SyrianPresidency
الولايات المتحدة تقول إن أسماء الأسد قادت الجهود لمصلحة النظام لترسيخ سلطته الاقتصادية والسياسية | Source: SyrianPresidency

تلقف سوريون خبر الإعلان عن إصابة زوجة رأس النظام السوري أسماء الأسد بسرطان الدم بحذر، واستندت تعليقاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الدور اللافت الذي لعبته منذ عام 2018، والهالة التي أحاطت باسمها ضمن المسرح الاقتصادي للبلاد.

وجاء في بيان نشرته رئاسة النظام السوري، يوم الثلاثاء، أن تشخيصها بمرض الابيضاض النقوي الحاد (لوكيميا) جاء بعد ظهور أعراض وعلامات سريرية، تبعتها سلسلة من الفحوصات.

وأضاف أنها ستخضع لبروتوكول علاجي متخصص يتطلب شروط العزل مع تحقيق التباعد الاجتماعي المناسب، و"ستبتعد عن العمل المباشر والمشاركة بالفعاليات والأنشطة كجزء من خطة العلاج".

وهذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها النظام إصابة أسماء الأسد والبالغة من العمر 48 عاما بمرض السرطان، وكانت قد شفيت بحسب "الرئاسة" ذاتها في عام 2019، بعدما خضعت لبروتوكول علاجي خاص بمرض سرطان الثدي الذي أصابها في 2018.

قبل 2018 لم يكن اسمها يتردد إلا بالشيء البسيط وعندما كان تركيز المراقبين والصحفيين والباحثين منصبا على محطات حياة بشار الأسد قبل تسلمه دفة الحكم في سوريا أو عندما كان في بريطانيا، البلد الذي تعرف فيها على أسماء وتزوجها فيما بعد.

لكن وبعد العام المذكور طرأ تحوّل لافت على البيت الداخلي لعائلة بشار، وتمثل بصعود زوجته أسماء إعلاميا وبالتدريج، وذلك ضمن الفعاليات التي كانت تقيمها المنظمة المرتبطة بها (الأمانة السورية للتنمية)، أو على صعيد المشهد الاقتصادي للبلاد وأحوال جرحى وعوائل قتلى قوات "الجيش السوري".

"محطة مخلوف وما بعدها"

وتقول الولايات المتحدة الأميركية إن "أسماء الأسد عرقلت الجهود المبذولة للتوصل إلى حل سياسي، وقادت الجهود لمصلحة النظام لترسيخ سلطته الاقتصادية والسياسية، بما في ذلك استخدام ما يسمى بالمنظمات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني".

وعلى أساس ذلك استهدفتها بعقوبات، في شهر ديسمبر 2020، مع والدها فواز الأخرس، وعددا من أفراد العائلة هم سحر عطري الأخرس وفراس وإياد الأخرس.

كما أوضحت وزارة الخارجية الأميركية في بيان سابق أن أفراد عائلتها "تراكمت ثرواتهم غير المشروعة على حساب الشعب السوري من خلال سيطرتهم على شبكة مكثفة وغير مشروعة، مع ارتباطات بأوروبا والخليج وأماكن أخرى".

ولم يكن التحرك الأميركي قبل 4 سنوات عن فراغ، بل جاء في أعقاب سلسلة تطورات ارتبطت بمجملها بأسماء الأسد، وسلط موقع "الحرة" الضوء عليها بعدة تقارير سابقة، وكذلك وسائل إعلام أميركية وبريطانية.

وكان موقع "الحرة" نقل عن مصادر وخبراء في 2020 أن زوجة الأسد شكّلت في تلك الفترة لجنة تحمل اسم (استرداد أموال الفاسدين وتجار الأزمة)، وأناطت بها دور تحصيل الأموال من مسؤولين ورجال أعمال وتجار حروب.

الضحية الأكثر شهرة لعمليات المصادرة كان رامي مخلوف رجل الأعمال ابن خالة زوجها، إذ سيطرت أسماء على مؤسسته المعروفة باسم "جمعية البستان"، وشبكتها العلوية الواسعة، مما وسع سيطرتها على قطاع المساعدات.

