الفقر في سوريا
متوسط الأجور الشهرية في سوريا يتراوح بين 15 و20 دولارا أميركيا حسب بعض التقديرات

أكد خبراء اقتصاديون لموقع "الحرة"، أن التقرير الذي أصدره "البنك الدولي"، مؤخرا، بشأن الأوضاع الاقتصادية في سوريا بعد مرور نحو 13 عاما على الأزمة الدامية التي تعيشها البلاد، "متحفظ للغاية، ولا يعكس مدى سوء الأوضاع التي وصل إليها الناس" في ذلك البلد العربي.

ووفقا للتقرير الدولي الذي نُشر قبل بضعة أيام، فإن "أكثر من ربع السوريين يعيشون في فقر مدقع"، مما أدى إلى أزمات اقتصادية متلاحقة، وجعل ملايين السكان عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الرئيسية.

وقال البنك الدولي، الذي نشر تقريرين عن سوريا: "أدى أكثر من عقد من النزاع إلى تدهور كبير في رفاه الأسر السورية"، مشيراً إلى أن "27 في المئة من السوريين، أي نحو 5,7 ملايين نسمة، يعيشون في فقر مدقع"، حسب وكالة فرانس برس.

وأضاف: "على الرغم من عدم وجود الفقر المدقع فعلياً قبل اندلاع الصراع، لكنه طال أكثر من واحد من كل 4 سوريين عام 2022، وربما زاد حدة وشدة بسبب الآثار المدمرة لزلزال فبراير 2023"، الذي أودى بحياة نحو 6 آلاف شخص.

وكانت تقديرات سابقة للأمم المتحدة قد ذكرت أن "مليوني سوري يعيشون في فقر مدقع" بعد عقد من الحرب، فيما يرزح "غالبية السوريين" تحت خط الفقر.

وفي هذا الصدد، أوضح المستشار الاقتصادي الدولي، أسامة قاضي، في حديث إلى موقع "الحرة"، أن السوريين "معتادون على الفقر في ظل حكم حزب البعث، الذي يمسك بمقاليد السلطة منذ أكثر من 5 عقود عجاف"، على حد قوله.

وتابع الأكاديمي الذي درّس علوم الاقتصاد في عدة جامعات: "عام 2004، وحسب الأرقام الرسمية، فإن حوالي 34 بالمئة من السوريين كانوا تحت خط الفقر، وهذا قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية بنحو 9 أعوام".

وزاد: "في عام 2011، أصبح أكثر من نصف السوريين تحت خط الفقر المدقع، وكان ذلك واحدا من العوامل التي أدت إلى تفجر الثورة ضد النظام الحاكم في دمشق".

ونوه قاضي بـ"الظلم الاقتصادي" الذي كان يتعرض له الشعب، موضحا: "نسبة الطبقة الوسطى في البلاد كانت تتناقص بنسبة 7 إلى 9 بالمئة سنويا منذ عام 2005، واليوم في سنة 2024 وبعد مرور 14 عاما على الثورة، بات السوريون يتوزعون في 3 مناطق نفوذ مختلفة، ومعظمهم تحت خط الفقر".

من جانبه، رأى مدير مركز "حرمون للدراسات المعاصرة"، سمير سعيفان، في تصريحات لموقع "الحرة": "رغم عدم وجود مسوح دقيقة بشأن معدلات الفقر في سوريا، فإن البنك الدولي يقدر أن 25 في المئة من الشعب السوري تحت خط الفقر المدقع، لكن حتى هذه النسبة المرتفعة تعكس الوضع جزئيًا فقط، فمعدلات الفقر في سوريا بمناطق سيطرة النظام، تبلغ نحو 80 بالمئة، حسب تقارير وتقديرات دولية".

وأضاف الخبير الاقتصادي: "تقارب معدلات الفقر المدقع نسبة 50 بالمئة من السكان، حيث لا تزيد معدلات معظم الرواتب عن 25 إلى 50 دولار في الشهر، وبالتالي يمكن اعتبار أية أسرة تعتمد على الراتب أو الأجر اليومي أو الأسبوعي، أنها تقع تحت خط الفقر المدقع، ويشكل هؤلاء معظم قوة العمل السورية، وهذا الوضع هو نتيجة للحرب المستمرة منذ 13 عاما".

