صورة تعبيرية لعناصر من جيش النظام السوري - أرشيف.
صورة تعبيرية لعناصر من جيش النظام السوري - أرشيف.

اعتبر نشطاء وحقوقيون محليون من السويداء، أن إرسال النظام السوري تعزيزات عسكرية كبيرة إلى محافظتهم الجنوبية التي تشهد حراكا سلميا يطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ينطوي على "رسائل تهديد"، وذلك وسط مخاوف من تحولها إلى مواجهات عسكرية.

وأوضح رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في تصريحات إلى موقع "الحرة"، أن إرسال تلك التعزيزات بدأ "قبل انتهاء أزمة الطالب الجامعي، داني عبيد، الذي أفرجت عنه سلطات دمشق مؤخرا، إثر اعتقاله في فبراير الماضي بتهمة النيل من هيبة الدولة".

وكان قد جرى اعتقال ذلك الطالب، الذي يبلغ من العمر 20 عاما، خلال تواجده في السكن الجامعي بمدينة اللاذقية الساحلية، حيث تعرض للضرب والتعذيب في مقار للأمن، وفقا لما ذكرت والدته في حديث سابق.

وللإفراج عنه، أقدمت فصائل محلية في السويداء على احتجاز عدد من ضباط وعناصر الجيش والشرطة التابعين للنظام السوري في المحافظة، إلى أن أفضت وساطات إلى إطلاق سراحهم على دفعتين قبل وبعد عودة الطالب، الإثنين، إلى بيت ذويه.

وعن آخر تطورات إرسال قوات وميليشيات عسكرية إلى المحافظة التي تشهد احتجاجات سلمية منذ 17 أغسطس من العام الماضي، للمطالبة بتنفيذ القرار الدولي 2254 الهادف إلى إنهاء الأزمة الدامية التي تشهدها البلاد منذ نحو 13 عاما، قال الناشط الإعلامي، حمزة المعروفي، لـ"موقع الحرة": "على مدى 5 أيام، دخل المحافظة ما يقارب ١٠٠ سيارة تحمل رشاشات متوسطة، و10 دبابات وأكثر من 500 عنصر".

وتابع المعروفي، المقيم في السويداء: "تم دخول الرتل الأكبر إلى مطار خلخلة العسكري.. في حين أن الدفعة الأولى من العناصر دخلت إلى فرع المخابرات الجوية، بينما وزع عناصر آخرون على فرع أمن الدولة وفوج عسكري في أحراج بلدة قنوات".

تحذير من التصعيد

وفي ذات المنحى، رحب العديد من الإعلاميين والنشطاء المواليين للنظام بدخول القوات النظامية إلى السويداء، حيث اعتبروها تمهيدا لـ"إنهاء المشروع الانفصالي وعودة المحافظة إلى حضن الوطن".

وفي هذا الصدد، قال الكاتب والمحلل السياسي الموالي للنظام، محمد هويدي، في تغريدة له على منصة "إكس": "يبدأ إسقاط مشروع فدرلة سورية من الجنوب بإقصاء (عملاء قاعدة التنف)، ثم يمتد إلى الفروع في الشمال والشرق".

جانب من الاحتجاجات السلمية التي تشهدها السويداء
مع دخوله شهره الخامس.. ما مآلات الحراك السلمي في السويداء ضد النظام السوري؟
مع دخول الاحتجاجات السلمية التي تشهدها محافظة السويداء، جنوبي سوريا، شهرها الخامس، وهي لا تزال تصر على المطالبة بإسقاط نظام بشار الأسد، وإيجاد تسوية سياسية للأزمة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من 12 وفقا لقرارات الشرعية الدولية، فإن العديد من الأسئلة يجري طرحها بشأن مستقبل ذلك الحراك، ومدى قدرة سلطات الأمر الواقع في دمشق على احتوائه والسيطرة عليه.

ويتماشى كلام هويدي، مع ادعاءات سابقة ومكررة تتهم الحراك السلمي في السويداء، بأنه يحمل "أجندة غربية تسعى إلى انفصال السويداء" عن "الوطن الأم"، وهو الأمر الذي نفاه أبرز نشطاء الحراك.

في المقابل، حذر ت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدورز على لسان شيخ العقل، حكمت الهجري، من أي تصعيد محتمل في المحافظة.

