لبنانيون وسوريون لدى دخولهم سوريا هربا من القصف الإسرائيلي على لبنان
لبنانيون وسوريون لدى دخولهم سوريا هربا من القصف الإسرائيلي على لبنان

عندما بدأت الحملة الإسرائيلية على جنوبي لبنان، سارع النظام السوري إلى إطلاق خطط استجابة لاستقبال اللبنانيين مع حديثه عن وجود "مراكز إيواء" تتسع للآلاف منهم، لكن رغم أن طريقة التعاطي هذه قد تكون إجراء طبيعيا لدولة جارة، فإن الصورة تختلف عند النظر إلى الموقف الذي أبدته دمشق مع اللاجئين السوريين هناك، سابقا والآن.

وعلى مدى الأيام الماضية، كانت الحدود مفتوحة أمام اللبنانيين الهاربين من القصف الإسرائيلي باتجاه سوريا، لكن لم يكن المشهد كذلك بالنسبة لأبناء البلد الأصليين، الذين انتظروا لأيام، بسبب عدم قدرتهم على دفع ضريبة الدخول المحددة بتصريف 100 دولار أميركي إلى الليرة السورية.

لم يقتصر الأمر ما سبق فحسب، بل وصل الحد من جانب مؤسسات النظام السوري، لإبداء الاهتمام على نحو كبير بالنازحين اللبنانيين، دون أن تكشف في المقابل عن أية خطة بشأن السوريين، الذين يعيشون مرارة "النزوح المزدوج".

وطالما أكد النظام السوري خلال الأشهر الماضية، أن عملية عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى بلدهم، تتطلب وجود أرضية معيشية وبنى تحتية، مشترطا أكثر من مرة على الدول والمانحين، دعمه ليوفر الاحتياجات لمن يرغب بالعودة.

وبعد اليوم الأول من تصعيد إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان، اتضح من تصريحات مسؤوليه أن "البنى التحتية" التي كان يطالب بها موجودة بالفعل، مما يشير إلى وجود "ازدواجية" في التعامل مع أزمة اللبنانيين والسوريين الفارين من الصراع، كما يقول الباحث السوري، أيمن الدسوقي.

ويضيف الباحث في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، أنه "في حين تتوفر الإرادة السياسية لاستقبال اللبنانيين، مدفوعة بحسابات النظام سياسيا واقتصاديا، لا يبدي الأخير رغبة ولا إرادة في ملف عودة السوريين المتواجدين في دول الجوار، إلى بلادهم، دون مكاسب ينالها مباشرة".

"اعتباران"

ويعتقد الدسوقي في حديثه لموقع "الحرة"، أن تحرك النظام على الحدود مع لبنان مدفوعا بـ"اعتبارين سياسي واقتصادي".

ويتصل الأول بحاجته إلى تبني موقف "يجنبه انتقادات" حلفائه في ما يعرف بـ"محور المقاومة"، "يتجاوز حالة الحياد كما ظهر في غزة، ولا يرقى للانخراط المباشر في دعم حزب الله، خشية الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل تفوق قدرته وتقوض نظامه".

وكذلك، يوفر هذا الانخراط للنظام، "فرصة لإعادة تعويم دوره في الملف اللبناني مجددا، باعتباره شريكا مسؤولا في متابعة هذا الملف، واحتواء تداعياته راهنا وتسويته مستقبلا"، حسب الباحث السوري.

أما الاعتبار الثاني، فيتعلق "باستثمار النظام لأزمة النازحين اللبنانيين" على حد تعبير الدسوقي.

ويأتي ذلك "بهدف الضغط على حليفه الإيراني لإرسال مساعدات مالية ونفطية"، بالوقت الذي أشارت فيه تقارير صحفية عن تراجع ملحوظ في مستوى الدعم الإيراني للنظام.

وأيضا يهدف من وراء ذلك، وفق ذات المتحدث، إلى "استقطاب دعم من الدول المانحة، سيما الخليج وأوروبا، لمواجهة تحديات اللجوء والحيلولة دون تفاقهما، إضافة إلى توظيف هذا الملف كورقة تفاوضية لإعادة النظر بملف العقوبات المفروضة عليه".

ولا تزال حركات الخروج مستمرة من لبنان إلى سوريا عبر المعابر الحدودية الواصلة بين البلدين، وأبرزها جديدة يابوس.

ووفقا لآخر الإحصائيات التي نشرتها الأمم المتحدة، فقد تجاوز عدد العابرين حتى ظهر الإثنين، حاجز الـ100 ألف شخص.

ويتوزع اللبنانيون الداخلين إلى سوريا في عدة محافظات، بينها حمص ودمشق وريف دمشق وطرطوس، وبعض القرى الواقعة في ريف محافظة حماة.

وقال مصدر مطلع (متطوع في مؤسسة الهلال الأحمر السوري) لموقع "الحرة"، إن غالبية الفارين من اللبنانيين "يفضلون الذهاب إلى معارفهم في حمص وريف دمشق، فيما توجهت قلة منهم إلى المدارس ومراكز الإيواء".

وأضاف أن "جزءا آخر خرج من سوريا بعد دخولهم إليها، قاصدين وجهتين هما العراق والأردن".

"ترميم صورة"

ومنذ بدء الحرب في غزة في السابع من أكتوبر 2023، وبعد الحملة الإسرائيلية القائمة على جنوبي لبنان، التزم النظام السوري بسياسة قامت على "الانكفاء"، رغم أنه جزء مما يعرف بـ"محور المقاومة".