وفي نفس السياق، أوضح الإعلامي والحقوقي المختص بالقضايا السياسية والاقتصادية بسوريا، عبد الكريم الثلجي، لموقع "الحرة"، أن "الإحصائية التي أوردها البنك الدولي غير صحيحة، فنحن نأخذ بحد الفقر الأدنى الذي وضعه البنك الدولي، حيث يحصل الشخص الواحد على 1,2 دولارا يوميا، ليكون على تلك العتبة، وبالتالي فإن عائلة المكونة من 4 أشخاص، ستحتاج 210 دولارات شهريا، وهذا أجر لا يحصل عليه معظم الناس في مناطق سيطرة النظام والمعارضة على حد سواء".

وشدد الثلجي على أن "معظم الرواتب في مناطق النظام هي بحدود 30 دولارا شهريا، وترتفع لتصل إلى نحو 200 دولار في المناطق الأخرى، وبالتالي لا أحد ممن يحصل على هذه الأجور قد تجاوز عتبة الفقر".

الأوضاع المعيشية في سوريا في تدهور
"القادم أسوأ".. النظام السوري يوصّف الكارثة المعيشية "ولا يقدم حلولا"
ضمن جلسة استثنائية لـ"مجلس الشعب السوري" أقر رئيس حكومة النظام السوري، حسين عرنوس بكارثية الأوضاع المعيشية في سوريا، وبينما وصّف المشهد بكامل تفاصيله لم يتطرق إلى أي "حلول أو مخارج"، متحدثا عن "عدم امتلاكهم هوامش التحرك المناسبة".

وتابع: "مقولة ربع السكان في حالة فقر مدقع هي مقولة خاطئة.. إذا حسبنا انتشار البطالة بنسبة 80 بالمئة، فأجرة العامل اليومية في (المناطق المحررة) لا تتجاوز 200 ليرة تركية في أحسن أحوالها (6 دولارات أميركية).. وعليه فالأصح أن يقال إن ثلاثة أرباع السكان في حالة فقر مدقع".

وهو نفس الأمر الذي ذهب إليه المستشار الاقتصادي، أسامة قاضي، عندما قال: "السوريون منقسمين إلى فئتين، الأولى فقيرة والثانية تعيش تحت وطأة الفقر المدقع، مع وجود نسبة لا تتجاوز 2 أو 3 بالمئة تعيش في حالة ميسورة، وذلك إما لأن أفرادها كانوا بالأساس أغنياء لكنهم أصبحوا أقل ثراء بعد الحرب، أو لأنهم مرتبطين بشبكات الفساد والسرقة والمخدرات التابعة للنظام وأعوانه". 

"عوامل خارجية"

وأورد البنك الدولي عدة أسباب خارجية ساهمت في "تراجع رفاه الأسر السورية" مؤخراً، بينها الأزمة المالية التي تعصف منذ عام 2019 بلبنان المجاور، حيث يودع سوريون كثر أموالهم، إضافة الى تداعيات كل من جائحة كوفيد-19، والغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في أواخر فبراير 2022.

ونبّه التقرير إلى أن "استمرار النقص في التمويل ومحدودية المساعدات الإنسانية" إلى البلاد، أديا إلى "زيادة استنزاف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية وسط ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات الأساسية، وزيادة معدلات البطالة".

وتشهد سوريا منذ عام 2011 نزاعاً دامياً تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص، وألحق دماراً واسعاً بالبنى التحتية واستنزف الاقتصاد ومقدراته، كما شرّد وهجّر أكثر من نصف عدد السكان داخل البلاد وخارجها.

ولم تحصل خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في سوريا لعام 2024 إلا على 6 في المئة فقط من الاعتمادات المطلوبة، المقدرة بأكثر من 4 مليارات دولار، وفق الأمم المتحدة.

وأصبح عدد كبير من السوريين يعتمد، حسب البنك الدولي، على التحويلات المالية من الخارج، التي "تمثل شريان حياة بالغ الأهمية"، مقدراً قيمتها الإجمالية عام 2022 بنحو 1,05 مليار دولار، في وقت تُقدّر قيمة الناتج الإجمالي المحلي لسوريا لعام 2023، بـ6,2 مليارات دولار.

وتوقع البنك الدولي مع تعرض "إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لحالة غير مسبوقة من عدم اليقين"، أن "ينكمش بنسبة 1,5 في المئة عام 2024، إضافة إلى التراجع الذي بلغ 1,2 في المئة خلال السنة الماضية".

