الجيش السوري الحر
صورة أرشيفية لعناصر من الجيش السوري الحر (تعبيرية)

رغم أن المواجهات التي تندلع بين الفصائل العسكرية في شمال سوريا ليست جديدة وتكررت لأكثر من مرة خلال السنوات الماضية، فإن الحادثة التي شهدتها مدينة مارع بريف حلب، ليل الخميس، حملت ملابسات "استثنائية"، كونها أخرجت إلى العلن ملفات "فساد" صادمة.

والحادثة كان مسرحها البيت الداخلي لما تعرف باسم "فرقة المعتصم" التابعة لـ"الجيش الوطني السوري" المعارض.

وتمحورت المواجهة فيها بين طرفين، الأول هو القائد العام، المعتصم عباس والفريق الموالي له، والثاني هو المجلس العسكري وقادته، ومن أبرزهم مصطفى سيجري وعلاء الدين أيوب الملقب بـ"الفاروق أبو بكر".

وفي التفاصيل، نشر "المجلس العسكري" في ساعة متأخرة من ليل الخميس بيانا، أعلن فيه "عزل القائد المعتصم عباس وتجريده من جميع الصلاحيات العسكرية والأمنية والإدارية"، وإحالته للتحقيق الداخلي بتهمة "الخيانة والفساد وإساءة استخدام السلطة وسرقة أموال الثورة والمال العام".

ونص البيان أيضا على إحالته مع 4 آخرين من أقربائه إلى التحقيق الداخلي، مع الشروع بمصادرة جميع الأموال والممتلكات والأراضي والعقارات العائدة لهم، والمسجلة بعد عام 2011.

ولم تمر مثل هذه الخطوة دون تبعات، حيث اندلعت اشتباكات محدودة بين الطرفين المتصارعين، أسفرت عن إصابة قائد الفرقة واعتقاله ومقتل أخيه، وإصابة آخرين من الفريق التابع له.

وبعدما أشار بيان منفصل آخر إلى تسليم المعتقلين لقيادة "الجيش الوطني"، ذكر نشطاء وصحفيون لموقع "الحرة"، أن "قائد الفرقة نقل إلى أحد مستشفيات المنطقة بعد إصابته، في حين لا تزال حالة التوتر سائدة" حتى نشر هذا التقرير.

"أكبر ملف فساد مالي"

وتعتبر "فرقة المعتصم" من أبرز الفصائل المنضوية ضمن تحالف "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا، ويتركز نفوذها بالتحديد في مدينة مارع بريف حلب الشمالي.

وكانت قد عاشت قبل أشهر حالة توتر بين الجناحين المتصارعين الممثلين بقائدها وقادة "المجلس العسكري"، بسبب ملفات فساد مالية.

ووصلت المجريات إلى نقطة الانفجار بعد وصول معلومات لكل طرف عن نية الأول تحييد الثاني.

وفي بيان عزل "القائد العام"، ذكر القيادي في الفرقة العسكرية، مصطفى سيجري، أن القرار اتُخذ بعد "اكتشاف أكبر ملف فساد مالي وأخلاقي في تاريخ الثورة السورية، تورط فيه المدعو أبو العباس (المعتصم) وإخوته". 

واعتبر أن القائد العام "حوّل الفصيل من عسكري ثوري إلى شركة تجارية أمنية خاصة بعائلته في مارع"، كما بنى "ثروة وإمبراطورية مالية هائلة من خلال تهريب وبيع شحنات ضخمة من الأسلحة أميركية النوعية، والأسلحة والذخائر الروسية من سوريا إلى ليبيا، وتقدر بملايين الدولارات".

واتهم قائد الفرقة أيضا بـ"إخفاء وسرقة كامل العائدات المالية الخاصة بالفصيل، وتقدر بملايين الدولارات".

إضافة إلى "نهب وسرقة رواتب المقاتلين القادمة من تركيا، والمخصصات الشهرية من المعابر الداخلية والخارجية والمشاريع الاقتصادية، وتقدر بمئات الآلاف من الدولارات شهريا".

