يوجد أكثر من 13 مليون سوري "مهجرون قسرا"
يوجد أكثر من 13 مليون سوري "مهجرون قسرا".

يعيش اللاجئون السوريون في "اليوم العالمي للاجئين" الذي يصادف 20 يونيو من كل عام ظروفا لا يمتنونها لغيرهم من بقية البلدان، وبحسب حقوقين وناشطين تحدث إليهم موقع "الحرة" وأرقام رسمية من جانب الأمم المتحدة لا يلوح في أفق مستقبلهم حتى الآن أي بارقة أمل.

وعلى العكس تتدحرج الأمور باتجاه الأسوأ في ظل "حملات العودة القسرية" التي بات يعلن عنها باستمرار تحت إطار "العودة الطوعية"، ومع تحول ملفهم شيئا فشيئا إلى "أوراق سياسية" و"مساحة ابتزاز".

ووفقا لآخر إحصائيات الأمم المتحدة يوجد أكثر من 13 مليون سوري "مهجرون قسرا"، وفي عام 2023 وحده نزح 174 ألف شخص آخرين داخل سوريا، ليصل العدد الإجمالي إلى 7.2 مليون نازح داخليا، و6.5 مليون لاجئ وطالب لجوء في الخارج.

وتقول المنظمة الأممية في بيان حديث لها إن الأرقام المذكورة تمثل "كوارث إنسانية لا حصر لها"، ولكل منها "قصة خسارة".

ولا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم، ويتوزع اللاجئون بغالبيتهم العظمى في تركيا (أكثر من 3 ملايين لاجئ) ويليها لبنان ومن ثم الأردن والعراق ووصولا إلى الدول الأوروبية، على رأسها ألمانيا.

ورغم التأكيدات المستمرة من جانب الأمم المتحدة بأن "سوريا غير آمنة لعودتهم" اتجهت دول مؤخرا لإطلاق "حملات إعادة طوعية" تراها منظمات حقوق إنسان "قسرية"، وأن آلياتها تنطوي على الكثير من المخاطر والترهيب والتضييق.

ويؤكد ما سبق تقرير نشرته "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، الخميس، إذ قالت فيه إنها وثقت ما لا يقل عن 4714 حالة اعتقال تعسفي لعائدين من اللاجئين والنازحين على يد قوات النظام السوري، منذ مطلع 2014 وحتى شهر يونيو 2024.

الشبكة الحقوقية وثقت من جانب آخر مقتل ما لا يقل عن 367 مدنيا بينهم 56 طفلا و34 سيدة و43 شخصا تحت التعذيب واعتقال 828 شخصا في البلاد الممزقة خلال عام 2024.

وجاء في تقريرها أيضا أن "الانتهاكات التي ما زالت تمارس في سوريا؛ والتي كانت هي السبب الرئيس وراء هروب ملايين السوريين من بلدهم ما تزال مستمرة".

وفي حين أكدت أن تلك الانتهاكات هي السبب الرئيس وراء عدم عودة اللاجئين بل وتوليد المزيد منهم أشارت إلى غياب أي أفق لإيقافها أو محاسبة المتورطين فيها، وعلى رأسها قوات النظام السوري.

لا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم.

"تقييد.. ضغط.. عودة"

وكانت السلطات اللبنانية اعتمدت خلال الأشهر الماضية "سلسلة من السياسات التقييدية المصممة للضغط على اللاجئين للعودة إلى سوريا"، بحسب منظمة "العفو الدولية".

وتبع ذلك اتجاهها إلى إطلاق "حملة عودة طوعية" استهدفت في آخر فصولها أكثر من 330 شخصا تم تنسيق إعادتهم إلى مناطق سيطرة النظام السوري عبر المعابر البرية.

المنظمة ذاتها اعتبرت أن "السلطات اللبنانية بتسهيلها عمليات العودة تلك تتعمد تعريض اللاجئين السوريين لخطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".

وقبل ذلك بأشهر أشارت مع منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى سياسات مشابهة كانت الحكومة التركية قد اتبعتها بحق مئات اللاجئين السوريين، حيث تم إعادتهم "قسرا" إلى شمال سوريا.