ورجح كذلك أن "يبقى التضخم مرتفعاً في عام 2024 بسبب الآثار الناجمة عن انخفاض قيمة العملة، فضلاً عن العجز المستمر في أرصدة العملات الأجنبية، واحتمال إجراء مزيد من الخفض في دعم الغذاء والوقود".

ولدى سؤاله عن تفشي ظاهرة الفقر المدقع في المناطق التي يسيطر عليها النظام، أجاب سعيفان: "هي المناطق الأشد معاناة مقارنة بمناطق شمالي سوريا الخارجة عن سيطرة (رئيس النظام بشار) الأسد، حيث تعد مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية هي الأفضل اقتصاديًا بحكم موارد النفط التي تتركز في المنطقة، إضافة إلى كونها مناطق زراعية وعدد سكانها قليل بعد هجرة ونزوح جزء كبير منهم".

وزاد: "الأوضاع في شمال غرب سوريا حيث يسيطر الجيش الوطني المعارض بدعم تركي، وحيث تسيطر هيئة تحرير الشام على محافظة إدلب، صعبة بسبب اكتظاظ السكان، حيث يعيش قرابة 5 مليون في رقعة صغيرة، كما أن 1,8 مليون نسمة يعيشون في الخيام ضمن ظروف تفتقد لأبسط مقومات الحياة".

"نحو الأسوأ"

أما بالنسبة للعوامل التي تقف وراء ذلك، فقال: "الحرب دمرت القدرات الاقتصادية لسوريا، وحوّلت الموارد المادية والبشرية نحو تمويل القتال، كما أن اتساع رقعة سيطرة النظام بعد عام 2017، وتزايد أعداد السكان بالمناطق تحت سيطرته، أدى إلى تزايد الأعباء المالية".

وشدد على أن النظام "يصر على الاحتفاظ بجيش ضخم وأجهزة أمن كبيرة تلتهم الكثير من الموارد الشحيحة، ناهيك عن احتفاظه بمؤسسات دولة متهالكة وقطاع عام كبير مترهل غير منتج، إضافة إلى تدني كفاءة جهازه الإداري والاقتصادي".

حوالات السوريين
اللاجئون في الخارج.. "حوض نقد أجنبي" يصب في خزائن الأسد
لا يرى النظام السوري مصلحة بعودة اللاجئين الموجودين في الخارج إلى سوريا، حسبما توضح لغة الحساب والأرقام الخاصة بهم والمخصصة بالدولار، وكذلك الموقف الموارب الذي يبديه مسؤولوه في دمشق، لاسيما عندما تخرج تصريحات من دول تنظر إلى وجودهم كـ"عبء".

وأشار أيضا إلى أن "هجرة الكوادر الشبابية والمهنية والعملية المستمرة استنزفت القدرات البشرية لقوة العمل السورية"، مردفا: "يضاف إلى ذلك الطبيعة المافيوية الريعية للنظام الاقتصادي والإداري والسياسي القائم، الذي يحوّل الموارد إلى جيوب مجموعة صغيرة من الفاسدين، لذلك نرى التناقض الفاضح بين الفقر المدقع وبين الثراء الفاحش والبذخ الوقح من قبل حفنة حاكمة ومن يلوذ لها".

وإضافة إلى ما تم ذكره سابقا، رأى الثلجي أن "هروب العديد من رجال الأعمال وأصحاب المنشآت الاقتصادية إلى خارج البلاد، أدى لانتشار البطالة والفقر بين الناس في مناطق النظام".

ونوه بأن مغادرة رجال المال والاقتصاد البلاد "يعود إلى قوانين منع التعامل بالدولار، والإتاوات التي تفرضها جهات عديدة، مما جعلهم يهربون بأموالهم وينقلون استثماراتهم إلى خارج سوريا".

أما بالنسبة للمناطق في شمال غرب سوريا، فأوضح الثلجي أن هناك "حرية اقتصادية أكثر وإمكانية تحسن أفضل لأوضاع السكان، حيث لا توجد قيود مفروضة كتلك في مناطق النظام، مع التنويه بأن معظم الناس يعيشون تحت خط الفقر، خاصة مع ارتفاع نسبة النازحين، حيث يوجد 2,3 مليون نازح، بينهم 1,9 مليون يعيشون في المخيمات، وفق إحصائية للأمم المتحدة".