كما أن القائد العام "انتهج سياسة الكسب غير الشرعي من خلال نقاط التهريب في مارع وعفرين ورأس العين، تتضمن إدارة شبكات تهريب البشر والمواد الممنوعة ومشاريع التنقيب عن الآثار، التي تقدر بملايين الدولارات شهريا".

ولم يصدر أي بيان رسمي من الفرقة العسكرية ككل بشأن ما شهده بيتها الداخلي ليلا. 

ومع ذلك، نشر مقربون من "المعتصم عباس" تسجيلات صوتية له عبر تطبيق "واتساب" و"تلغرام"، رد فيها على ما وُجه له من اتهامات.

وبعدما وصف المنقلبين عليه بـ"الغدارين"، قال إنهم "كاذبون"، مهددا بعدم ضياع "دم أخيه" الذي قتل.

وأضاف أنه احتُجز لأربعة ساعات ثم خرج، مردفا: "غدروا بي (سيجري وعلاء الدين أيوب).. لكي يستلموا القيادة".

اتهامات "التعامل مع النصرة"

وهذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها فصائل ريف حلب صراعات داخلية، إذ سبق أن وثقت منظمات حقوقية وتقارير صحفية، اشتباكات راح ضحيتها في غالب الأحيان مدنيون.

تنظيم داعش يشن هجمات من آن لآخر على قوات النظام السوري
طرقات البادية السورية.. لماذا يقع النظام دائما في "المصيدة"؟
يكاد لا يمر أسبوع دون إعلان النظام السوري سقوط قتلى له على يد "داعش" في منطقة البادية السورية، ومع توثيق "المرصد السوري لحقوق الإنسان" 275 عنصرا قتلوا منذ بداية 2024، تثار تساؤلات عن أسباب وقوعهم في كل مرة بـ"المصيدة"، كما يطلق عليها خبراء

وتباينت تعليقات مراقبين وخبراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن ما حصل.

ففي حين أن هناك من اعتبر الحادثة والمواجهات أنها "بدوافع انقلابية"، كتب آخرون أنها تندرج في إطار "تصحيح المسار العسكري"، يأتي كشف ملفات الفساد كخطوة أولى منها.

وفي إحدى التسجيلات الصوتية التي استمع إليها موقع "الحرة"، قال القيادي علاء الدين أيوب، الملقب بـ"الفاروق أبو بكر" ،إن قائد الفرقة العسكرية قد حوّل الفصيل إلى "شركة استثمار".

ووُجه له اتهام يتعلق بالتنسيق مع "جبهة النصرة" (هيئة تحرير الشام حاليا) للتوغل في مناطق ريف حلب الشمالي، خاصة أن نفوذ الأولى يقتصر على محافظة إدلب فقط، وتصنف على قوائم الإرهاب.

وأضاف: "المعتصم عباس حاول  التنسيق مع تحرير الشام لاغتيال قادة عسكريين من مارع، وكنا نقف ضده في هذا الموضوع".

لكن "القائد العام" نفى هذه الاتهامات، وأضاف أنه تفاجأ بعد وصوله إلى مبنى الفرقة برفقة مسؤول في "الحكومة المؤقتة" المعارضة، باقتحام عناصر للمبنى وإطلاق النار عليه وإصابته في يده، وإصابة شقيقه، الذي قتل فيما بعد متأثرا بجروحه.

"المال جذر المشكلة"

ويسيطر تحالف "الجيش الوطني السوري" على مناطق واسعة في ريف حلب الشمالي والشرقي. كما يسيطر على جيب في شمال شرق البلاد، يمتد بين مدينتي رأس العين وتل أبيض بريف محافظة الرقة.

ورغم أنه يبدو من الخارج كتحالف عسكري موحد، غالبا ما تندلع مواجهات بين فصائله العسكرية لعدة أسباب، لم تخرج عنها نوايا الاستحواذ وبسط النفوذ على صورة أكبر. 