ويتركز في تركيا ولبنان أكبر تجمع للاجئين السوريين في العالم، بتواجد زهاء خمسة ملايين سوري فيهما.

ويعيش هؤلاء "في ظل هشاشة قانونية وفعلية كبيرة"، بحسب بيان نشره "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، يوم الخميس.

فمن ناحية ووفقا لبيان المركز يرفض هذان البلدان (لبنان، تركيا) منح صفة اللاجئين للمواطنين السوريين ويحجمان دور مفوضية اللاجئين تجاههم وتظل الأطر القانونية التي وضعاها للتعامل معهم قاصرة إلى حد كبير.

كما تشرع تلك الأطر للتجاوز على الحقوق الأساسية للاجئين، وتخرق اللالتزامات الدولية لهذين البلدين ونظمها القانونية الداخلية.

ومن ناحية أخرى يواجه اللاجئون "حملات كراهية وممارسات عنصرية تجاوزت مجرد الظواهر الاجتماعية، لتتجسد في سوء المعاملة الذي يلقونه من الدوائر الرسمية".

وتهدف تلك الممارسات فعليا بحسب تصريحات مسؤولين البلدين إلى وضع السوريين "تحت ضغط لا يقاوم ولا يترك لهم خيارا آخرا غير العودة إلى سوريا رغم الأحداق المحدقة بهم فيها"، وفق "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير".

لا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم.

"خصوصية نوعية"

ويعتبر الكاتب والناشط السياسي السوري، حسن النيفي، أن قضية اللاجئين السوريين تكتسي "خصوصية نوعية" من جهة سيرورتها الدرامية التي جعلت منها مأساة إنسانية تطال ثلثي الشعب السوري، ما بين لاجئ خارج حدود البلاد، ونازح داخل المخيمات سواء في الشمال أو الشرق من سوريا.

ورغم أن ظروف الحرب دفعت الكثيرين إلى مغادرة البلاد السورية باتجاه بلدان الجوار وأوروبا يقول النيفي لموقع "الحرة" إنه "ثمة سياسة ممنهجة مارسها نظام الأسد بغية التخلّص من حواضن الثورة، وفقا لنظرية التجانس التي أعلن عن تبنّيها رأس النظام أكثر من مرة".

وبناء عليه كانت الحرب التي شنها النظام على المدن والبلدات السورية، والتي غالبا ما كانت تنتهي بتهجير جماعي، و"هذه بحد ذاتها جريمة إنسانية كبرى تنص على تجريمها معظم القوانين الدولية"، حسب الكاتب السوري.

ويجب التمييز بين شرائح كثيرة للاجئين السوريين، وفقا للبلد الذي هاجروا إليه، وذلك من جهة طبيعة المعاملة التي يواجهونها.

"اللاجئون السوريون في بلد كلبنان يواجهون معاملة سيئة محفوفة بكافة أشكال التضييق، وربما انتهت في أحوال كثيرة إلى إعادتهم لنظام الأسد"، كما يضيف النيفي.

أما في الأردن وتركيا فلا يختلف منهج المعاملة من حيث عدم استناده إلى القوانين التي تحفظ حق اللاجئين، ولكن الاختلاف يبقى في "درجة التضييق وليس في المبدأ".

ويتابع النيفي أن "اللاجئون السوريون في أوروبا وحدهم قد حصلوا على حق وحماية اللاجئي بفعل القوانين النافذة، وعدم السياسات الأوربية للقوانين الإنسانية التي تحمي اللاجئين".

اللاجئون السوريون معرضون لخطر انتهاكات حقوق الإنسان

"قلق موضوعي وعملياتي"

ومن جهته يشير الحقوقي السوري ومدير "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، مازن درويش، إلى أن حالة القلق التي تساور المنظمات الحقوقية المعنية بشأن وضع اللاجئين لا تنسحب على أولئك المقيمين في تركيا أو لبنان بل حتى المتواجدين في البلدان الأوروبية، ولاسيما مع تصاعد وتتضاعف موجة اليمين.

ويقول لموقع "الحرة": "قلقنا ليس رفاهية بل موضوعي وعملياتي".

وترتبط أسبابه على نحو خاص ومحدد بعمليات "الإعادة القسرية" التي باتت تتم بشكل يومي ومطرد بازدياد.