وأوضح الهجري في بيان صدر الإثنين : "نحذر أية جهة كانت من أي تصعيد أو تحريك أو تخريب أو أذية مهما كان نوعها، ونحمل المسؤولية كاملة عن أي نتائج سلبية أو مؤذية هدّامة قد تترتب على أي حماقة أو تصرفات أو إجراءات مسيئة".

وشدد البيان على أن "الشعب مستمر ومثابر بأعلى صوته وسلميّته ورقيّه لطلب حقوقه عبر النداءات المحقّة، بسلمية تحت ظلال الدستور والقوانين الخاصة والدولية".

وتابع: "لن يستطيع أي فاسد أن يمنع نور الحق من الوصول، ولا أن يقف أمام الإرادة الشعبية الوطنية الصادقة.. ولا تنازل عن الأصول.. ولكل واقعة ما تستحقه.. وعندنا لكل موقع رجاله".

"رسائل تهديد"

ولدى سؤال رئيس المرصد السوري لحقوق الإنسان، عما إذا كانت التحركات الأخيرة تحمل أي نذر للتصعيد، أجاب: "في  الوقت  الراهن فإن النظام في دمشق ليس في موقع قادر فيه على التصعيد مع أهالي السويداء".

وزاد: "نظام الأسد وصل إلى مرحلة من الوهن والضعف الكبيرين، والدليل على ذلك أنه تنازل وقبِل إطلاق سراح الطالب المعتقل، مقابل الإفراج عن عناصره وضباطه الذين جرى احتجازهم".

أما الأكاديمي والمحلل السياسي، فايز القنطار، فرأى حديثه إلى موقع "الحرة"، أن "استمرار النظام السوري في إرسال التعزيزات العسكرية إلى محافظة السويداء أمر يبعث على القلق، خصوصا في غياب أي رد فعل من القوى الدولية الفاعلة في المنطقة، خاصة التي لديها قوات على الأرض".

وتابع الأكاديمي الذي ينتمي إلى نفس المحافظة: "لم نسمع أو نشاهد صدور أي تنبيه أو تحذير لرأس النظام، الأسد، من مغبة محاولة الاعتداء والهجوم على المظاهرات السلمية التي تشهدها السويداء منذ عدة شهور".

وأكد القنطار أنه من "الصعب التهكن بالأهداف التي يرمي إلى تحقيقها النظام من وراء إرسال مثل تلك الحشود، لكن إرهاب المحتجين يعد من أهم غاياتها، خاصة  بعد أن رفض أهالي المحافظة الاعتقالات التعسفية الإجرامية، والتي تعد بالأساس جزءا من طبيعة ذلك النظام منذسيطرته على الحكم".

وشدد عى "أن احتجاز عناصر من النظام كان الخيار الوحيد المتاح لإطلاق سراح المعتقلين الذي جرى الزج بهم في السجون بطريقة تعسفية، تخالف أدنى حقوق الإنسان".

من جانبه، اعتبر رئيس تحرير "شبكة السويداء 24"، ريان معروف، في اتصال مع موقع "الحرة"، أن "قضية  الطالب عبيد وما تبعها من تداعيات، كانت مجرد مبرر لإرسال كل تلك الحشود، لأن أزمته انتهت بالإفراج عنه وإطلاق سراح جميع الضباط والعناصر".

وقال معروف إن "الوضع يبعث على القلق بعد وصول كل تلك التعزيزات، ففي السابق أرسل النظام تعزيزات أمنية وعسكرية في عدة مناسبات، وكانت تتخذ إجراءات محدودة مثل نشر دوريات وإقامة بعض الحواجز، ثم تنسحب تلك العناصر بعد فترة قصيرة دون أن تحدث أي تغيير في المشهد".

وأردف: "لكن الملفت هذه المرة أن النظام لم يكتف بإرسال تعزيزات أمنية بسيطة، بل حشد لواءً كاملاً من الحرس الجمهوري مدعوما بالدبابات والعربات العسكرية في مطار خلخلة، شمال السويداء".

وبدوره، ذهب الناشط الإعلامي، المعروفي، إلى تأييد ما سبق ذكره، قائلا: "في الأحوال العادية كان من المفترض أن تكون تلك التحركات عادية وروتينية باعتباره (جيش الوطن)، لكن الحالة مختلفة اليوم، فالسويداء تشهد منذ نحو 8 أشهر مظاهرات يومية تطالب بإسقاط النظام، وبالتالي يمكن تفسير قدوم تلك التعزيزات بأنها لقمع المحتجين ووأد الحراك الشعبي السلمي".

