صورة تعبيرية للجيش الأردني على الحدود مع سوريا لمنع التهريب
صورة تعبيرية للجيش الأردني على الحدود مع سوريا لمنع التهريب

تسلط إحصائية حصل عليها موقع "الحرة" الضوء على خفايا نادرا ما يتم التطرق إليها عندما يتم الإعلان عن إحباط عمليات تهريب مخدرات وحبوب كبتاغون من الداخل السوري باتجاه الأردن، وتكشف تفاصيل آخر "المهام" التي توكل لـ"الحمالة أو العتالة"، كما يُطلق عليهم محليا.

الإحصائية التي وثقتها شبكة "السويداء 24" توضح أن الجانب الأردني سلّم لسلطات النظام السوري منذ بداية عام 2024 17 جثة تعود لمهربين قتلوا خلال محاولتهم التسلل للأراضي الأردنية، وكان آخر تلك العمليات، الاثنين.

وتشير إلى أن الرقم المذكور من القتلى خاص فقط بالعمليات الأخيرة التي أعلن الجيش الأردني تنفيذها، وهو جزء من قائمة تضم أكثر من 50 شخصا من المهربين، قتلوا منذ بداية عام 2021 في أثناء محاولتهم تمرير المخدرات وحبوب الكبتاغون.

وقبل عامين كان الأردن غيّر "قواعد الاشتباك" على طول حدوده الشمالية مع سوريا، وجاء ذلك بينما كانت محاولات تهريب الكبتاغون تأخذ منحى تصاعدي، حتى وصلت مؤخرا إلى حد تمرير شحنات أسلحة وذخائر، وفق بيانات رسمية.

ولأكثر من مرة منذ بداية العام الحالي نشر الجيش الأردني صورا لمهربين ألقي القبض عليهم، وكذلك قال في سلسلة بيانات إنه قتل آخرين بعدما تم رصدهم وهم يحاولون إدخال شحنات المخدرات إلى داخل الأراضي الأردنية.

ويوضح مدير تحرير شبكة "السويداء 24"، ريان معروف، لموقع "الحرة" أن عملية تسليم الجثث في الوقت الحالي من الجانب الأردني للسوري تختلف عن الطريقة التي كانت تتبعها المملكة خلال السنوات الماضية.

سابقا كانت السلطات الأردنية تطلب من ذوي القتيل (من المهربين) وبعد محاولتهم البحث والاستفسار تقديم طلب مباشر داخل الأردن، من أجل تسيير معاملة تسليم الجثة.

ومنذ شهر يناير الماضي بدأت السلطات بتسليم الجثث للنظام السوري عن طريق "ضباط الارتباط"، كما يقول معروف، مضيفا أن سلطات الأخير تستلمها عبر معبر نصيب وتنقلها إلى مشافي محافظة درعا الوطنية، قبل أن تتسلمها عوائل القتلى بشكل أصولي.

الصحفي، الذي يدير الشبكة الإخبارية الخاصة بمحافظة السويداء، يشير إلى أنهم وثقوا منذ بداية 2021 مقتل أكثر من 50 شخصا من المهربين (الرقم يشمل بداية العام الحالي وحتى الآن). وهؤلاء غالبيتهم من عشائر البدو.

وغالبا ما يكونون من "العتالة" أو كما يعرفون أيضا بـ"الحمالة"، وهم "الحلقة الأخيرة والأضعف" في عملية التهريب من الأراضي السورية، على حد تعبير معروف.

ويقول إن هرم عصابات التهريب و"الرؤوس الكبرى" تغرر بهم، مستغلين حاجتهم للمال، بينما يعتبر خبراء ومراقبون أن هذه الفئة هي جزء أساسي من العمليات العابرة للحدود، و"عصبها"، ويقدمون على الفعل بدوافع متجذرة بهم سابقا.

من هم "الحمّالة"؟

ودائما ما تحمّل عمّان مسؤولية عمليات التهريب لميليشيات "تدعمها قوى إقليمية"، في إشارة مبطنة إلى إيران.

وتقول، في المقابل، إن حالة التصاعد ترتبط بضعف السلطة في سوريا، وبغطاء توفره أطراف داخل "الجيش السوري"، وعلى رأسها "الفرقة الرابعة" التي يقودها، ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام السوري.