وبحسب توثيقات المركز الحقوقي الذي يديره درويش تعرض أشخاص كثر لمخاطر بعد عملية إعادتهم إلى مناطق سيطرة النظام السوري.

ويقول الحقوقي السوري إن "لديهم أرقام لأشخاص تعرضوا لإخفاء قسري واعتقال وتعذيب"، وأخبار عن أشخاص فقدوا حياتهم بعد أن تمت إعادتهم "قسرا" إلى سلطة النظام السوري.

علاوة على ما سبق، وفيما يتعلق باللاجئين الموجودين حتى الآن في البلاد التي تتبع ضدهم سياسات تقييدية يوضح درويش أنهم "يتعرضون لكل أشكال الضغط الاقتصادي وحملات الكراهية".

ويضيف أنه "يتم تحميلهم كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، مما يؤدي إلى مزيد من القهر والظلم حتى لو لم تشملهم حملات الإعادة".

يعاني السوريون في عموم المناطق السورية، ظروفا معيشية ونفسية قاسية

"مكسر عصا ومساحة ابتزاز"

ورغم مرور 13 عاما على الحرب في سوريا ماتزال المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري تحكمها سياسة أمنية "متوحشة" بحسب تقارير منظمات حقوقية سورية ودولية.

وفي غضون ذلك لم يقدم النظام السوري حتى الآن أي خطوة على صعيد المعتقلين في سجونه، والكشف عن مصير المختفين قسريا المقدرة أعدادهم بمئات الآلاف.

ويوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني أن "العائق الأكبر لعودة اللاجئين السوريين هو الوضع الأمني المتوحش، الذي تمارسه أجهزة النظام السوري".

ويقول لموقع "الحرة": "استراتيجية النظام كما قال للدول العربية: أعطونا أموال لكي نعيد اللاجئين، وكأن الذي تدمّر في سوريا لم يكن بفعل جيش النظام والبراميل التي ألقاها على المدن بعد محاصرتها"، حسب تعبيره.

ويرى الكاتب السوري النيفي أن قضية اللاجئين "باتت إحدى الأوراق التي يمسك بها نظام الأسد ويحاول استثمارها بهدف المزيد من ابتزاز الدول من جهة".

ومن جهة أخرى يستخدمها "للحصول على النسبة العظمى من المساعدات الإنسانية التي تدفع بها الدول، وتوظيفها بالطريقة التي تخدم مصالحه الأمنية والاقتصادية"، بحسب الكاتب السوري.

ويشير الحقوقي السوري درويش إلى أن "عمليات التهجير التي حصلت على مدى السنوات الماضية في سوريا كانت ممنهجة من جانب النظام السوري، ولم تتم على هامش الأعمال العسكرية".

وبالتالي لا يعتقد أن "النظام السوري لديه الرغبة الحقيقة بعودة اللاجئين".

ويضيف درويش أن "تهجير السوريين للخارج هو جزء من إعادة الهندسة الديمغرافية التي تحدث عنها مسؤولو النظام لأكثر من مرة وبشكل علني".

ويتابع: "النظام من ناحية يمارس لعبة الابتزاز بخصوص ملفهم، وفي المقابل هو حريص على عدم عودتهم".

لا تزال سوريا منذ سنوات وحتى الآن تمثل أكبر أزمة لجوء في العالم.

"تخضع للتفاهمات السياسية"

على مدى السنوات الماضية كان ملف اللاجئين في تركيا صلب حديث السياسيين وعندما كانوا يشيرون إلى آخر تطورات التواصل الاستخباراتي والدبلوماسي مع نظام الأسد، برعاية روسية وإيرانية.

وفي لبنان أقحم المسؤولون هناك ذات الملف في أثناء زيارتهم إلى دمشق أو خلال تصريحاتهم التي كانوا يقدمونها لمحطات التلفزة وعبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

ورغم أن الأضواء دائما ما تتسلط على دول الجوار وما يتعرض له اللاجئون هناك يشير الحقوقيون إلى أن "عدوى التضييق" لم يعد لها حدود.

ويعتبر الحقوقي درويش أن "اللاجئين تحولوا في الوقت الحالي إلى كارت سياسي وساحة للابتزاز الدولي".