هل يحدث التصعيد؟

وشدد القنطار للحرة، على أن "الرسالة الأولى من تلك التعزيزات غير المسبوقة خلال فترة الحراك السلمي، تنطوي على إيحاءات بالتهديد، لكن في حال توفرت الظروف الدولية الإقليمية الملائمة للنظام، فإنه سيسعى لأن يعيد فرض سطوته بالحديد والنار على السويداء".

واعتبر  القنطار أنه "في ظل انشغال العالم بملفات أخرى مثل غزة وأوكرانيا، فإن قوات الأسد قد تقدم على ارتكاب مثل تلك الحماقة، خاصة أن النظام غير آبه بسفك الدماء، سواء بين أنصاره أو في صفوف المعارضين والمدنيين المطالبين بالحرية والكرامة بطرق سلمية وحضارية".

من جهته، ورغم استبعاده حصول أعمال عسكرية واسعة النطاق على المدى المنظور، أوضح معروف أن "النظام قد يلجأ لعمليات وإجراءات أمنية محددة، مما قد يؤدي في أي وقت إلى التدحرج نحو العنف، في ظل الظروف التي تعيشها السويداء حاليا".

أما المعروفي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب تتعلق بسلامته، فاعتبر أن "التخوفات بشأن عمليات عسكرية ضد المحافظة موجودة منذ سنوات، قبل بدء الحراك السلمي، خاصة أن سكانها كانوا قد رفضوا الانخراط في أية عمليات قتالية من مبدأ (دم السوري على السوري على حرام)".

وشدد المعروفي على أن "الضخ الإعلامي الكبير الذي رافق التحشيدات والبيانات غير الرسمية على الصفحات الوهمية فتحت باب الخوف والتأويلات، وأظن أن الأمر لن يتجاوز حدود عمليات محدودة في محاولات لاعتقال (الفارين) والمطلوبين لـ(الخدمة العسكرية)". 

وتجدر الإشارة إلى أن آلاف الشبان في محافظة السويداء رفضوا الخدمة الإلزامية في صفوف قوات النظام منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في مارس 2011، كما رفض الكثير ممن كانوا يؤدون الخدمة الإجبارية، قبل بدء الأزمة، العودة إلى معسكراتهم وقواعدهم خارج المحافظة.

وبشأن مخاوف حدوث أعمال تخريب وتدمير في السويداء، أجاب معروف: "هي موجودة حتى لدى الموالين للنظام في المحافظة، فالجيش لم يتحرك فعليا في أي منطقة بسوريا إلا ورافقت تحركاته أعمال تخريب وتدمير وقتل وتهجير".

لكن المعروفي خلص إلى أن "جيش النظام لا يحتمل أن يفتح جبهات جديدة، خاصة أن لديه في السويداء موالين وعصابات مسلحة قد ينقلبون عليه بأية لحظة، وعليه فإن الحراك السلمي مستمر مهما اشتدت الحملات الأمنية وأساليب التخويف".

أما القنطار، فأكد أن "السويداء، ورغم عدم وجود ظهير إقليمي أو دولي لها، فإن أهلها وعبر التاريخ عرفوا كيف يدافعون عن أنفسهم، حيث خاضوا جولات بطولية ضد العديد من الاحتلالات".

وختم بالقول: "ومع ذلك، فإن التصعيد الميداني سيترك آثارا قاسية على المجتمع المحلي، وأكرر أن ما يبعث على القلق حتى الآن هو غياب رد الفعل الدولي بشأن التطورات الأخيرة، وهذا يشكل علامة استفهام كبرى".

يوجد أكثر من 13 مليون سوري "مهجرون قسرا"
يوجد أكثر من 13 مليون سوري "مهجرون قسرا".

يعيش اللاجئون السوريون في "اليوم العالمي للاجئين" الذي يصادف 20 يونيو من كل عام ظروفا لا يمتنونها لغيرهم من بقية البلدان، وبحسب حقوقين وناشطين تحدث إليهم موقع "الحرة" وأرقام رسمية من جانب الأمم المتحدة لا يلوح في أفق مستقبلهم حتى الآن أي بارقة أمل.