وتشير تقديرات الحكومة البريطانية إلى أن 80 في المئة من إنتاج الكبتاغون في العالم يصدر من سوريا، وإن ماهر الأسد يشرف شخصيا على هذه التجارة في الخارج.

وكذلك الأمر بالنسبة لتقديرات الولايات المتحدة الأميركية، مما دفع واشنطن في أواخر مارس 2023 لفرض عقوبات على عدد من الشخصيات السورية واللبنانية، بينهم، سامر كمال الأسد، ووسيم بديع الأسد.

من الداخل يشير من تحدث إليهم موقع "الحرة" إلى أن عمليات التهريب تتم عبر محطات توكل الأخيرة منها لـ"الحمالة"، الذين ينتهي بهم الحال غالبا إما بالقتل أو الاعتقال.

وتتلخص مهام هذه الفئة بعمليات إدخال شحنات "الكبتاغون" والمخدرات إلى الداخل الأردني مشيا على الأقدام، وضمن تضاريس يعرفونها جيدا، بحكم أنهم أبناء المنطقة.

ويكسبون لقاء ذلك مبالغ مالية بالدولار الأميركي، ويقول الصحفي معروف إن 99 في المئة من "الحمالة" من أبناء عشائر البدو المنتشرة على الحدود.

وبحكم أنهم يعرفون المنطقة ويعيشون في وضع اقتصادي سيء ويعانون من البطالة وشح فرص العمل يقول الصحفي إن العصابات الكبيرة التابعة للنظام السوري وحزب الله تستغلهم للانخراط في التهريب، استنادا على ذلك.

"الفقر جنزير السباع!"

على مدى العامين الماضيين أجرى معروف لقاءات مع عوائل البعض من "الحمالة"، وغالبيتهم شبان في مقتبل العمر.

ورغم أنهم يعرفون أن المصير نهايته الموت أو الاعتقال، خاصة بعد تغيير قواعد الاشتباك يواصلون المضي بهذا العمل، لاعتبارات كثيرة منها ما هو مرتبط بالوضع الاقتصادي أو الجهل وانخفاض مستوى التعليم.

ويقول معروف: "ردد لي أحدهم عدة مرات مثلا شعبيا (الفقر جنزير السباع)"، في دلالة على آثار الفقر السيئة، وأضاف أن ذاك الشخص يرى نفسه فقيرا ولا وسيلة له للكسب إلا عبر التهريب.

وتشكل الدوافع المالية أحد أبرز الأسباب التي تدفع أبناء عشائر وبعض سكان المناطق الحدودية في الجنوب السوري، لدخول مغامرات في عمليات تهريب، كما يرى الخبير الأمني الأردني، عمر الرداد.

ويقول لموقع "الحرة": "كثير مما يسمى بـ(الحمالين) ليس بالضرورة أن يكونوا أعضاء في ميليشيات التهريب، ولا يعرفون الجهات (الشبكات) التي تقف وراء عمليات التهريب".

ويتابع أيضا: "بل أن بعضهم لا يعرف أنه يحمل مخدرات أو أسلحة ومتفجرات خطرة".

لكن الباحث الأردني، صلاح ملكاوي، يرى المشهد مغايرا لذلك.

ويعتبر أن "الحمالون، العتالون" يعملون كأرضيات إما لميليشيات إيرانية أو ضباط من النظام وأشخاص تابعين لحزب الله.

وسوريا منذ سنوات "منكوبة اقتصاديا"، وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار هذا السبب دافعا أساسيا لتلك الشريحة للانخراط في عمليات التهريب، وفق ملكاوي.

ويقول لموقع "الحرة": "غالبية صفحاتهم (الحمالون) تتضمن عبارات وحكم عن الفروسية والتهريب والرجولة. أهازيجهم أيضا تذهب باتجاه أنهم يخدعون حرس الحدود ويجعلونهم غير مرتاحين".

وتوكل مهام إحباط عمليات التهريب في الأردن لحرس الحدود والأمن العسكري ومكافحة المخدرات.

ويضيف ملكاوي أن هذه الأجهزة "هي المسؤولة عن إحباط كل محاولات التهريب الحاصلة"، عن طريق الرمي (إطلاق النار) فورا على كل من يدخل المنطقة الممنوعة، التي تكون في بعض الأحيان محددة بـ500 متر وفي أخرى 4 كيلومترات.