ويوضح أنه "حتى في الديمقراطيات الأوروبية نرى كيف يتم استخدام ملف اللاجئين ككارت سياسي بين الخصوم السياسيين، مما يجعلهم مكسر عصا وخاصرة رخوة داخل المجتمعات التي يتواجدون فيها".

درويش يشير في سياق متصل إلى "مصادقة الاتحاد الأوروبي على قانون الهجرة الجديد، والذي يحول اللاجئين لمجرمين حتى يثبت العكس" وإلى الإجراء الأخير الذي اتخذته المملكة المتحدة بعملية نقل اللاجئين إلى دولة ثالثة.

ويرى أن لكلا الحالتين "تبعات خطيرة"، وأن الأمور تخطت حد "الإجراءات الإدارية والسياسيات الإعلانية".

وبدوره الكاتب والناشط السياسي النيفي أن "قضية اللاجئين اكتست تعقيدها من جهة طغيان السياسات على القوانين".

وفي حين يقول إنها "باتت تخضع بشكل مباشر للتفاهمات والمصالح السياسية، ولا تخضع للمرجعيات القانونية والإنسانية" يعتقد أنه "وفي ظل غياب حل سياسي عادل وشامل للقضية السورية سوف تبقى قضية اللاجئين تزداد مأسوية وتعقيدا".

صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكا بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقدا من الزمن، إلا أن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظرا للقضايا الشائكة بين الطرفين.

وتقول نائب رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال افريقيا في معهد السلام الأميركي منى يعقوبيان لوكالة فرانس برس إن المصالحة "لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد".

وتشير إلى "تعقيدات" في ملفات عدة عالقة، تجعل مؤكدا أن استعادة العلاقات "ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد". 

قبل اندلاع النزاع في العام 2011، كانت تركيا حليفا اقتصاديا وسياسيا أساسيا لسوريا. وجمعت إردوغان علاقة صداقة بالأسد. لكن العلاقة بينهما انقلبت رأسا على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام.

فقد دعت أنقرة بداية حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع التظاهرات بالقوة وتحولها تدريجا إلى نزاع دام، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي.

وفي مارس 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق. وقدمت دعما للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة. 

وقال إردوغان، الشهر الحالي، إنه قد يدعو الأسد الى تركيا "في أي وقت"، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في العام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية.

وأبدى الأسد، الإثنين، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحد ذاته إنما في مضمونه.

"شريكان للرقص"

وجاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3,2 ملايين لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم الى بلدهم.

ويقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية ومقره الولايات المتحدة لوكالة فرانس برس إن "سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئا كبيرا على إردوغان".

ويعتبر أن "استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماما بالفشل".

لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو "القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي" قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ العام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنفها "إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا ضدها على أراضيها منذ عقود. 

وتشترط دمشق منذ العام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربها، كمقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

وسأل الأسد الاثنين "ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟"، مضيفا "هذا هو جوهر المشكلة".

ووفق شتاين، إذا قال إردوغان إن اللقاء مع الأسد ممكن، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن "رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه"، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

رغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم "نزعتهم الانفصالية" وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم داعش.

وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

"الجزء الصعب"

ويرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن سونير كاغابتاي أن أنقرة "تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات".

ويضيف "عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غرب سوريا، مع التزام تركيا سحب قواتها تدريجا".

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها، وأكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجا من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها. 

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غرب سوريا، لكن مع أن يبقى الأمن "في يد أنقرة"، على أن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. 

لكن "الجزء الصعب" هو أن الكثير  من المدنيين السوريين لا يرغبون العيش تحت حكم الأسد مجددا، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت تظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. وخرجت تظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة خلال الشهر الحالي رفضا لـ"التطبيع" بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرق البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد خيارا محفوفا بالتحديات.

لذا، فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هي "الأداة الوحيدة المتاحة.. كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومتر من الحدود" إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في العام 1998 توترا بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجا على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011.

وتقول يعقوبيان إنه يتعين الانتظار لمعرفة إذا كان بالإمكان "إعادة صياغة" الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة.

ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة "تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية" تجاه سوريا.