وعلى العكس تتدحرج الأمور باتجاه الأسوأ في ظل "حملات العودة القسرية" التي بات يعلن عنها باستمرار تحت إطار "العودة الطوعية"، ومع تحول ملفهم شيئا فشيئا إلى "أوراق سياسية" و"مساحة ابتزاز".

ووفقا لآخر إحصائيات الأمم المتحدة يوجد أكثر من 13 مليون سوري "مهجرون قسرا"، وفي عام 2023 وحده نزح 174 ألف شخص آخرين داخل سوريا، ليصل العدد الإجمالي إلى 7.2 مليون نازح داخليا، و6.5 مليون لاجئ وطالب لجوء في الخارج.

وتقول المنظمة الأممية في بيان حديث لها إن الأرقام المذكورة تمثل "كوارث إنسانية لا حصر لها"، ولكل منها "قصة خسارة".

ولا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم، ويتوزع اللاجئون بغالبيتهم العظمى في تركيا (أكثر من 3 ملايين لاجئ) ويليها لبنان ومن ثم الأردن والعراق ووصولا إلى الدول الأوروبية، على رأسها ألمانيا.

ورغم التأكيدات المستمرة من جانب الأمم المتحدة بأن "سوريا غير آمنة لعودتهم" اتجهت دول مؤخرا لإطلاق "حملات إعادة طوعية" تراها منظمات حقوق إنسان "قسرية"، وأن آلياتها تنطوي على الكثير من المخاطر والترهيب والتضييق.

ويؤكد ما سبق تقرير نشرته "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، الخميس، إذ قالت فيه إنها وثقت ما لا يقل عن 4714 حالة اعتقال تعسفي لعائدين من اللاجئين والنازحين على يد قوات النظام السوري، منذ مطلع 2014 وحتى شهر يونيو 2024.

الشبكة الحقوقية وثقت من جانب آخر مقتل ما لا يقل عن 367 مدنيا بينهم 56 طفلا و34 سيدة و43 شخصا تحت التعذيب واعتقال 828 شخصا في البلاد الممزقة خلال عام 2024.

وجاء في تقريرها أيضا أن "الانتهاكات التي ما زالت تمارس في سوريا؛ والتي كانت هي السبب الرئيس وراء هروب ملايين السوريين من بلدهم ما تزال مستمرة".

وفي حين أكدت أن تلك الانتهاكات هي السبب الرئيس وراء عدم عودة اللاجئين بل وتوليد المزيد منهم أشارت إلى غياب أي أفق لإيقافها أو محاسبة المتورطين فيها، وعلى رأسها قوات النظام السوري.

لا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم.

"تقييد.. ضغط.. عودة"

وكانت السلطات اللبنانية اعتمدت خلال الأشهر الماضية "سلسلة من السياسات التقييدية المصممة للضغط على اللاجئين للعودة إلى سوريا"، بحسب منظمة "العفو الدولية".

وتبع ذلك اتجاهها إلى إطلاق "حملة عودة طوعية" استهدفت في آخر فصولها أكثر من 330 شخصا تم تنسيق إعادتهم إلى مناطق سيطرة النظام السوري عبر المعابر البرية.

المنظمة ذاتها اعتبرت أن "السلطات اللبنانية بتسهيلها عمليات العودة تلك تتعمد تعريض اللاجئين السوريين لخطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".

وقبل ذلك بأشهر أشارت مع منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى سياسات مشابهة كانت الحكومة التركية قد اتبعتها بحق مئات اللاجئين السوريين، حيث تم إعادتهم "قسرا" إلى شمال سوريا.

ويتركز في تركيا ولبنان أكبر تجمع للاجئين السوريين في العالم، بتواجد زهاء خمسة ملايين سوري فيهما.

ويعيش هؤلاء "في ظل هشاشة قانونية وفعلية كبيرة"، بحسب بيان نشره "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، يوم الخميس.

فمن ناحية ووفقا لبيان المركز يرفض هذان البلدان (لبنان، تركيا) منح صفة اللاجئين للمواطنين السوريين ويحجمان دور مفوضية اللاجئين تجاههم وتظل الأطر القانونية التي وضعاها للتعامل معهم قاصرة إلى حد كبير.

كما تشرع تلك الأطر للتجاوز على الحقوق الأساسية للاجئين، وتخرق اللالتزامات الدولية لهذين البلدين ونظمها القانونية الداخلية.