وبموازاة ذلك سيطرت على شركة الاتصالات الشهيرة التي كان يمتلكها (سيرياتيل)، وأسست فيما بعد شركة خاصة بها تعرف باسم "إيما تيل".

وشيئا فشيئا وسّعت أسماء الأسد دورها على مسرح اقتصاد البلاد.

وتبين فيما بعد أن اللجنة التي تردد الحديث عنها أولا لا تنفصل عما بات يعرف لاحقا وعلى نطاق واسع بـ"المكتب السري"، الذي يتبع للقصر الجمهوري.

أسماء الأسد وزوجها بلقطة أرشيفية
"العين على القصر".. أسماء الأسد و"مكتبها السري" تحت سيف العقوبات
تُعطي تفاصيل الحزمة الجديدة للعقوبات التي استهدف بها الاتحاد الأوروبي مسؤولين ورجال أعمال مقربين من النظام السوري مؤشرا عن مساعٍ غربية للتركيز على أسماء الأسد والأوساط المحيطة بها، أو كما بات يعرف محليا بـ"مكتبها السري"، حسب ما يرى خبراء اقتصاد وقانون تحدثوا لموقع "الحرة".

صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية أشارت في أبريل 2023 إلى أن زوجة رأس النظام السوري هي من ترأس هذا "المكتب"، وهو مجلس غير رسمي، لكنه يلعب دورا بارزا في سوريا.

وأضافت أنها "عملت عبر منظماتها غير الحكومية ومن خلال مكتبها السري على بناء شبكة محسوبية واسعة لعائلة الأسد، وحتى أنها باتت تتحكم في أماكن وصول أموال المساعدات الدولية في البلاد".

"تكامل وقوت السوريين"

وكان صعود زوجة الأسد اقتصاديا تزامن مع دخول سوريا الممزقة في حالة من التدهور الاقتصادي والمعيشي، انعكست بتدهور قياسي وصل إليه سعر صرف الليرة السورية في سوق العملات، وما نتج عنها من ارتفاع جنوني للأسعار.

وتوضح الأمم المتحدة أن 9 من كل 10 سوريين يعيشون تحت خط الفقر، وتقول إن أكثر من 15 مليون سوري، أي 70 بالمئة من إجمالي عدد السكان، يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية.

لكن في المقابل تعكس تقديرات أميركية سابقة صورة أخرى لـ"سوريا الأسد" كما يردد الموالون دائما.

وتقدّر وزارة الخارجية الأميركية أن صافي ثروة عائلة الأسد يتراوح بين مليار وملياري دولار، فيما تبلغ ثروات المقربين منه مليارات الدولارات.

وكشفت في مايو 2022 أن أسماء الأسد، التي أدرجتها على قوائم العقوبات، أسست شبكة تمارس نفوذا على الاقتصاد السوري، ناهيك عن نفوذها على اللجنة الاقتصادية التي تدير الأمور الاقتصادية في البلاد.

كما وسّعت نفوذها في القطاعات غير الربحية والاتصالات في السنوات الأخيرة، وأنها تسيطر على "الأمانة السورية للتنمية" التي أسستها لتوجيه تمويل المبادرات في المناطق الخاضعة للنظام.

وتشير الولايات المتحدة أيضا إلى أن ارتباط أسماء الأسد بشركة "تكامل"، التي تدير برنامج البطاقة الذكية في البلاد، والتي تستخدم لتوزيع الغذاء المدعوم من سوريا.

ويتولى إدارة هذه الشركة مهند الدباغ، ابن خالة أسماء وشقيقها فراس الأخرس. والاثنان مدرجان على قوائم العقوبات الأميركية.

 "ممثلوها في الواجهة"

ورغم أن الأضواء كانت مسلطة على نحو أكبر باتجاه أسماء الأسد، كانت الكثير من الأسماء تتردد عند ذكر اسمها وتفاصيل الأدوار التي تلعبها اقتصاديا.

وفي تصريحات سابقة لجويل رايبورن، الذي شغل منصب المبعوث الخاص لسوريا في وزارة الخارجية في عهد الرئيس السابق، دونالد ترامب قال: "ممثلوهم في الواجهة بارزون جدا، وكان من السهل استهدافهم".