ويتابع: "الجيش الأردني هدفه حماية البلد. وهناك قواعد اشتباك، ومن غير المطلوب منه أن يتحرى عن وضع المهرب الذي ينقل المخدرات وحبوب الكبتاغون".

"يأتون ببشر آخرين"

ورغم أن النظام السوري فقد سيطرته على الحدود السورية مع الأردن بعد تحول الحراك السلمي إلى مسلح إبان انطلاقة الثورة السورية في 2011 استعاد زمام المبادرة العسكرية والأمنية بعد عام 2018 عندما دخل إلى درعا بموجب اتفاق "تسوية" رعته موسكو.

وأتاح الاتفاق للنظام إعادة نشر قواته المعروفة محليا بـ"الهجانة" على طول الحدود وفي غالبية النقاط التي تتوزع من منطقة وادي اليرموك في أقصى الجنوب الغربي وحتى الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، وهي التي كانت خاضعة بالأساس لسيطرته ولم يتغير النفوذ فيها.

يبلغ طول الحدود السورية - الأردنية حوالي 320 كيلومترا، وتمتد من منطقة وادي اليرموك التابعة لدرعا، وصولا إلى المثلث العراقي- السوري- الأردني.

ولا ترتبط محافظتي درعا والسويداء إداريا بالحدود مع الأردن فقط، بل يشمل ذلك محافظة ريف دمشق، والتي تتصل معها بمناطق صحراوية مفتوحة وتحسب على سيطرة النظام، ويعتقد أن غالبية عمليات التهريب تنطلق من خلالها.

ويشير الباحث السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، نوار شعبان، إلى أن "عصابات تهريب الكبتاغون تعرف كيف تقلل خسائرها وبالتالي لا تزج بكوادرها من أجل إتمام المهمة الأخيرة والأساسية".

ويقول لموقع "الحرة" إنه وعلى هذا الأساس تلجأ إلى استخدام "الحمالة" لإيصال الشحنات، مقابل مبالغ مادية جيدة.

قبل سنوات طويلة كانت عمليات التهريب عبر الحدود وخاصة باتجاه لبنان وبالعكس تتم عبر "بغال النقل"، وفق شعبان.

وتغيّر الحال لاحقا ليصل إلى حد استخدام "بشر" من أجل إيصال الشحنات، وهو ما نراه على طول الحدود السورية – الأردنية.

ويضيف الباحث أن عدم وصول الشحنات في حال القتل أو الاعتقال لا يهم التجار والرؤوس الكبار، كونهم "قادرون على البحث واستقدام بشر آخرين"، على حد تعبيره.

وكانت سلسلة تحقيقات قد كشفت أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في سوريا أسهمت في نشوء طبقة ممن لديهم استعداد عال للقيام بأعمال التهريب، حسب الباحث الأردني، عمر الرداد.

ويشير إلى "وجود تسعيرة بين أوساط المهربين".

وقد تصل مكافأة بعض عمليات تأمين التهريب إلى عشرة آلاف دولار، وتدفع على مرحلتين قبل وبعد إيصال المهربات.

ويتم تداول ذلك، وفق الباحث الأمني الأردني في أوساط اجتماعية تسكن قرى ومناطق حدودية ولديها خبرات ومعارف بطرق ومواقيت التهريب المرتبطة بالأحوال الجوية، وما يمكن تهريبه عبر "الحمالة" أو عبر الدواب.

ومع انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار والتضخم غير المسبوق بالإضافة للبطالة يرى الرداد أن "تقديم خدمات نقل وتهريب بضائع مهما كان نوعها يشكّل مصدرا للدخل، رغم المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المنخرطون في عمليات التهريب".

"عمليات منظّمة"

وكانت عمليات التهريب من سوريا إلى الأردن قد أخذت منحى تصاعديا بعد حرب إسرائيل في غزة، ووصلت إلى حد إدخال الأسلحة والذخائر والصواريخ.

وبعدما نفذت طائرات أردنية سلسلة ضربات في الداخل السوري، وما تبع ذلك من توتر دبلوماسي بين دمشق وعمّان، شكّل البلدان قبل أسابيع "خلية اتصال" لمراقبة، وتتبع شحنات المخدرات من المنبع إلى المصب.

ولم تتوقف عمليات التهريب حتى الآن، إذ يواصل الجيش الأردني الإعلان بين فترة وأخرى عن "إحباط محاولات إدخال مخدرات وحبوب كبتاغون".