ومن ناحية أخرى يواجه اللاجئون "حملات كراهية وممارسات عنصرية تجاوزت مجرد الظواهر الاجتماعية، لتتجسد في سوء المعاملة الذي يلقونه من الدوائر الرسمية".

وتهدف تلك الممارسات فعليا بحسب تصريحات مسؤولين البلدين إلى وضع السوريين "تحت ضغط لا يقاوم ولا يترك لهم خيارا آخرا غير العودة إلى سوريا رغم الأحداق المحدقة بهم فيها"، وفق "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير".

لا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم.

"خصوصية نوعية"

ويعتبر الكاتب والناشط السياسي السوري، حسن النيفي، أن قضية اللاجئين السوريين تكتسي "خصوصية نوعية" من جهة سيرورتها الدرامية التي جعلت منها مأساة إنسانية تطال ثلثي الشعب السوري، ما بين لاجئ خارج حدود البلاد، ونازح داخل المخيمات سواء في الشمال أو الشرق من سوريا.

ورغم أن ظروف الحرب دفعت الكثيرين إلى مغادرة البلاد السورية باتجاه بلدان الجوار وأوروبا يقول النيفي لموقع "الحرة" إنه "ثمة سياسة ممنهجة مارسها نظام الأسد بغية التخلّص من حواضن الثورة، وفقا لنظرية التجانس التي أعلن عن تبنّيها رأس النظام أكثر من مرة".

وبناء عليه كانت الحرب التي شنها النظام على المدن والبلدات السورية، والتي غالبا ما كانت تنتهي بتهجير جماعي، و"هذه بحد ذاتها جريمة إنسانية كبرى تنص على تجريمها معظم القوانين الدولية"، حسب الكاتب السوري.

ويجب التمييز بين شرائح كثيرة للاجئين السوريين، وفقا للبلد الذي هاجروا إليه، وذلك من جهة طبيعة المعاملة التي يواجهونها.

"اللاجئون السوريون في بلد كلبنان يواجهون معاملة سيئة محفوفة بكافة أشكال التضييق، وربما انتهت في أحوال كثيرة إلى إعادتهم لنظام الأسد"، كما يضيف النيفي.

أما في الأردن وتركيا فلا يختلف منهج المعاملة من حيث عدم استناده إلى القوانين التي تحفظ حق اللاجئين، ولكن الاختلاف يبقى في "درجة التضييق وليس في المبدأ".

ويتابع النيفي أن "اللاجئون السوريون في أوروبا وحدهم قد حصلوا على حق وحماية اللاجئي بفعل القوانين النافذة، وعدم السياسات الأوربية للقوانين الإنسانية التي تحمي اللاجئين".

اللاجئون السوريون معرضون لخطر انتهاكات حقوق الإنسان

"قلق موضوعي وعملياتي"

ومن جهته يشير الحقوقي السوري ومدير "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، مازن درويش، إلى أن حالة القلق التي تساور المنظمات الحقوقية المعنية بشأن وضع اللاجئين لا تنسحب على أولئك المقيمين في تركيا أو لبنان بل حتى المتواجدين في البلدان الأوروبية، ولاسيما مع تصاعد وتتضاعف موجة اليمين.

ويقول لموقع "الحرة": "قلقنا ليس رفاهية بل موضوعي وعملياتي".

وترتبط أسبابه على نحو خاص ومحدد بعمليات "الإعادة القسرية" التي باتت تتم بشكل يومي ومطرد بازدياد.

وبحسب توثيقات المركز الحقوقي الذي يديره درويش تعرض أشخاص كثر لمخاطر بعد عملية إعادتهم إلى مناطق سيطرة النظام السوري.

ويقول الحقوقي السوري إن "لديهم أرقام لأشخاص تعرضوا لإخفاء قسري واعتقال وتعذيب"، وأخبار عن أشخاص فقدوا حياتهم بعد أن تمت إعادتهم "قسرا" إلى سلطة النظام السوري.

علاوة على ما سبق، وفيما يتعلق باللاجئين الموجودين حتى الآن في البلاد التي تتبع ضدهم سياسات تقييدية يوضح درويش أنهم "يتعرضون لكل أشكال الضغط الاقتصادي وحملات الكراهية".

ويضيف أنه "يتم تحميلهم كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، مما يؤدي إلى مزيد من القهر والظلم حتى لو لم تشملهم حملات الإعادة".