من بين هؤلاء في الدائرة المقربة لأسماء، يسار إبراهيم، الذي خضع لعقوبات أميركية عام 2020 ويعمل رسميا بصفة مستشار اقتصادي للرئيس، ولكنه أيضا عضو في "المكتب السري" الذي تترأسه أسماء.

وبشكل غير رسمي، يتولى إبراهيم العديد من الشركات، التي أُجبر أصحاب الأعمال على بيعها، وفقا لرجال أعمال وخبراء تحدثوا سابقا لصحيفة "الغارديان" و"فاينانشال تايمز" البريطانيتين.

ومن بين الشخصيات في الدائرة المقربة لزوجة رأس النظام أيضا لينا كناية، التي قالت ثلاثة مصادر مطلعة لـ"فاينانشال تايمز" إنها إحدى مسؤولي العلاقات مع القطاع الخاص في القصر. وكناية أيضا مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية.

وتعد منظمة "الأمانة السورية للتنمية"، التي أطلقتها قبل الحرب وتتحكم بها الآن في المشاريع الإنسانية، مصدر القوة الرئيسي لقرينة بشار الأسد، حسب الصحيفة البريطانية.

ونقلت عن محللين وخبراء إغاثة في أبريل 2023 إن تجربتها (أسماء الأسد) في إدارة المنظمة غير الحكومية قبل الحرب سمحت لها بصياغة نظام مساعدة إنسانية "فاسد بشكل منهجي في البلاد".

وقال رجل أعمال: "لم تكن المنظمات غير الحكومية قادرة على العمل دون الاتصال بها"، كما أضافت مصادر سورية وعمال إغاثة أن العلاقة كانت "سافرة" لدرجة أن أسماء تستضيف اجتماعات في مكتبها بالقصر الرئاسي للتفاوض بشأن عقود المنظمات غير الحكومية الدولية.

"صرخات من الساحل"

ولم يحد سيف العقوبات الذي استهدف أسماء الأسد من قدرتها على التحرك أو وقف نشاطاتها الفاسدة والمرتبطة بالنظام السوري ككل، خلال السنوات الماضية.

وحتى مع تراكم العقوبات ضد عائلتها وشركائها، بدت غير منزعجة. وفي أكتوبر 2022، ارتدت فستانا بقيمة 4500 دولار، وهو رقم يعادل 200 مرة على الأقل متوسط الراتب السوري.

وكانت قد كسرت حدود القصر الذي تعيش فيه بدمشق ورافقت زوجها إلى الإمارات، في مارس 2023، في أول زيارة خارجية لها منذ بدء الحرب.

كما رافقته مؤخرا إلى الصين، في سبتمبر 2023. وبدا سلوكها الإعلامي في تلك الزيارة لافتا على حد كبير، بعدما اتخذت مسارا ترويجيا مع مديرة مكتبها دانا بشكور حرفت من خلاله الأضواء باتجاهها.

SyrianPresidency
الأسد وانتخابات "البعث".. "رسائل للعرب"
بين صورتين متناقضتين هيمن "حزب البعث" في سوريا على مشهد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري خلال الأيام الأخيرة، وبينما كانت رموزه تسقط في السويداء وينثر المتظاهرون "التقارير" الموجودة في مراكزه، أشرف بشار الأسد على "انتخابات" داخله تمخض عنها قيادة مركزية جديدة، مع تعيينه أمينا عاما من جديد.

وفي تصريحات سابقة لموقع "الحرة" قال الصحفي السوري، كنان وقاف إن زوجة رئيس النظام السوري "أطبقت على سوريا اقتصاديا منذ سنوات، من خلال المكتب الاقتصادي (المكتب السري) وفرع الخطيب الأمني".

وقال: "لا يوجد أي منافس لها حاليا بغض النظر عن بعض الفتات الذي ترميه لماهر الأسد، من خلال الحواجز وتجارة المخدرات والكبتاغون".