ويقول الباحث السوري شعبان إنه يجب النظر إلى التهريب كـ"عملية منظمة تقودها عصابات دولية".

ويضيف: "نحن أمام عصابات منظمة تعرف تقدير الخسائر وتقليلها باستخدام كوادر تكلفتها بسيطة جدا".

ويوضح الصحفي معروف أن "الكمية الأكبر من شحنات المخدرات تصل من لبنان"، وتمر بعدة مراحل قبل أن تصل إلى "الحمالة".

وقبل أن يزج بالفئة المذكورة في المهمة الأخيرة قد يكون التاجر المسؤول عنهم قد أبرم اتفاقا مع التجار الكبار إما لتأمين إيصالها لقاء مبالغ مالية أو شرائها وإدخالها على حسابه الخاص مع هامش ربح كبير، حسب ذات المتحدث.

وفي الغالب يتسلل "الحمالون" عبر الحدود بشكل خط مستقيم، ويكون لهم تكتيكات معينة، ويرافقهم في العادة أشخاص مسلحون، حسبما يوضح الباحث الأردني ملكاوي.

ويضيف أيضا أن "لديهم خارطة بصرية لمسالك ودروب المناطق النائية الحدودية غير المسكونة"، وعلى هذا الأساس يتم الاعتماد عليهم في عمليات التهريب، مؤكدا على فكرة أن لديهم "ثقافة قائمة على ذلك"، دون أن يكون الوضع الاقتصادي الدافع الرئيسي لما يمضون به.

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان والأسد

عقب صمت رسمي مطبق من قبل النظام السوري على دعوات أنقرة العديدة لحدوث تقارب بين الحكومتين، ظهر بشار الأسد، في لقاء مع صحفيين، ليؤكد ما جاء في بيان خارجية دمشق والذي تضمن "شروطا" لتطبيع العلاقات، مما يطرح تساؤلات بشأن مصير ذلك التقارب، على المدى القريب على الأقل.

وكان الأسد قد قال في تصريحات صحفية أثناء الإدلاء بصوته في انتخابات مجلس الشعب، الاثنين : "إذا كان اللقاء أو العناق أو العتاب أو تبويس (تقبيل) اللحى يحقق مصلحة البلد سأقوم به. المشكلة تكمن في مضمون اللقاء. لم نسمع ما هو الهدف من اللقاء؟ طرح المشكلة؟ تحسين العلاقات؟".

وأعرب الأسد عن ترحبيه بمبادرات إردوغان للقاء معه، ولكن بشروط، قائلا: نحن إيجابيون تجاه أي مبادرة، لكن هذا لا يعني أن نذهب من دون قواعد. اللقاء وسيلة ونحن بحاجة لقواعد ومرجعيات عمل. هناك لقاء يترتب مع المستوى الأمني من بعض الوسطاء وكنا إيجابيين".

وقبل ذلك كانت وزارة الخارجية في دمشق، قد ذكرت أن أي مبادرة للتقارب مع أنقرة ينبغي أن تبنى على أسس واضحة ضمانًا للوصول إلى عودة العلاقات بين البلدين إلى حالتها الطبيعية.

وطالب البيان بانسحاب قوات أنقرة الموجودة "بشكل غير شرعي من الأراضي السورية، ومكافحة المجموعات الإرهابية التي لا تهدد أمن سورية فقط، بل أمن تركيا أيضًا".

في لوس أنجلوس.. قصة طلب هجرة ينتهي باعتقال "مجرم حرب سوري"
لم يتخيل محمد العبد الله، وهو حقوقي وقانوني سوري يقيم في واشنطن للحظة خلال السنوات الماضية أن يقابل من جديد سمير عثمان الشيخ، وأن يقف بمواجهته في المحاكم الأميركية، ويقدم الأدلة التي تثبت ضلوعه في الانتهاكات بحق المدنيين، عندما كان محافظا لدير الزور، بمطلع أحداث الثورة السورية.

وأضافت خارجية دمشق في بيانها، أن "عودة العلاقة الطبيعية بين البلدين تقوم على عودة الوضع الذي كان سائدًا قبل عام 2011، وهو الأساس لأمن وسلامة واستقرار البلدين".