ويرى الباحث السوري في مركز "جسور للدراسات"، وائل علوان، أن "المشكلة التي اندلعت في فرقة المعتصم داخلية بحتة".

وتعود جذورها إلى شهور مضت، عندما اطلع القيادي سيجري وقادة آخرون على الكشوفات المالية الخاصة بالفصيل العسكري، ومصاريف الكتلة المالية.

وفي السابق لم يكن متاحا للقيادي المذكور اتخاذ مثل هذه الخطوة، حيث كانت محصورة على القائد العام المعتصم عباس وإخوته.

ويضيف علوان لموقع "الحرة"، أن الشرخ بدأ عندما بدأ التلميحات بشأن وجود فساد مالي، وأن الفرقة تعيش في ضنك وقلة بينما قادتها في وادٍ آخر".

ورغم المبادرات الداخلية والخارجية بقيت حالة التوتر قائمة، بسبب رفض القيادة العامة الشروط التي وضعت بعد تحسس حالة الفساد الموجودة.

ويشير الباحث إلى أنه وحتى الآن لا يعرف إلى أين ستتجه الأموال.

ويوضح أن "المزاج لدى قادة الفصائل لا يتفاعل بشكل كبير مع هذا النوع من تصفية الخلافات الداخلية، أي من مبدأ الانقلاب وفرض الشفافية المالية، والذهاب لفرض النموذج الثوري".

كما يتابع بالقول: "توجد خشية أيضا من أن يكون هناك حل لا يكبح المشكلة، بل يزيد من تداعياتها، ويؤدي إلى شرخ أكبر على المستوى الفصائلي والمجتمعي".

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

"أنا عم موت ما تتركوني".. مناشدة أطلقها الشاب السوري أحمد المطلق، الذي وقع ضحية لعصابات الخطف في لبنان. ظهر أحمد في مقطعي فيديو عارٍ من ملابسه، يتلوى ألماً من الصفع والجلد والصعق، وعلامات التعذيب الوحشي بادية على وجهه وظهره.

تضرع أحمد (21 سنة) لإنقاذه من براثن خاطفيه، طالباً من عائلته تأمين 50 ألف دولار للإفراج عنه، مشدداً على أنه لا يستطيع تحمل هذا التعذيب لأكثر من أسبوع، خاصة أن خاطفيه لا يقدمون له الطعام، بل يكتفون بإعطائه الماء.

واستدرج ابن حمص من سوريا إلى لبنان، حيث كان يبحث عن مستقبل أفضل، لكن انتهى به الأمر بمصير معلق على قرار وحوش بشرية لا ترحم، هدفها الحصول على المال، وإن كان على حساب وجع وآلام وحتى أرواح الناس.

وذكرت صفحة "وينية الدولة" على وسائل التواصل الاجتماعي، أن عائلة أحمد فقدت أثره الخميس الماضي عقب توجهه إلى لبنان للعمل، "ولم تنجح عمليات البحث عنه، لتتلقى بعدها مقطعي فيديو مرعبين من رقم هاتفه الخلوي، ظهر خلالهما وهو يتعرض للتعذيب والضرب المبرح، طالباً من والديه ارسال المال لإنقاذه مما هو فيه".

تعرض أحمد للخطف في بلدة الهرمل بلبنان، وفقاً لما يقوله صاحب صفحة "وينية الدولة" لموقع "الحرة"، مشيراً إلى أن أهل الضحية تواصلوا معه وقالوا إن الخاطف يدعى ربيع، وهو ابن الهرمل ويملك محلاً للعطور فيها.

وشرحت العائلة لـ "وينية الدولة" أن "أحمد يعمل في مجال الغناء، تعرّف على ربيع عبر تطبيق تيك توك، توجه إلى لبنان بعدما أمّن له فرصة عمل، إلا أنه سرق أجره ورفض دفع مستحقاته مما دفعه للعودة إلى سوريا. ومؤخراً، قام ربيع باستدراجه إلى لبنان بحجة العمل أيضاً، فخطفه وعذبه مطالباً بفدية ومهدداً بقتله". 