كما نبّه إلى أن النازحين "يعيشون في فقر مدقع، إذ تم قطع المساعدات الإنسانية عن 300 ألف نسمة منذ بداية العام الحالي، وبالتالي زادت نسبة الفقر".

وفيما إذا كانت العقوبات المفروضة على النظام وأركانه تؤثر على الأوضاع الاقتصادية، أجاب سعيفان: "العقوبات الأميركية والأوروبية تسهم في الأزمة الاقتصادية، لكنها ليست السبب الرئيسي، بل إن هناك أسبابا أكثر أهمية، والعقوبات في الأساس هي جزء من الأزمة، وستبقى ما بقي النظام متمسكًا برفض أي حل سياسي". 

وخلص الاستشاري الاقتصادي أسامة قاضي، إلى أنه في حال طالت الأزمة "فإن الأمور ستزداد وبالا وقسوة بالنسبة للفقراء، وذلك مع انهيار المنظومة الصحية ودمار البنية التحتية، والفلتان الأمني في العديد من المناطق، ناهيك عن التسرب المدرسي الكبير وانتشار الجهل والأمية".

وختم بالقول: "لا يوجد لدى المجتمع الدولي استراتيجية حقيقية لإنقاذ سوريا، ومن هنا طرحنا في (التحالف العربي الديمقراطي)، بالتعاون مع منظمة (غلوبل جستس) الأميركية- السورية، وهيئة (الكتلة الوطنية السورية)، مبادرة (توحيد سوريا) كحل إبداعي للخروج من هذه الأزمة الخانقة".

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان والأسد

عقب صمت رسمي مطبق من قبل النظام السوري على دعوات أنقرة العديدة لحدوث تقارب بين الحكومتين، ظهر بشار الأسد، في لقاء مع صحفيين، ليؤكد ما جاء في بيان خارجية دمشق والذي تضمن "شروطا" لتطبيع العلاقات، مما يطرح تساؤلات بشأن مصير ذلك التقارب، على المدى القريب على الأقل.

وكان الأسد قد قال في تصريحات صحفية أثناء الإدلاء بصوته في انتخابات مجلس الشعب، الاثنين : "إذا كان اللقاء أو العناق أو العتاب أو تبويس (تقبيل) اللحى يحقق مصلحة البلد سأقوم به. المشكلة تكمن في مضمون اللقاء. لم نسمع ما هو الهدف من اللقاء؟ طرح المشكلة؟ تحسين العلاقات؟".

وأعرب الأسد عن ترحبيه بمبادرات إردوغان للقاء معه، ولكن بشروط، قائلا: نحن إيجابيون تجاه أي مبادرة، لكن هذا لا يعني أن نذهب من دون قواعد. اللقاء وسيلة ونحن بحاجة لقواعد ومرجعيات عمل. هناك لقاء يترتب مع المستوى الأمني من بعض الوسطاء وكنا إيجابيين".

وقبل ذلك كانت وزارة الخارجية في دمشق، قد ذكرت أن أي مبادرة للتقارب مع أنقرة ينبغي أن تبنى على أسس واضحة ضمانًا للوصول إلى عودة العلاقات بين البلدين إلى حالتها الطبيعية.

وطالب البيان بانسحاب قوات أنقرة الموجودة "بشكل غير شرعي من الأراضي السورية، ومكافحة المجموعات الإرهابية التي لا تهدد أمن سورية فقط، بل أمن تركيا أيضًا".

في لوس أنجلوس.. قصة طلب هجرة ينتهي باعتقال "مجرم حرب سوري"
لم يتخيل محمد العبد الله، وهو حقوقي وقانوني سوري يقيم في واشنطن للحظة خلال السنوات الماضية أن يقابل من جديد سمير عثمان الشيخ، وأن يقف بمواجهته في المحاكم الأميركية، ويقدم الأدلة التي تثبت ضلوعه في الانتهاكات بحق المدنيين، عندما كان محافظا لدير الزور، بمطلع أحداث الثورة السورية.

وأضافت خارجية دمشق في بيانها، أن "عودة العلاقة الطبيعية بين البلدين تقوم على عودة الوضع الذي كان سائدًا قبل عام 2011، وهو الأساس لأمن وسلامة واستقرار البلدين".