"البحث عن مكاسب أكبر"

وفيما إذا كان مسار التقارب بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ونظيره في النظام السوري، بشار الأسد، قد انتهى بعد شروط دمشق الأخيرة، قال مدير وحدة تحليل السياسات في مركز "حرمون" للدراسات المعاصرة، سمير العبد الله، لموقع "الحرة": "لا أعتقد أنه يمكننا الحكم على أن المسار فشل، بل هو في بداية طريقه".

وتوقع العبد الله أن "تكون هناك عراقيل من بعض الأطراف التي تسعى لتحقيق مكاسب أكبر، ومنها النظام السوري، فالأخير رأى التصريحات التركية المتتابعة والرغبة التركية الكبيرة في التفاوض معه، لذلك يريد تحسين شروطه".

وزاد: "وقد يكون ذلك بدفع من النظام في طهران، الذي يشعر بأنه قد يكون الخاسر الأكبر من هذه المفاوضات، خاصة إذا نجحت الوساطة الروسية" بين دمشق وأنقرة.

وفي نفس السياق، اعتبر الصحفي السوري المعارض، عقيل حسين، في حديثه إلى موقع "الحرة" أن بيان الخارجية السورية "ورغم تضمنه شروطا قديمة وتقليدية فإنه يعد موافقة مبدئية من قبل نظام الأسد على الدخول بالمفاوضات بشكل رسمي، ويمكن القول إن تلك النقاط الثلاثة التي وضعها النظام هي التي سوف يتفاوض عليها".

ولفت حسين إلى أن "تلك المحادثات بين إردوغان والأسد سوف تنطلق لأن روسيا تضع كل ثقلها وراء ذلك".

وحسب تقرير سابق لوكالة "أسوشيتد برس"، فإن موسكو، التي تعد أحد أقوى داعمي نظام الأسد، والتي لها في الوقت نفسه علاقات وثيقة مع تركيا، تضغط من أجل استئناف العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وأنقرة.

ففي ديسمبر 2022، أجرى وزراء الدفاع التركي والسوري والروسي محادثات في موسكو، في أول اجتماع وزاري بين تركيا وسوريا منذ عام 2011. كما توسطت روسيا في اجتماعات بين مسؤولين سوريين وأتراك العام الماضي.

إلا أن المحادثات لم يكتب لها النجاح، وواصل مسؤولون في النظام السوري انتقادهم علنا للوجود التركي في شمال غرب البلاد.

وكان إردوغان قد صرح على هامش مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عقدت في واشنطن مؤخرا، أنه وجّه دعوة "للسيد الأسد"، قبل أكثر من أسبوعين، لعقد اجتماع "في تركيا أو دولة ثالثة".

كما أعلن أنه أصدر توجيهات لوزير خارجيته، هاكان فيدان، من أجل التواصل في هذا الشأن (ترتيب الاجتماع)، ولكي يتم "التغلب على القطيعة والمضي قدما في بدء عملية جديدة".

من جانبه، أوضح الباحث التركي، هشام جوناي، لموقع "الحرة"، أنه "لا يمكن بالأساس الحديث عن وجود تقارب بين طرفين"، واصفا إياها بـ"مجرد مساع حتى الآن من طرف أنقرة، في رغبة منها لحل بعض القضايا التي تشكل هاجسا لها".

وتابع: "هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها دعوات إردوغان لدمشق بالرفض، فقد سبق أن اشترط النظام السوري انسحاب القوات التركية (قبل الانتخابات التركية الرئاسية) كشرط لحدوث ذلك التقارب".

وفي نفس السياق، أكد الصحفي، عقيل حسين، أنه ليس من السهل تنفيذ الشروط التي وضعها الأسد حتى بالنسبة لنظامه، موضحا: "فمثلا لو انسحبت تركيا من الشمال السوري، فلا يوجد أي طرف له القدرة على ملء ذلك الفراغ، وأيضا لو رفعت تركيا يدها بشكل نهائي عن الفصائل المسلحة، فإن ذلك سوف يؤدي إلى مزيد من الفوضى وعودة القتال".

براء قاطرجي.. "أمير النفط" الذي استخدمه الأسد على 3 جبهات 
قبل عام 2011 لم يكن اسم براء قاطرجي مع إخوته يتردد ضمن الأخبار والتطورات المتعلقة بمشهد سوريا الاقتصادي والأمني، لكن الأمر تغيّر شيئا فشيئا وبالتدريج حتى صار يطلق عليهم لقب "رجال الأعمال" رغم أنهم كانوا يفتقدون لأية أرضية أو أساس، على صعيد الثروة الطائلة والعقارات.