يذكر أنه في الآونة الأخيرة تصاعدت ظاهرة خطف السوريين في لبنان على يد عصابات إجرامية تستغل ظروفهم المأساوية سواء في سوريا أو لبنان، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلدين، وضغط الحكومة اللبنانية لترحيلهم وفقدان الكثير منهم لأوراقهم الثبوتية، وانتشار الفوضى والسلاح وتزايد منسوب العنصرية ضدهم.

"فخّ الإنترنت"

طالت عمليات الخطف في لبنان سابقاً، كما يُذكّر صاحب صفحة "وينية الدولة"، مواطنين خليجيين، لا سيما كويتيين وسعوديين، وذلك على يد عصابات من منطقة البقاع، مشيراً إلى دور مخابرات الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي في إحباط هذه العمليات، إما من خلال توقيف أفراد العصابات، أو الضغط العسكري لإطلاق سراح المخطوفين.

بعد الثورة السورية ولجوء عدد كبير من السوريين إلى لبنان، وتدهور الاقتصاد اللبناني، وانفلات الأمن وانهيار المؤسسات، بدأت أعين الخاطفين تتجه نحو السوريين باعتبارهم وفق ما يقول: "فريسة سهلة، حيث لا سند لهم ولا حام. فالحكومة السورية لا تبدي أيّ اهتمام بمصيرهم، بينما تهمل الحكومة اللبنانية قضايا اختطافهم أو تتابعها بهمّة منخفضة".

"غالباً ما يتم استهداف السوريين الذين لديهم أقارب في الخارج"، بحسب ما تقوله الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، لموقع "الحرة" "باعتبار أنهم قادرون على تأمين مبالغ مالية بالعملة الأجنبية."

لبنان.. هل تضرب سياسات ترحيل السوريين "العمود الفقري" لسوق العمل؟
ما كادت صفارة القطار الحكومي اللبناني الأخيرة تنطلق منذرة ببدء رحلة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حتى علت الأصوات من قطاعات لبنانية عدة، مؤكدة أهمية اليد العاملة السورية والحاجة الملحة إليها، وعدم القدرة على الاستغناء عنها.

ويشرح صاحب صفحة "وينية الدولة": "تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للإيقاع بالسوريين في فخّ عمليات الخطف، من خلال وعود كاذبة بتأمين سفرهم إلى أوروبا أو أميركا، ويُطلب منهم عدم إخبار أي شخص، حتى أفراد عائلتهم، كما يطلب من أغلبيتهم ملاقاة الخاطفين في منطقة كاليري سمعان، حيث يتم خطفهم ونقلهم إلى الهرمل في البقاع، ومنها إلى الحدود السورية".

وسبق أن نشرت "وينية الدولة" عشرات الحالات عن سوريين تم خطفهم، "بالطريقة والمكان ذاته، من قبل عائلات وعشائر تنتشر من وادي خالد إلى الهرمل، مما يعني أن هذه المنطقة أرض خصبة لعمليات الخطف".

وترى شحادة أن السبب وراء هذا النوع من الجرائم البشعة التي تُرتكب بحق السوريين في لبنان هو "استضعافهم، خاصة اللاجئين غير القادرين على العودة إلى بلدهم، واستغلال حاجتهم إلى السفر، إضافة إلى كونهم من فئة يتم التحريض عليها في السنوات الأخيرة."

وخلال السنتين الماضيتين تابعت شحادة قضائياً 3 ملفات من هذا النوع، قائلة "نجحت في اثنين منها، أما الثالث فلم يكن هناك نتيجة من الجهاز الأمني المعني."