"كاقتصاد عادي هي المسيطر الوحيد، وفي الجانب الاجتماعي سيطرت في الفترة الأخيرة على كل الجمعيات الخيرية وحتى شركات الإنتاج الدرامية"، حسب حديث الصحفي وقاف.  

وفي مقابل صعودها الإعلامي، كان اسمها قد تردد خلال الأشهر الماضية على لسان نشطاء في الساحل، انتقدوا سياسة النظام السوري علنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وكسرت صرخات هؤلاء، من بينهم أيمن فارس ابن مدينة بانياس، الذي انتهى حاله بالاعتقال، الصمت الذي لطالما خيّم على مناطق الساحل السوري، التي توصف بأنها "الخزان المؤيد للأسد" وداعمه الرئيسي.

ووجه فارس، في أغسطس 2023، ضمن فيديو نشره على "فيسبوك" انتقادات وكلمات لاذعة استهدفت رأس النظام السوري.

وقال: "ماذا فعلت؟ أنت وزوجتك يا بشار الأسد أفقرتم الشعب وتهرّبون الأموال للخارج"، مضيفا: "سوريا كلها عبارة عن أفرع أمنية ورؤسائها يتحدثون بالقصور والمليارات.. وروح بلط البحر(افعل ما شئت)".

لماذا يشكك السوريون؟

ولايزال والدا أسماء الأسد يعيشان في لندن، بينما يعيش شقيقاها الآن في دمشق. 

وكان السبب الذي دفع سوريين للتشكيك بخبر الإعلان عن إصابتها بالسرطان مجددا قائما على غياب الشفافية من جانب نظام الأسد.

الإعلامي السوري، أنس أزرق الذي "يعرف النظام جيدا" كما قال عبر "فيس بوك" ركّز على عبارة تضمنها بيان الإعلان عن إصابتها بالسرطان. 

واعتبر أن "ابتعادها عن أي نشاط يعني بروز طاقم اقتصادي جديد بعد تصفية طاقم أسماء".

ويعتقد أزرق أن "إبعاد أسماء الأسد سببه استياء الحاضنة الاجتماعية للأسد منها ومن بطاقتها الذكية".

وبينما أضاف أنها "كبش الأسد الذي تم تضخيم دورها" تابع أن زوجها "يعيد ترتيب بيته الداخلي، بيته وليس سورية. الحزب، الأجهزة الأمنية، حلقة الاقتصاد".

بشار الأسد يحكم سوريا منذ عام 2000
"إعادة هيكلة داخل نظام مغلق".. ما الذي يريده بشار الأسد؟
بينما كانت التكهنات و"التسريبات" تحيط باسم علي مملوك، أشهر رجالات النظام السوري الأمنية والاستخباراتية و"المنصب الجديد الذي وضع فيه"، كشفت الرئاسة السورية، قبل أيام، عن اجتماعٍ ترأسه بشار الأسد، ضم قادة الأجهزة الأمنية في الجيش والقوات المسلحة.

وأوضح الباحث الاقتصادي السوري، سقراط العلو عبر حسابه الشخصي في "فيس بوك" أن "اجتثاث أسماء الأسد مُقلق لأنه الخطوة الأكثر جدية للنظام في مسار (خطوة بخطوة) العربي".

وقال إن "أول نتائج الخطوة ستكون غالبا صندوق التعافي المبكر في دمشق وبتمويل خليجي بعيدا عن تشبيح الأمانة السورية".

ولاحقا تابع العلو أننا "سنشهد إعادة هيكلة لشبكات الاقتصاد السوري بما يتلاءم مع متطلبات الخليج. وغالبا سيتصدر المشهد الاقتصادي وكلاؤهم من رجال الأعمال السوريين".

بشار الأسد
بشار الأسد

بينما يواجه السوريون في الخارج ضغوطا متزايدة للعودة إلى سوريا بحكم أنها "آمنة" يبعث النظام السوري برسائل تأخذ في ظاهرها شكل "القرارات" وترسخ في باطنها مناخ الخوف "واللاعودة" إلى البلاد، وفقا لمنظمات حقوق إنسان محلية ودولية.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" و"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" نشرتا تقريرا الخميس وثقتا فيه سلسلة "قرارات حجز احتياطي" أصدرتها وزارة المالية التابعة للنظام، منذ بداية 2024.