من جهة أخرى، قال ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في لبنان، عبد السلام أحمد، في حديثه إلى موقع "الحرة: "ندرك أن تطبيع العلاقات بين الجانبين تعترضه عقبات وتحديات كبيرة، فاللوحة معقدة، ومن الصعوبة بمكان تنفيذ الطرفين الالتزامات المتبادلة في حال حصل التطبيع".

ووفقا لتقرير "أسوشيتد برس"، فإن مجلس سوريا الديمقراطي "قسد" الذي يسيطر على مساحات شاسعة في شمال وشرق البلاد، "ينظر بريبة وتخوف" إلى التقارب المحتمل بين البلدين.

وجاء في بيان للسلطة التي يقودها الأكراد في شمال وشرق سوريا، أن المصالحة المرتقبة ستكون بمثابة "مؤامرة ضد الشعب السوري" و"شرعنة واضحة للاحتلال التركي" للمناطق ذات الأغلبية الكردية، التي استولت عليها فصائل مسلحة مدعومة من تركيا.

لكن ممثل الإدارة الذاتية، أحمد، رأى في حديثه إلى موقع "الحرة"، أن "شرط انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية المحتلة مطلب وطني سوري ".

وشدد على أن "الحكومة السورية أخطأت في عقد الصفقات مع الجانب التركي في إطار اتفاقات آستانه وسوتشي، والتي كان من نتائجها احتلال تركي لمساحات واسعة من الأراضي السورية، وما تبع ذلك من تغيير لهوية تلك المناطق".

أما العبد الله، فاعتبر أنه "بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فمن المحتمل أن تسارع لعقد مفاوضات جديدة مع النظام السوري في الفترة المقبلة، في محاولة منها لاستغلال هذا الرفض من قبل دمشق للمساعي التركية للتقارب معها".

وأضاف: "لكن يبدو أن الاختلافات بين قسد والنظام السوري كبيرة، فلم يقدم النظام لها أي تنازلات عندما كان في عداء مباشر مع تركيا، ولن يقدم لها شيئاً اليوم مع بدء هذا المسار".

وقف المسار.. والمعارضة السورية

وإذا كان توقف مسار التطبيع سيترك أية نتائج على المعارضة السورية، خاصة التي تعتمد بشكل كبير على دعم أنقرة، قال العبد الله: "لا أعتقد أن ذلك سينعكس على المعارضة السورية بشكل إيجابي".

وتابع شارحا: "تركيا بدأت هذا المسار، وربما يتعرقل لفترة، لكن بضغط روسي قد تُستأنف المحادثات من جديد، لذا، ستأتي الكثير من التصريحات التركية في الفترة المقبلة داعمة لموقف المعارضة، لكن أعتقد أن هذه التصريحات ستكون تكتيكية للرد على رفض النظام فقط".

ولكن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قال في تصريحات صحفية، الإثنين إن المعارضة السورية لديها قرارات خاصة بها، مضيفا أن قرار المعارضة بالحوار مع النظام السوري أمر يعود إليها".

المنطقة تشتعل والأسد "يتفسح".. أين النظام السوري مما يجري؟
قبل أن تنفذ إيران "ردها" على إسرائيل بيومين، وبينما كانت دول المنطقة والعالم تترقب تداعيات الضربة على الأرض، أعطى رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لعائلته ولنفسه "فسحة"، وزار أحياء دمشق القديمة وكأن شيئا لم يحدث وسيحدث في محيطه

وزاد: "لن نضعهم في منتصف الطريق بسبب وجود تضحيات مشتركة".

وشدد فيدان على أن سياسة تركيا حول اللاجئين لم تتغير، قائلا: " لن نرسل أي سوري إلى مكان آخر إلا بشكل طوعي، ونحن سنواصل حل المشاكل بالحوار".

ودعا إيران ورسيا إلى "لعب دوري إيجابي"، لافتا إلى أن " بلاده تحدثت مع الجانب السعودي، ولدينا تطابق في الرؤى" بشأن الأزمة السورية.

"حوار وطني"

من جانبه، أكد أحمد أن "الإدارة الذاتية وجهت نداءات ودعوات إلى جميع أطراف الأزمة السورية، للانخراط بجدية في مسار الحل السياسي".