يعاني السوريون في عموم المناطق السورية، ظروفا معيشية ونفسية قاسية

"مكسر عصا ومساحة ابتزاز"

ورغم مرور 13 عاما على الحرب في سوريا ماتزال المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري تحكمها سياسة أمنية "متوحشة" بحسب تقارير منظمات حقوقية سورية ودولية.

وفي غضون ذلك لم يقدم النظام السوري حتى الآن أي خطوة على صعيد المعتقلين في سجونه، والكشف عن مصير المختفين قسريا المقدرة أعدادهم بمئات الآلاف.

ويوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني أن "العائق الأكبر لعودة اللاجئين السوريين هو الوضع الأمني المتوحش، الذي تمارسه أجهزة النظام السوري".

ويقول لموقع "الحرة": "استراتيجية النظام كما قال للدول العربية: أعطونا أموال لكي نعيد اللاجئين، وكأن الذي تدمّر في سوريا لم يكن بفعل جيش النظام والبراميل التي ألقاها على المدن بعد محاصرتها"، حسب تعبيره.

ويرى الكاتب السوري النيفي أن قضية اللاجئين "باتت إحدى الأوراق التي يمسك بها نظام الأسد ويحاول استثمارها بهدف المزيد من ابتزاز الدول من جهة".

ومن جهة أخرى يستخدمها "للحصول على النسبة العظمى من المساعدات الإنسانية التي تدفع بها الدول، وتوظيفها بالطريقة التي تخدم مصالحه الأمنية والاقتصادية"، بحسب الكاتب السوري.

ويشير الحقوقي السوري درويش إلى أن "عمليات التهجير التي حصلت على مدى السنوات الماضية في سوريا كانت ممنهجة من جانب النظام السوري، ولم تتم على هامش الأعمال العسكرية".

وبالتالي لا يعتقد أن "النظام السوري لديه الرغبة الحقيقة بعودة اللاجئين".

ويضيف درويش أن "تهجير السوريين للخارج هو جزء من إعادة الهندسة الديمغرافية التي تحدث عنها مسؤولو النظام لأكثر من مرة وبشكل علني".

ويتابع: "النظام من ناحية يمارس لعبة الابتزاز بخصوص ملفهم، وفي المقابل هو حريص على عدم عودتهم".

لا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم.

"تخضع للتفاهمات السياسية"

على مدى السنوات الماضية كان ملف اللاجئين في تركيا صلب حديث السياسيين وعندما كانوا يشيرون إلى آخر تطورات التواصل الاستخباراتي والدبلوماسي مع نظام الأسد، برعاية روسية وإيرانية.

وفي لبنان أقحم المسؤولون هناك ذات الملف في أثناء زيارتهم إلى دمشق أو خلال تصريحاتهم التي كانوا يقدمونها لمحطات التلفزة وعبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

ورغم أن الأضواء دائما ما تتسلط على دول الجوار وما يتعرض له اللاجئون هناك يشير الحقوقيون إلى أن "عدوى التضييق" لم يعد لها حدود.

ويعتبر الحقوقي درويش أن "اللاجئين تحولوا في الوقت الحالي إلى كارت سياسي وساحة للابتزاز الدولي".

ويوضح أنه "حتى في الديمقراطيات الأوروبية نرى كيف يتم استخدام ملف اللاجئين ككارت سياسي بين الخصوم السياسيين، مما يجعلهم مكسر عصا وخاصرة رخوة داخل المجتمعات التي يتواجدون فيها".

درويش يشير في سياق متصل إلى "مصادقة الاتحاد الأوروبي على قانون الهجرة الجديد، والذي يحول اللاجئين لمجرمين حتى يثبت العكس" وإلى الإجراء الأخير الذي اتخذته المملكة المتحدة بعملية نقل اللاجئين إلى دولة ثالثة.

ويرى أن لكلا الحالتين "تبعات خطيرة"، وأن الأمور تخطت حد "الإجراءات الإدارية والسياسيات الإعلانية".

وبدوره الكاتب والناشط السياسي النيفي أن "قضية اللاجئين اكتست تعقيدها من جهة طغيان السياسات على القوانين".

وفي حين يقول إنها "باتت تخضع بشكل مباشر للتفاهمات والمصالح السياسية، ولا تخضع للمرجعيات القانونية والإنسانية" يعتقد أنه "وفي ظل غياب حل سياسي عادل وشامل للقضية السورية سوف تبقى قضية اللاجئين تزداد مأسوية وتعقيدا".