واستهدفت من خلال تلك القرارات أملاك مئات الأشخاص وعائلاتهم في بلدة زاكية الواقعة جنوب العاصمة السورية دمشق.

وقالت "رايتس ووتش" إن التجميد الجماعي للأصول يشكل "عقابا جماعيا وانتهاكا للحق في الملكية".

وبدوره أوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني لموقع "الحرة" أن القرارات التي صدرت خلال ستة أشهر "تشبه إجراءات السيطرة والنهب".

وأشار عبد الغني إلى أن النظام السوري كان أصدر في السنوات الماضية عدة قوانين "تنتهك حقوق الإنسان" وممتلكات السوريين، واعتبر أنها "عبارة عن نصوص أمنية بامتياز، وتصل إلى نقطة السيطرة".

كرم الخطيب هو أحد أبناء مدينة زاكية وورد اسمه مع عائلته في قرارات "الحجز الاحتياطي" التي أصدرتها وزارة المالية التابعة للنظام السوري، بشكل متسلسل بين شهري يناير ويونيو الماضيين.

ويقول لموقع "الحرة": "سألنا واستفسرنا عن أسباب إصدار القرارات ولم يصلنا أي شيء. الحجز طال كل شيء نملكه من سيارات ومنازل".

ويتابع: "حتى ابن عمي المعتقل حجز على أملاكه وأملاك أخرى لأخوالي وأعمامي وأبنائهم".

يتحدث الخطيب عن قوائم حجز كثيرة وأشبه بـ"عقوبة جماعية"، على حد تعبيره.

ويضيف أنها كانت مفاجئة ولم تقتصر على المعارضين فحسب، بل على شريحة واسعة من نساء ورجال ومعتقلين وأشخاص من أبناء زاكية يقيمون في إدلب وأوروبا ودول أخرى.

ماذا جاء في تقرير المنظمتين؟

في تقرير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" كشفت أن ما لا يقل عن 817 مدنيا في بلدة زاكية جنوب دمشق صدرت ضدهم قرارات جماعية بالحجز الاحتياطي، منذ مطلع عام 2024.

وقالت إن "سياسة الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة من قبل النظام تعد أحد أبرز الأساليب الفعَّالة، التي يستخدمها كأداة لتحقيق موارد مالية إضافية لخزينته".

ويستخدمها النظام أيضا "كعقوبة ضد معظم من عارضه وعائلاتهم، عبر تطبيق مزيد من التضييق والقيود القانونية والاجتماعية والاقتصادية ضدهم"، بحسب الشبكة الحقوقية.

وتظهر الوثائق الخاصة بالشبكة الحقوقية " أن المعتقلين تعسفيا والمختفين قسريا في مراكز الاحتجاز التابعة لقوات النظام والمشردين قسريا داخل وخارج سوريا من أوسع وأبرز المتأثرين بـ"الحجز الاحتياطي".

ويقول مدير الشبكة السورية، عبد الغني إن "الحجز الاحتياطي" ورغم أنه "مصطلح قانوني" يصدره النظام السوري "كقرار أمني ضد شخص مستهدف كمعارض له أو غير ذلك".

ويضيف أن النظام يوظف هذه القرارات ضد معارضيه، وبشكل أساسي النازحين والمختفين قسريا واللاجئين، والمتوفين غير المسجلين في النفوس. وهؤلاء يشكلون نصف الشعب السوري، وفق حديث عبد الغني. 

تستند قرارات "الحجز" بحسب "هيومن رايتس ووتش" إلى مرسوم صدر عام 2012.

ويخول هذا المرسوم وزارة المالية تجميد أصول الأفراد على ذمة التحقيق، للاشتباه في الإرهاب، بموجب "قانون مكافحة الإرهاب" الفضفاض في سوريا، وحتى لو لم يُتهموا بارتكاب جريمة.

وأشارت القرارات التي اطلعت عليها المنظمة المذكورة و"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" إلى بلاغات منفصلة من الفرع "285" سيئ السمعة التابع لإدارة المخابرات العامة، ومقره دمشق. 