وأردف: "وجهنا دعوات لكافة القوى الوطنية والديمقراطية السورية لتوحيد الجهود، لبناء جبهة وطنية عريضة قادرة على تمثيل تطلعات الشعب السوري".

وختم بالقول: "نؤكد على استعدادنا التام للمشاركة في أية مبادرة جادة تهدف إلى تحقيق انتقال سياسي حقيقي، يفضي إلى حكم ديمقراطي يمثل كافة أطياف الشعب السوري".

وكان الزميل في مركز أبحاث "سنتشري إنترناشيونال"،  آرون لوند، قد قال لوكالة "أسوشيتد برس" في وقت سابق، أنه رغم أن مصالح البلدين "تتلاقى فعليا إلى حد كبير، فإن هناك أيضا خلافات واسعة، والكثير من الذكريات السيئة والمرارة" التي قد تعرقل "عقد اتفاقات حتى على مستوى أدنى".

وأعرب عن اعتقاده بأن إردوغان والأسد "ربما ينتظران نتيجة الانتخابات الأميركية، التي يمكن أن تحدد الدور الأميركي في المنطقة مستقبلا، قبل التوصل إلى اتفاق بينهما".

كما ذكر لوند أنه على المدى الطويل "يقول المنطق إن الوضع يفرض شكلا من التعاون بين تركيا وسوريا. إنهما دولتا جوار تتشابك مصالحهما، والجمود الحالي لا يفيد أيا منهما".

من جانبه، رأى المحلل والإعلامي السوري، نضال معلوف، عبر قناته الرسمية على موقع "يوتيوب"، أن اللقاء بين إردوغان والأسد "لايزال غير ممكن أو شبه مستحيل".

ونبه معلوف إلى أن "إردوغان قال في تصريحات صحفية إن المحادثات مع الأسد لا يجب أن تتضمن أي شروط مسبقة".

وأوضح أن أي لقاءات بين الطرفين ستكون مبنية على القرار الدولي "2245" الداعي إلى تسوية سلمية في سوريا، مضيفا: "إردوغان يريد عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ولا يمكن حدوث ذلك دون تطبيق ذلك القرار الدولي، بمعنى وجود هيئة حكم تمثل كافة الأطراف في البلاد".

"مراحل وتسلسل"

ولكن الإعلامية التركية، هاندي فيرات، أوضحت عبر مقالة لها في صحيفة "حرييت" المقربة من حكومة حزب العدالة والتنمية أنه من المتوقع أن تتبع أنقرة والنظام السوري سياسة تسلسلية في المرحلة المقبلة.

وشرحت أن ذلك بقولها أن اللقاءات بين الطرفين قد تحدث على مستوى الاستخبارات ووزراء الخارجية،  وبعد ذلك سوف يتم التوجه إلى محطة اللقاء على مستوى الرؤوساء.

ورأت فيرات أنه ما لم تحدث انتكاسة أو يتم يفرض شرط مسبق جديد، فقد يجتمع رؤساء المخابرات في تركيا وإيران وروسيا والنظام السوري.

وشددت أنه في حال حدوث توافق على طاولة الاجتماعات، فهذا يعني أن العملية ستتقدم بسرعة، لافتة إلى أنه من المتوقع أيضا إجراء اتصالات متزامنة بين وزراء الخارجية  للدول الأربعة.

وخلصت إلى أنه في حدث ذلك، فقد يجتمع الأسد وإردوغان ببلد ثالث  في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر.

وبالنسبة للعائق الإيراني، والذي ثبت أنه عرقل الوساطة الروسية سابقا، فإن طهران، حسب  الإعلامي حسين، مشغولة حاليا بـ"أوضاعها الداخلية بالإضافة إلى ثقل الضربات التي تتلقها في سوريا من قبل إسرائيل وقوات التحالف الدولي"، لافتا إلى "وجود خلافات وإشكاليات بينها وبين النظام السوري، وبالتالي قد لا يكون لها ذلك التأثير الكبير مستقبلا على مسار التطبيع".

ووصل حسين إلى أن المفاوضات "لن تكون سهلة بين أنقرة والنظام السوري، مردفا: "فالتطبيع قد يحدث على المستوى السياسي، ولكن حتى يكون كاملا وشاملا فإن ذلك سوف يحتاج إلى سنوات طويلة وشاقة".