وتشدد "هذه العصابات لبنانية، وإن استخدمت في بعض الأحيان أجراء سوريين. يجب أن يُفهم أن الجرائم البشعة في لبنان يرتكبها لبنانيون بحق سوريين، وعلى رأسها عصابات الاتجار بالأشخاص وخطفهم وتعذيبهم."

"بزنس" مستمر

الشهر الماضي، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو للشاب السوري محمد عماد الخلف، ابن الـ27 عاماً، تُظهر تعذيبه بوحشية وصعقه بالكهرباء من قبل عصابة استدرجته عبر تطبيق "تيك توك"، إذ أوهمته بإمكانية تأمين سفره إلى أوروبا عبر مطار بيروت.

طلب أفراد العصابة من ذوي محمد دفع 25 ألف دولار، ثم جرى الاتفاق، بحسب ما أورد "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، على 10 آلاف دولار، مع منح ذوي الشاب المخطوف مهلة 24 ساعة لدفع المبلغ المطلوب أو قتله، فطلب ذوو الشاب المساعدة من أهالي بلدته محكان في ريف دير الزور الشرقي، الذين بادروا بجمع المبلغ نظراً لظروف العائلة المادية الصعبة، وإرساله للعصابة الخاطفة التي أفرجت عنه بعد استلام الفدية".

وأشار المرصد إلى أن محمد لجأ إلى لبنان عام 2018، ويعمل في إحدى الشركات بجبل لبنان، حيث اختُطف برفقة 4 آخرين أُطلق سراحهم بعد دفع الفدية المالية.

وتمثل عمليات الخطف "بزنس قديما" لعصابات معروفة لدى الأجهزة الأمنية، التي لا تتحرك بالسرعة المطلوبة إلا عند الضغط عليها"، كما يقول رئيس المركز اللبناني لحقوق الانسان، وديع الأسمر، لموقع "الحرة".

ويُرجع الأسمر ازدياد عمليات الخطف التي تطال السوريين في الآونة الأخيرة إلى غياب الحماية القانونية لهم في لبنان، ويتابع: "في العادة، تتردد عائلات المخطوفين في إبلاغ السلطات خوفاً من الخاطفين، بينما تتفاقم هذه المخاوف لدى السوريين الذين يخشون من الأجهزة الأمنية بالإضافة إلى الخاطفين".

ويشرح الأسمر أن "الأجهزة الأمنية لا تبادر للتحرك إلا بوجود شكوى رسمية، وهو ما يُثني عائلات السوريين الذين يفتقرون إلى أوراق ثبوتية قانونية عن التقدم بشكوى، خوفاً من توقيفهم. وللأسف 80% من السوريين المقيمين في لبنان لا يستطيعون تجديد أوراقهم، مما يجعلهم عرضة لمثل هذه الجرائم."

تعذيب حتى الموت

يُحتجز المخطوفون، كما يؤكد صاحب "وينية الدولة"، "في بيوت على الحدود السورية اللبنانية، تستخدم كسجون سرّية، يمارس فيها الخاطفون أبشع أساليب التعذيب ويصوّرون مقاطع فيديو تظهر وحشيّتهم من هواتف ضحاياهم، لابتزاز عائلاتهم لدفع فدية تبدأ بمبالغ تصل إلى 100,000 دولار، وتنخفض خلال التفاوض لتصل في بعض الأحيان إلى 1000 دولار".

ويضيف "تم توثيق حالة واحدة على الأقل فقد فيها مخطوف حياته تحت التعذيب، إذ تم العثور على جثته في منطقة ضهر البيدر، مما دفع شعبة المعلومات إلى التحرك سريعاً وإلقاء القبض على المجرم".

وفي حالة أخرى كشف عن حادثة خطف سوري وزوجته اللبنانية، مشيراً إلى تقصير واضح من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية في التعامل مع هذه القضية.

