ شهر أغسطس العام الفائت.

وفي حين يرى عرابي في حديث لموقع "الحرة" أن إحصائيات "المرصد السوري" صحيحة والخاصة بقتلى النظام يرجح أن يكون "العدد أكبر من ذلك بكثير".

عرابي يرصد منذ سنوات أسباب تمدد داعش في المنطقة.

ويلاحظ حسب قوله أن التنظيم الإرهابي يحاول التحكم بكامل طرق البادية السورية، بحيث يكون قادرا على ضبط أو السيطرة على المنطقة.

تعتبر الطرق "بوابة تمويل من ناحية تهريب الأسلحة والمخدرات والنفط الخام"، وحتى أن قسم من الميليشيات التي تمر عبرها "تدفع لداعش"، حسب عرابي.

ويضيف: "هي مورد تمويل كبير. داعش يسيطر على البادية وطرقها ويتحكم بالاقتصاد المار منها".

ويعتقد المحلل السياسي المقيم في دمشق، غسان يوسف، أن القضاء على داعش في البادية لا يمكن أن يتم لعدة أسباب.

بينها أن المنطقة الصحراوية مترامية الأطراف كبيرة جدا، وفيها الكثير من الأماكن التي يستطيع عناصر النظيم الاستيطان بها ونصب كمائن للجيش السوري.

ومن جانب آخر يشير يوسف في حديثه لموقع "الحرة" إلى أسباب أخرى، معتبرا أن التنظيم يتلقى دعما من "فصائل موجودة في التنف"، على حد اعتقاده.

ويضيف: "الموضوع والهجمات ستظل في أخذ ورد وسيبقى داعش منتشرا في البادية".

ويربط ذلك بطبيعة النفوذ في البادية، و"شكل الدعم الذي يتلقاه داعش من المحيط".

"لا حل للخروج من المصيدة"

وتشير بيانات القيادة المركزية الأميركية إلى أن عدد مقاتلي تنظيم "داعش" في سوريا والعراق يبلغ نحو 2500 شخص، أي ضعف التقديرات الصادرة نهاية يناير الماضي.  
ويوضح تقرير لمركز "مشروع مكافحة التطرف" أن داعش "نفذ بشكل مؤكد ما لا يقل عن 69 هجوما في وسط سوريا خلال شهر مارس الماضي".

وتسببت هذه الهجمات في مقتل ما لا يقل عن 84 جنديا في النظام السوري و44 مدنيا، وهو أكثر من ضعف العدد الإجمالي لعمليات داعش المؤكدة خلال عام 2024.

وأشار "مشروع مكافحة التطرف" إلى أن شهر مارس "كان الأكثر عنفا في تمرد داعش في البادية (وسط سوريا) منذ أواخر عام 2017، حينما فقد التنظيم السيطرة على مناطق استولى عليها".

وتابع التقرير: "خلايا داعش استهدفت بنجاح وباستمرار مواقع النظام، ونصبت كمائن وأسرت جنودا وأعدمتهم بشكل متكرر".

ويشرح الباحث سعد الشارع أن أن قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية مجبرة على التحرك على طرقات البادية السورية، لأنها الشريان الوحيد الذي يربط مناطق نفوذها مع الشرق.

ورغم أنها تحاول التحرك بأرتال وبقطع تسمح لها تأمين الحماية تكون هجمات داعش في الغالب "مدروسة وتستند إلى خبرته الطويلة في المنطقة"، حسب الباحث.

ويشير الباحث عرابي إلى أن "داعش في حالة تطوير مستمرة على صعيد الكمائن والمصائد" على عكس قوات النظام السوري.

ويوضح أن الطبيعة الجغرافية للبادية وتضاريسها الصعبة تجعل من الصعب "إنهاء التنظيم أو دفعه لإيقاف الهجمات".
ويؤكد على ذلك الباحث الشارع، حيث يقول إن الحملات التي شنتها قوات الأسد وروسيا في المنطقة "لم تنجح في تحييد داعش عن الطرقات الرئيسية".

وبينما يشير إلى مقتل عنصرين من القوات الروسية في إحدى عمليات الإنزال الجوية ضمن حملة "الصحراء البيضاء" يضيف أن ما أقدمت عليه موسكو "أبعد داعش عن بعض المناطق لأيام.. وبعد ذهاب الطيران من الأجواء سرعان ما عاد إلى مناطقه".

سوريا

"وما زال الليل سكوت وبعدك بتحنّ/ إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام"، تقول السيدة فيروز في حوار غنائي مع نصري شمس الدين في إحدى مسرحيات الأخوين رحباني. 

تحمل هذه العبارة، إلى القرب الجغرافي بين بيروت ودمشق، إشارات إلى التقارب الثقافي بين المدينتين، لجهة الليل والسهر والغناء.

مايا عمّار، الناشطة النسوية اللبنانية شعرت بهذا التقارب الثقافي، حينما زارت الشام بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد، وسهرت مع أصدقائها في مطاعم دمشق حيث الغناء والموسيقى. بدا كل شيء مبشرا، كما تتذكر عمّار، وشعرت، حتى مع تواجد المسلحين في الشوارع، بالأمان والأمل. 

كان الناس، على ما تصف عمار، يعبّرون عن فرحهم بسقوط الطاغية كلّ بأسلوبه، وكان الفرح يوحدهم، ولم يكن هناك خوف بعد أن سقط مصدر الخوف الأساسي، وهو نظام الأسد.

اليوم تتابع مايا ما يحدث في دمشق من قيام مسلحين بمداهمة نوادٍ ليلية وأماكن سهر، وإقدامهم على ضرب الناس بالسياط. وتشعر بقلق كبير. 