"البحث عن مكاسب أكبر"

وفيما إذا كان مسار التقارب بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ونظيره في النظام السوري، بشار الأسد، قد انتهى بعد شروط دمشق الأخيرة، قال مدير وحدة تحليل السياسات في مركز "حرمون" للدراسات المعاصرة، سمير العبد الله، لموقع "الحرة": "لا أعتقد أنه يمكننا الحكم على أن المسار فشل، بل هو في بداية طريقه".

وتوقع العبد الله أن "تكون هناك عراقيل من بعض الأطراف التي تسعى لتحقيق مكاسب أكبر، ومنها النظام السوري، فالأخير رأى التصريحات التركية المتتابعة والرغبة التركية الكبيرة في التفاوض معه، لذلك يريد تحسين شروطه".

وزاد: "وقد يكون ذلك بدفع من النظام في طهران، الذي يشعر بأنه قد يكون الخاسر الأكبر من هذه المفاوضات، خاصة إذا نجحت الوساطة الروسية" بين دمشق وأنقرة.

وفي نفس السياق، اعتبر الصحفي السوري المعارض، عقيل حسين، في حديثه إلى موقع "الحرة" أن بيان الخارجية السورية "ورغم تضمنه شروطا قديمة وتقليدية فإنه يعد موافقة مبدئية من قبل نظام الأسد على الدخول بالمفاوضات بشكل رسمي، ويمكن القول إن تلك النقاط الثلاثة التي وضعها النظام هي التي سوف يتفاوض عليها".

ولفت حسين إلى أن "تلك المحادثات بين إردوغان والأسد سوف تنطلق لأن روسيا تضع كل ثقلها وراء ذلك".

وحسب تقرير سابق لوكالة "أسوشيتد برس"، فإن موسكو، التي تعد أحد أقوى داعمي نظام الأسد، والتي لها في الوقت نفسه علاقات وثيقة مع تركيا، تضغط من أجل استئناف العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وأنقرة.

ففي ديسمبر 2022، أجرى وزراء الدفاع التركي والسوري والروسي محادثات في موسكو، في أول اجتماع وزاري بين تركيا وسوريا منذ عام 2011. كما توسطت روسيا في اجتماعات بين مسؤولين سوريين وأتراك العام الماضي.

إلا أن المحادثات لم يكتب لها النجاح، وواصل مسؤولون في النظام السوري انتقادهم علنا للوجود التركي في شمال غرب البلاد.

وكان إردوغان قد صرح على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عقدت في واشنطن مؤخرا، أنه وجّه دعوة "للسيد الأسد"، قبل أكثر من أسبوعين، لعقد اجتماع "في تركيا أو دولة ثالثة".

كما أعلن أنه أصدر توجيهات لوزير خارجيته، هاكان فيدان، من أجل التواصل في هذا الشأن (ترتيب الاجتماع)، ولكي يتم "التغلب على القطيعة والمضي قدما في بدء عملية جديدة".

من جانبه، أوضح الباحث التركي، هشام جوناي، لموقع "الحرة"، أنه "لا يمكن بالأساس الحديث عن وجود تقارب بين طرفين"، واصفا إياها بـ"مجرد مساع حتى الآن من طرف أنقرة، في رغبة منها لحل بعض القضايا التي تشكل هاجسا لها".

وتابع: "هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها دعوات إردوغان لدمشق بالرفض، فقد سبق أن اشترط النظام السوري انسحاب القوات التركية (قبل الانتخابات التركية الرئاسية) كشرط لحدوث ذلك التقارب".

وفي نفس السياق، أكد الصحفي، عقيل حسين، أنه ليس من السهل تنفيذ الشروط التي وضعها الأسد حتى بالنسبة لنظامه، موضحا: "فمثلا لو انسحبت تركيا من الشمال السوري، فلا يوجد أي طرف له القدرة على ملء ذلك الفراغ، وأيضا لو رفعت تركيا يدها بشكل نهائي عن الفصائل المسلحة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى مزيد من الفوضى وعودة القتال".

براء قاطرجي.. "أمير النفط" الذي استخدمه الأسد على 3 جبهات 
قبل عام 2011 لم يكن اسم براء قاطرجي مع إخوته يتردد ضمن الأخبار والتطورات المتعلقة بمشهد سوريا الاقتصادي والأمني، لكن الأمر تغيّر شيئا فشيئا وبالتدريج حتى صار يطلق عليهم لقب "رجال الأعمال" رغم أنهم كانوا يفتقدون لأية أرضية أو أساس، على صعيد الثروة الطائلة والعقارات.