وأوضح صاحب "وينية الدولة" أن عملية الخطف استمرت لأكثر من أسبوعين دون أي تحرك من قبل الأجهزة الأمنية، وعلى عكس ذلك، تمكنت مخابرات الجيش من إطلاق سراح المخطوفين بعد 48 ساعة فقط من نشر الخبر على صفحته، "هذا التباين في سرعة الاستجابة يثير تساؤلات بشأن وجود خط أحمر يمنع خطف اللبنانيين، إذ يتم التدخل السريع لإنقاذهم، بينما يُترك السوريون لمصيرهم في مثل هذه الحالات".

ويندّد مدير مركز "سيدار" لحقوق الإنسان، محمد صبلوح، بتزايد عمليات خطف السوريين في لبنان دون أي رادع من قبل الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أنه "لم نسمع عن توقيف أي من أفراد العصابات من قبل أي جهاز أمني لبناني".

حملة ضد اللاجئين السوريين في لبنان.. مخاوف حقيقية أم "تشويه وتضليل"؟
تجتاح شوارع لبنان لوحات إعلانية لحملة تحمل شعار "UNDO The Damage Before It's Too Late"، "تراجعوا عن الضرر قبل فوات الأوان"، تستهدف اللاجئين السوريين، وتطالب اللبنانيين بالاتحاد والتحرك بمسؤولية لتصحيح الوضع بشكل عاجل بعدما تخطت نسبتهم كما أوردت الـ 40 في المئة من السكان.

غياب المحاسبة السبب الرئيسي لتكرار هذه الجرائم، كما يرى صبلوح في حديث مع موقع "الحرة" "فلو كان هناك محاسبة لما تم خطف السوريين بهذه الطريقة وتعذيبهم بوحشية، فآثار التعذيب التي نشاهدها على الضحايا تدل على أن من يرتكب ذلك مجرمون مدربون وعصابات محترفة".

وتساءل صبلوح عن دور الأجهزة الأمنية في مكافحة هذه العصابات، قائلاً "تملك هذه الأجهزة تفاصيل وبيانات أفراد العصابات المتعلقة بعمليات الخطف السابقة، ومع ذلك لم توقف أي من أفرادها، وهم من الجنسيتين اللبنانية والسورية".

وتابع "هذا يُعد تقصيراً من قبلها، فدورها كشف العصابات قبل تنفيذها أي عملية. أين الأمن الاستباقي الذي نسمع عنه يومياً دون أن نرى تطبيقاً له على أرض الواقع؟ يجب مراقبة هذه العصابات والإيقاع بها، خاصة أن الأجهزة الأمنية تملك تقنيات تسمح لها بالكشف عن أماكن تواجد أفرادها".

ويشدد صبلوح على ضرورة التنسيق مع القضاء السوري في حال نقل المخطوف إلى الأراضي السورية، مشيراً إلى أنه "حتى لو كان الضحية يحمل الجنسية السورية، إلا أنه في حال ارتكاب الجريمة على الأراضي اللبنانية تصبح متابعتها من اختصاص القضاء اللبناني، كما ينص قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية".

علامات استفهام

ويربط مدير "سيدار" بين غض نظر الأجهزة الأمنية عن عمليات الخطف التي تطال السوريين وبين الضغوط التي يتعرضون لها لترحيلهم، قائلاً "هل غض النظر هذا نوع من الضغط عليهم لترحيلهم، كما هو الحال مع الضغط العنصري الذي تمارسه الحكومة اللبنانية وبعض الأحزاب؟ إذ لا يعقل أن تُرتكب جرائم بهذه الفظاعة من دون توقيف أي من هذه العصابات".

ويشدد: "إذا كانت الأجهزة الأمنية عاجزة عن توقيف هذه العصابات، فلتعترف بذلك، لكي نستعين بخبرات خارجية. في هذه الحالة، يمكننا تقديم مشروع قانون للمجلس النيابي اللبناني يسمح بتشكيل فريق تحقيق خاص خارج إطار الأجهزة الأمنية، كما يحدث في بعض الدول".