كما تضمنت بيانا ختاميا يبرر إجراء "الحجز الاحتياطي" بالإشارة إلى تورط الأفراد في "الأحداث الجارية بالقُطْر".

"استراتيجية أوسع للعقاب الاجتماعي"

وقال آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط في "رايتس ووتش": "يبدو أن الطبيعة العشوائية للتجميد الجماعي للأصول في زاكية تعكس استراتيجية أوسع للعقاب الجماعي ضد المجتمعات المحلية في المناطق التي تم استعادتها".

وأضاف أن "استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتبرير تجميد الأصول والمصادرة غير القانونية هو سياسة متعمدة تهدف إلى الحفاظ على مناخ الخوف والقمع في مناطق المعارضة السابقة".

وبلدة زاكية هي واحدة من المناطق التي استعادتها قوات النظام السوري، بموجب اتفاقيات "التسوية"، التي تم استنساخها لأكثر من مرة قبل 2018 وبعد هذا العام.

ونقلت "رايتس ووتش" عن أحد الرجال الذين وقعوا على تلك الاتفاقيات قوله إن "قرارات الحجز الاحتياطي مزاجية واعتباطية وانتقامية وكيدية بطبيعتها".

وأشار إلى أنه وزوجته كانا مدرجين على القوائم، بالإضافة إلى 19 من أقاربه من الدرجة الثانية.

ويمكن لتجميد الأصول أن يُعرقل بشدة الاستقرار المالي للأشخاص، مما يحد من قدرتهم على الوصول إلى الأموال والحفاظ على الممتلكات وممارسة الأعمال التجارية، وبالتالي يفاقم الصعوبات الاقتصادية وربما يعرقل سبل عيشهم، بحسب "رايتس ووتش".

وقال أحد السكان للمنظمة: "لديّ قطعة أرض مساحتها ثماني دونمات أقوم بزراعتها. أدرِجت ضمن الأصول المجمدة".

وتابع: "والآن لا أستطيع بيعها أو تأجيرها. يمكنهم، بعد فترة، مصادرتها وأخذها. وكذلك الأمر بالنسبة لأصولي المنقولة".

كيف يعود السوريون؟ 

ووفقا لآخر إحصائيات الأمم المتحدة يوجد أكثر من 13 مليون سوري "مهجرون قسرا".

وفي عام 2023 وحده نزح 174 ألف شخص آخرين داخل سوريا، ليصل العدد الإجمالي إلى 7.2 مليون نازح داخليا، و6.5 مليون لاجئ وطالب لجوء في الخارج.

ويعتبر الحقوقي السوري عبد الغني أن "النظام السوري وبموجب قرارات الحجز الاحتياطي يضع يده على ممتلكات السوريين، مما يمهد له سهولة للسيطرة على نحو أكبر".

ويقول إن الإجراء التعسفي الذي لم يقتصر على زاكية فقط "يشكل أحد العوائق الأبرز لعودة اللاجين إلى البلاد".

"بعد فرض الحجز الاحتياطي كيف سيعود الشخص المستهدف"؟ يتساءل عبد الغني، ويعتبر أن "النظام لا يرغب بعودة اللاجئين والنازحين وهو ضد عودتهم بدون أدنى شك".

ورغم التأكيدات المستمرة من جانب الأمم المتحدة بأن "سوريا غير آمنة لعودتهم" اتجهت دول مؤخرا لإطلاق "حملات إعادة طوعية" تراها منظمات حقوق إنسان "قسرية"، وأن آلياتها تنطوي على الكثير من المخاطر والترهيب والتضييق.

وإلى جانب إجراءات "الحجز" كانت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" وثقت ما لا يقل عن 4714 حالة اعتقال تعسفي لعائدين من اللاجئين والنازحين على يد قوات النظام السوري، منذ مطلع 2014 وحتى شهر يونيو 2024.

وتقول "رايتس ووتش" إنها وثقت في السابق استخدام النظام السوري ترسانة من الأدوات التشريعية للاستيلاء على الممتلكات الخاصة للسكان دون وجه حق، ودون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة أو التعويض.