من جهة أخرى، قال ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في لبنان، عبد السلام أحمد، في حديثه إلى موقع "الحرة: "ندرك أن تطبيع العلاقات بين الجانبين تعترضه عقبات وتحديات كبيرة، فاللوحة معقدة، ومن الصعوبة بمكان تنفيذ الطرفين الالتزامات المتبادلة في حال حصل التطبيع".

ووفقا لتقرير "أسوشيتد برس"، فإن مجلس سوريا الديمقراطي "قسد" الذي يسيطر على مساحات شاسعة في شمال وشرق البلاد، "ينظر بريبة وتخوف" إلى التقارب المحتمل بين البلدين.

وجاء في بيان للسلطة التي يقودها الأكراد في شمال وشرق سوريا، أن المصالحة المرتقبة ستكون بمثابة "مؤامرة ضد الشعب السوري" و"شرعنة واضحة للاحتلال التركي" للمناطق ذات الأغلبية الكردية، التي استولت عليها فصائل مسلحة مدعومة من تركيا.

لكن ممثل الإدارة الذاتية، أحمد، رأى في حديثه إلى موقع "الحرة"، أن "شرط انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية المحتلة مطلب وطني سوري ".

وشدد على أن "الحكومة السورية أخطأت في عقد الصفقات مع الجانب التركي في إطار اتفاقات آستانه وسوتشي، والتي كان من نتائجها احتلال تركي لمساحات واسعة من الأراضي السورية، وما تبع ذلك من تغيير لهوية تلك المناطق".

أما العبد الله، فاعتبر أنه "بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فمن المحتمل أن تسارع لعقد مفاوضات جديدة مع النظام السوري في الفترة المقبلة، في محاولة منها لاستغلال هذا الرفض من قبل دمشق للمساعي التركية للتقارب معها".

وأضاف: "لكن يبدو أن الاختلافات بين قسد والنظام السوري كبيرة، فلم يقدم النظام لها أي تنازلات عندما كان في عداء مباشر مع تركيا، ولن يقدم لها شيئاً اليوم مع بدء هذا المسار".

وقف المسار.. والمعارضة السورية

وإذا كان توقف مسار التطبيع سيترك أية نتائج على المعارضة السورية، خاصة التي تعتمد بشكل كبير على دعم أنقرة، قال العبد الله: "لا أعتقد أن ذلك سينعكس على المعارضة السورية بشكل إيجابي".

وتابع شارحا: "تركيا بدأت هذا المسار، وربما يتعرقل لفترة، لكن بضغط روسي قد تُستأنف المحادثات من جديد، لذا، ستأتي الكثير من التصريحات التركية في الفترة المقبلة داعمة لموقف المعارضة، لكن أعتقد أن هذه التصريحات ستكون تكتيكية للرد على رفض النظام فقط".

ولكن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قال في تصريحات صحفية، الإثنين إن المعارضة السورية لديها قرارات خاصة بها، مضيفا أن قرار المعارضة بالحوار مع النظام السوري أمر يعود إليها".

المنطقة تشتعل والأسد "يتفسح".. أين النظام السوري مما يجري؟
قبل أن تنفذ إيران "ردها" على إسرائيل بيومين، وبينما كانت دول المنطقة والعالم تترقب تداعيات الضربة على الأرض، أعطى رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لعائلته ولنفسه "فسحة"، وزار أحياء دمشق القديمة وكأن شيئا لم يحدث وسيحدث في محيطه

وزاد: "لن نضعهم في منتصف الطريق بسبب وجود تضحيات مشتركة".

وشدد فيدان على أن سياسة تركيا حول اللاجئين لم تتغير، قائلا: " لن نرسل أي سوري إلى مكان آخر إلا بشكل طوعي، ونحن سنواصل حل المشاكل بالحوار".

ودعا إيران ورسيا إلى "لعب دوري إيجابي"، لافتا إلى أن " بلاده تحدثت مع الجانب السعودي، ولدينا تطابق في الرؤى" بشأن الأزمة السورية.

"حوار وطني"

من جانبه، أكد أحمد أن "الإدارة الذاتية وجهت نداءات ودعوات إلى جميع أطراف الأزمة السورية، للانخراط بجدية في مسار الحل السياسي".