ورغم الاتهامات التي تطال القوى الأمنية اللبنانية بالتقصير في متابعة عمليات خطف السوريين، يؤكد مصدر في قوى الأمن الداخلي أن "أي عملية خطف تطال سوريين في لبنان تخضع للمتابعة والملاحقة، لكن عند نقل المخطوفين إلى سوريا، تصبح القضية أكثر تعقيداً. مع العلم أن جميع السوريين الذين يتم استدراجهم وخطفهم في لبنان ينقلون لاحقاً إلى الأراضي السورية".

وسبق أن حذرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي - شعبة العلاقات العامة - السوريين من الوقوع في فخ عصابات خطف "تستدرج ضحاياها، تختطفهم وتبتز ذويهم، ومنهم من لقي حتفه على يدها".

وشرحت في بلاغ أنه "أثناء متابعة شعبة المعلومات لهذا الملف، وتوقيفها أفراد شبكات وعصابات تنفّذ هذه العمليات، تبيّن لها أن أفراد هذه الشبكات يستدرجون ضحاياهم من السوريين إلى الحدود اللبنانية السورية بطرق متعددة، منها عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة تطبيق "تيك توك"، حيث يُنشئون حسابات وهمية تستخدم في عمليات الاستدراج".

وأضافت أن "أفراد العصابات يوهمون ضحاياهم بإمكانية تزويدهم بتأشيرات دخول إلى دول الاتحاد الأوروبي، ويُطلب منهم التوجه إلى الحدود اللبنانية السورية لختم جوازات السفر. عند وصولهم إلى منطقة البقاع، يتم خطفهم ونقلهم إلى الداخل السوري، وطلب فدية مالية من ذويهم مقابل تحريرهم".

كما يستدرج أفراد هذه الشبكات ضحاياهم من خلال "عمليات التهريب عبر المعابر غير الشرعية من وإلى الداخل اللبناني. ويوهمون ضحاياهم بإمكانية تهريبهم بطريقة غير شرعية مقابل مبلغ مالي، وعند وصولهم إلى الحدود اللبنانية السورية، يقومون بابتزازهم وخطفهم وطلب فدية مالية من ذويهم مقابل تحريرهم وعدم تعريضهم للأذى".

تقع مسؤولية جرائم الخطف التي تطال السوريين في لبنان، بحسب الأسمر، على السلطة اللبنانية التي عليها "تسهيل تقديم الشكاوى والتحقيق في عمليات الخطف حتى دون دعوى مباشرة من عائلاتهم، كما يجب عليها ضبط الحدود، حيث تُنفّذ أغلب عمليات الخطف هناك أو يُنقل المخطوفون إليها، كما يجب معاقبة ومحاسبة الخاطفين، ومن يحميهم".

أما المطلوب، بحسب شحادة، فهو "رفع الغطاء الأمني عن هذه العصابات، خاصة في المناطق البقاعية الحدودية، واجتثاثها من البؤر التي تتمركز فيها. لا يعقل أن نستيقظ يوماً بعد آخر على فيديوهات تعذيب لأشخاص في بلد من المفترض أنه واحد من الدول الأربعة التي صاغت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي كان دائماً ملاذاً آمناً للاجئين السياسيين وحرية التعبير، كما لا يعقل أن يتحول لبنان إلى بلد عصابات واتجار بالبشر، فهذا مسيء لسمعته وللسوريين وأي مقيم فيه".

تمثّل "ظاهرة خطف السوريين في لبنان انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان"، كما يشدد صبلوح "ويجب وقفها من خلال تعاون مشترك بين السلطتين القضائيتين اللبنانية والسورية والمنظمات الدولية لحماية هؤلاء وضمان أمنهم، وإلا فلنشكل فريق تحقيق خاص لمتابعة هذا الملف".

من جانبه يرى صاحب "وينية الدولة" أن "عمليات الخطف مستمرة، ولا يبدو حتى الآن أن هناك قراراً سياسياً أو عسكرياً للتعامل مع هذه الظاهرة بيد من حديد".