وتشمل هذه القوانين المرسوم 63 لعام 2012.

وبحسب المنظمة فإن مثل هذه القوانين تخلق عوائق كبيرة أمام عودة اللاجئين والنازحين الراغبين في استعادة ممتلكاتهم وإعادة بناء حياتهم. 

كما أنها تعقّد جهود إعادة الإعمار الدولية، نظرا لأن الشركات المشاركة في عمليات الهدم أو إعادة تأهيل المباني يمكن أن تواجه خطر المساهمة في انتهاكات حقوق الإنسان والتهجير القسري، إذا كانت تتعامل مع ممتلكات استولى عليها النظام السوري بشكل غير قانوني.

"المحطة الأولى أمنية"

يوضح عبد الغني أن قرار الحجز الاحتياطي يخرج أولا من الأجهزة الأمنية والأفرع ويرسل إلى المخابرات العامة ومن ثم إلى مكتب الأمن الوطني.

وبعد ذلك يرسل "مكتب الأمن الوطني" كتابا لوزارة المالية بفرض حجز احتياطي على الشخص المستهدف.

ويقول الحقوقي السوري إن "وزارة المالية تحولت إلى واجهة للنهب والسرقة للأجهزة الأمنية".

ويضيف أن "قرار الحجز الصادر عنها يصدر استنادا للكتاب الأمني، وليس بناء على تحقيق قضاء أو انتهاك أو بموجب التعريف القانوني لتجميد الأصول".

ويعرّف قانون مكافحة الإرهاب في سوريا "الإرهاب" بشكل فضفاض بطريقة تسمح للحكومة بتصنيف أي فعل تقريبا كجريمة إرهابية، وفقا لما ورد في تقرير "رايتس ووتش".

وتقول المنظمة إنه ومن خلال معاقبة الأشخاص لمجرد قرابتهم العائلية مع الشخص المتهم، وليس استنادا إلى مسؤوليتهم الجنائية الفردية، فإن تنفيذ وزارة المالية للمرسوم 63 يشكل أيضا "عقابا جماعيا"، وهو أمر محظور في جميع الظروف بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

هل من فرصة للطعن؟

وبموجب قانون العقوبات السوري يُعرّف الحجز الاحتياطي بأنه: "وضع مال المدين تحت يد القضاء، لمنعه من القيام بأي عمل قانوني أو مادي من شأنه أن يؤدي إلى استبعاده أو استبعاد ثماره من دائرة الضمان العام للدائن الحاجز".

ورغم أنه لا يعتبر إجراء تنفيذيا تغيّرت آلية تطبيقه بعد مرسوم رئيس النظام السوري،  بشار الأسد رقم 63 لعام 2012.

وخوّل المرسوم وزارة المالية تجميد أصول الأشخاص تحفظيا ودون أمر من المحكمة، وذلك بناء على طلب من سلطات الضابطة العدلية وحتى انتهاء التحقيق في "الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي"، والجرائم المنصوص عليها في قانون "مكافحة الإرهاب" التعسفي في سوريا الصادر عام 2012.

ويعتبر المهندس مظهر شربجي، الذي شغل سابقا رئيس شعبة المهندسين بريف العاصمة دمشق أن قرارات "الحجز الاحتياطي" تشير إلى بداية "ضغوط وابتزاز".

ولا يستبعد أن تنتهي بمصادرة ممتلكات السوريين، وخاصة المعارضين الذين يقيمون في الخارج.

ويوضح شربجي لموقع "الحرة" أنه توجد إمكانية للطعن والاستئناف.

لكنه يردف أن الأمر ليس سهلا، كون أي مراجعة أو استفسار عن المواضيع العقارية بعد 2011 يتطلب الحصول على "موافقة أمنية".

ويوضح من ناحية أخرى بالقول: "الحجز الاحتياطي غالبا ما يكون ناتجا عن نكشة صغيرة (أمر وسبب بسيط). لكن أهداف النظام أكبر من ذلك وقد يستهدف من خلال الإجراء أي شخص يعارضه".