وأردف: "وجهنا دعوات لكافة القوى الوطنية والديمقراطية السورية لتوحيد الجهود، لبناء جبهة وطنية عريضة قادرة على تمثيل تطلعات الشعب السوري".

وختم بالقول: "نؤكد على استعدادنا التام للمشاركة في أية مبادرة جادة تهدف إلى تحقيق انتقال سياسي حقيقي، يفضي إلى حكم ديمقراطي يمثل كافة أطياف الشعب السوري".

وكان الزميل في مركز أبحاث "سنتشري إنترناشيونال"،  آرون لوند، قد قال لوكالة "أسوشيتد برس" في وقت سابق، أنه رغم أن مصالح البلدين "تتلاقى فعليا إلى حد كبير، فإن هناك أيضا خلافات واسعة، والكثير من الذكريات السيئة والمرارة" التي قد تعرقل "عقد اتفاقات حتى على مستوى أدنى".

وأعرب عن اعتقاده بأن إردوغان والأسد "ربما ينتظران نتيجة الانتخابات الأميركية، التي يمكن أن تحدد الدور الأميركي في المنطقة مستقبلا، قبل التوصل إلى اتفاق بينهما".

كما ذكر لوند أنه على المدى الطويل "يقول المنطق إن الوضع يفرض شكلا من التعاون بين تركيا وسوريا. إنهما دولتا جوار تتشابك مصالحهما، والجمود الحالي لا يفيد أيا منهما".

من جانبه، رأى المحلل والإعلامي السوري، نضال معلوف، عبر قناته الرسمية على موقع "يوتيوب"، أن اللقاء بين إردوغان والأسد "لايزال غير ممكن أو شبه مستحيل".

ونبه معلوف إلى أن "إردوغان قال في تصريحات صحفية إن المحادثات مع الأسد لا يجب أن تتضمن أي شروط مسبقة".

وأوضح أن أي لقاءات بين الطرفين ستكون مبنية على القرار الدولي "2245" الداعي إلى تسوية سلمية في سوريا، مضيفا: "إردوغان يريد عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ولا يمكن حدوث ذلك دون تطبيق ذلك القرار الدولي، بمعنى وجود هيئة حكم تمثل كافة الأطراف في البلاد".

"مراحل وتسلسل"

ولكن الإعلامية التركية، هاندي فيرات، أوضحت عبر مقالة لها في صحيفة "حرييت" المقربة من حكومة حزب العدالة والتنمية أنه من المتوقع أن تتبع أنقرة والنظام السوري سياسة تسلسلية في المرحلة المقبلة.

وشرحت أن ذلك بقولها أن اللقاءات بين الطرفين قد تحدث على مستوى الاستخبارات ووزراء الخارجية،  وبعد ذلك سوف يتم التوجه إلى محطة اللقاء على مستوى الرؤوساء.

ورأت فيرات أنه ما لم تحدث انتكاسة أو يتم يفرض شرط مسبق جديد، فقد يجتمع رؤساء المخابرات في تركيا وإيران وروسيا والنظام السوري.

وشددت أنه في حال حدوث توافق على طاولة الاجتماعات، فهذا يعني أن العملية ستتقدم بسرعة، لافتة إلى أنه من المتوقع أيضا إجراء اتصالات متزامنة بين وزراء الخارجية  للدول الأربعة.

وخلصت إلى أنه في حدث ذلك، فقد يجتمع الأسد وإردوغان ببلد ثالث  في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر.

وبالنسبة للعائق الإيراني، والذي ثبت أنه عرقل الوساطة الروسية سابقا، فإن طهران، حسب  الإعلامي حسين، مشغولة حاليا بـ"أوضاعها الداخلية بالإضافة إلى ثقل الضربات التي تتلقها في سوريا من قبل إسرائيل وقوات التحالف الدولي"، لافتا إلى "وجود خلافات وإشكاليات بينها وبين النظام السوري، وبالتالي قد لا يكون لها ذلك التأثير الكبير مستقبلا على مسار التطبيع".

ووصل حسين إلى أن المفاوضات "لن تكون سهلة بين أنقرة والنظام السوري، مردفا: "فالتطبيع قد يحدث على المستوى السياسي، ولكن حتى يكون كاملا وشاملا فإن ذلك سوف يحتاج إلى سنوات طويلة وشاقة".