الشرع أم الجولاني؟
لم يكن مشهد مديرة مدرسة عمر بن الخطاب وهي تعبر بارتباك عن فرحتها بضيفها قائد معركة "ردع العدوان" أحمد الشرع -المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني- أمراً عادياً. فبعد أن أصرّت عليه أن يأخذ ما تبقى من حلوى "الملبس" الشهيرة والتي تُوزَّع في احتفالات المولد النبوي الشريف في دمشق، طلب منها التقاط صورة تذكارية خرجت للعلن في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2024 لتثير موجة عارمة في الشارع السوري.

تقول لموقع "الحرة": "شعرت بأنني كنت محظوظة بأنني حظيتُ بفرصة عيش هذه المقولة (إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام)، كانت التجربة لذيذة وشعرت أنني يجب أن ألتقط هذه اللحظة من الفرح قبل أن تسلب منا ونعود إلى زمن الخسارات. وبالفعل حدث ما كنت أخشاه".

تشهد العاصمة دمشق منذ فترة حوادث متفرقة، تقلق ناشطي حقوق الإنسان. بعض هذه الحوادث يتخذ طابعاً فردياً، وبعضها يبدو ممنهجاً لجهة تورط جماعات مسلحة فيه.

قبل أيام، جرى توقيف ناشط برفقة خطيبته، لأنه لم يكن يحمل أوراقاً تثبت ارتباطه بها. وهي حادثة تضاف إلى حوادث أخرى يعتبرها كثيرون استهدافاً للحريات الفردية، وتثير تساؤلات عن احترام حقوق الانسان.

ما حدث في دمشق بعضه موثق بمقاطع فيديو مأخوذة من كاميرات المراقبة، تظهر مسلحين وهم يطردون بالسياط مواطنين في ملهى ليلي في العاصمة السورية.

وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان الحادثتين، وأشار إلى أن ملهى "الكروان" الشهير، شهد هجوماً مسلحاً، بعد اقتحامه من مسلحين أطلقوا النار بشكل عشوائي من أسلحة رشاشة، ما أدى إلى مقتل راقصة وإصابة عدد من الأشخاص.

وقد شهدت العاصمة السورية هجومين مسلحين من هذا النوع على ملهيين ليليين خلال أسبوع واحد، ما أثار مخاوف من تزايد القيود على الحريات الشخصية في ظل الإدارة الانتقالية الجديدة.

وأعلنت وزارة الداخلية أنها حددت هوية المسلحين المتورطين في الحادث وألقت القبض عليهم.

وتمكنت رويترز من التأكد من موقع اللقطات من اللافتات والأرضيات والمحلات التجارية، والتي تطابقت مع صور الأرشيف.

وبحسب الوكالة، منذ الإطاحة ببشار الأسد على يد المتمردين الإسلاميين، استمرت العديد من الحانات في دمشق في العمل، على الرغم من توقف بعضها عن تقديم الكحول.

أثارت هذه الهجمات قلقًا من احتمال فرض قيود متزايدة على الحريات الفردية من قبل السلطة الانتقالية، خصوصاً بعد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في اشتباكات وهجمات مسلحة على مناطق الأقليات أدت إلى سقوط مئات الضحايا في الساحل السوري حيث الأقلية العلوية، وفي مناطق جرمانا وصحنايا حيث تتواجد أقلية درزية جنوبي العاصمة دمشق.

وقد دعت السفيرة الأميركية المؤقتة لدى الأمم المتحدة، دوروثي شيا، إلى "محاسبة جميع مرتكبي أعمال العنف الأخيرة في سوريا ولا سيما من يتولون مناصب قيادية أو يتمتعون بصفة بارزة".

وعلى الرغم من استمرار بعض الفعاليات الليلية في مناطق أخرى من دمشق، جعف تكرار الهجمات ارتياد أماكن السهر مصدر قلق للسكان.

الصحفية السورية مناهل السهوي تشرح لموقع "الحرة" أن هناك "مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن السلطة إما غير قادرة على ضبط عناصرها أو أنها متواطئة معهم. فمن غير المنطقي أن تتجول مجموعة مسلحة في وسط العاصمة، قرب مبنى المحافظة، بأسلحتها وبهذه الحرية، من دون أن يعترضها أحد. يُفترض أن السلاح الخارج عن سيطرة الدولة قد تم جمعه، لا سيما في دمشق".

من الصعب، بحسب السهوي، تجاهل التوجهات العقائدية لبعض القادة في الحكومة الحالية، "فكثير منهم مصنفون على قوائم الإرهاب أو خاضعون لعقوبات أميركية". 

وتضيف السهوي: "تاريخ هؤلاء يشير بوضوح إلى عدائهم للحريات الفردية. وحتى إن كان الرئيس المؤقت أحمد الشرع، يبدو منفتحاً، فلا ضمانة بأن جميع المسؤولين المحيطين به يتبنون التوجه نفسه".

بالنسبة إلى السهوي، فإن العنف قد يفرض وقائع على الأرض، "لكن في الوقت نفسه هناك رفض واسع للتشدد داخل المجتمع في الشام". 

من الناحية الثقافية والاجتماعية، تعتقد السهوي أنه من الصعب أن ينجح هذا التوجه، "فدمشق تحديداً مدينة ذات تاريخ طويل من التنوع والانفتاح، وتحتضن شرائح مجتمعية متباينة في المعتقدات وأنماط الحياة". 

"المجتمع الدمشقي عموماً يملك حساسية عالية تجاه فرض أنماط متشددة. حتى إن سُكِت عن التشدد بفعل الخوف أو العنف، فلن يكون ذلك قبولاً فعلياً، بل مجرد تعايش مؤقت مع واقع مفروض"، تضيف.