واقتصرت مواقفه خلال الأشهر الماضية، على تقديم "الدعم المعنوي" المتأخر، القائم على إصدار بيانات التنديد والإدانة، ومطالبة مؤسسات الأمم المتحدة بالتدخل لوقف الحرب.

وكان لـ"حزب الله" اللبناني الذي تعرض لسلسلة ضربات قتلت آخرها أمينه العام حسن نصر الله، دور كبير في بقاء النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، بعدما اندلعت الثورة السورية ضده في 2011.

وفي تلك الفترة، أدخل حزب الله قوات وقادة كبار لسوريا، وشارك في غالبية المعارك على الأرض، ليحرف آنذاك دفة الصراع لصالح الأسد.

لكن رئيس النظام السوري لم يبد حتى الآن أية نية للانخراط إلى جانب الحزب من أجل دعمه.

ويأتي سلوكه بشأن استقبال اللبنانيين على نحو لافت، ومن منطلق "ترميم صورته"، حسب تعبير مدير البرنامج السوري في "مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية"، كرم شعار.

ووفقا لشعار، يرى النظام السوري أن عبء استضافة أعداد من اللبنانيين سيكون "صغيرا جدا"، لذلك يحاول من منطلق "استثماري" أن يوجه رسالة بأنه "لا يزال يحافظ على الجزء المتبقي من سردية أننا ندعم المقاومة".

ورغم أنه "يعي بأن السردية تلك تمت تعريتها" وهو ما ينطبق على إيران أيضا، يوضح شعار لموقع "الحرة"، أن ما يجري من جانب الأسد على حدود لبنان "يظل محاولة لتعويض تخلخل الصورة الثانية المتعلقة بالانكفاء".

ويعتبر الباحث في "معهد الشرق الأوسط" بواشنطن، سمير التقي، أن "النظام السوري أصبح الآن في وضع محرج جدا فيما يتعلق بموقفه من إيران وحزب الله".

كما أن "موقفه الملتبس بعد مقتل نصر الله، يجعله أيضا في موضع ضعف"، وفق التقي الذي يضيف لموقع "الحرة"، أن "أحد الأشكال التعويضية للضعف من جانبه، هو قضية الحديث عن استقبال اللبنانيين من الباب المفتوح".

"إصلاح سمعة"

ولا تبدو مؤشرات واضحة حتى الآن عن الحد الذي ستصل إليه إسرائيل في جنوب لبنان، بعد أن أعلنت، الثلاثاء، بدء توغل بري "محدود"، وقالت إنها تخوض "قتالا عنيفا مع حزب الله".

ويوضح الباحث السوري التقي، أن "الحقائق تقول إن النظام السوري وبسلوكه المتعلق بعبور اللبنانيين على الحدود، يحاول إصلاح سمعته"، في إشارة منه إلى حالة الانكفاء السياسي والعسكري التي يتبعها.

ويضيف أن ما تقوم به السلطات السورية أيضا "يصب في إطار محاولة تقديم أوراق اعتماد جديدة في مرحلة ما، بعد إعادة تشكيل المنطقة".

ومع ذلك، يعتقد التقي أن "قدرة النظام على أن يكون نقطة توافق إقليمية، ستكون صعبة جدا".

ويشرح أن "المشكلة الرئيسية تكمن بمدى قدرته على أن يكون عامل استقرار في سوريا بدلا من عامل اضطراب. بمعنى قدرته على المصالحة وإدارة البلاد ومنعها من التورط في اتجاه الفوضى.. وهذه عوامل لا تشفع له فيها قضية اللاجئين".

"عين على الدعم"

ويخضع النظام السوري لعقوبات دولية من جانب دول أوروبية والولايات المتحدة، دون أن تشمل القطاع الإنساني المتعلق بمؤسسات الأمم المتحدة.

وكان قد استفاد مؤخرا من كارثة الزلزال الذي ضرب شمالي البلاد، حيث بدأت عدة دول بالتواصل معه، ووصلت إلى حد إعادة تطبيع العلاقات وتقديم الدعم الإنساني لمؤسساته.

ومع استمرار حركة العبور من لبنان، يوضح التقي أن اللبنانيين الجدد داخل سوريا "يتوزعون في إطار قسمين: الأول مرتبط بحزب الله والحاضنة الشعبية المرتبطة به"، أما الثاني "فيشمل اللبنانيين الذين اضطروا للهجرة لأسباب مختلفة، ويفضل قسم منهم استخدام سوريا كبلد عبور فقط باتجاه الأردن أو العراق".

وقد يحاول النظام السوري في الوقت الحالي أن يحجز له مكانا في قائمة الدول "المستفيدة من الدعم الدولي والعائدات المخصصة لأولئك اللبنانيين"، وفق التقي.

لكنه في المقابل، يضيف أن "النظام السوري لن يكون قادرا في وقت لاحق على أن يستمر بالسياسة التي يتبعها الآن، لأن ذلك قد يعني تغييرا ديمغرافيا لن يكون في صالحه".

مشهد عام من العاصمة السورية دمشق - رويترز
مشهد عام من العاصمة السورية دمشق - رويترز

أصدرت وزارة العدل السورية، الخميس، "توضيحا حول ما تم تداوله مؤخرا، عبر وسائل ‏التواصل الاجتماعي" بشأن قيام الوزير، مظهر الويس، بمصافحة رئيس النيابة العامة في محكمة الإرهاب إبان فترة النظام البائد‏.

وقالت الوزارة إن "البعض اعتبر هذه المصافحة إشارة إلى التساهل مع من سعوا إلى ‏تقويض دعائم العدالة وانتهاك قيم الكرامة".‏

وأوضحت في بيان نشرته "سانا" أن "المصافحة المشار إليها ‏تمت خلال تقديم الوزير تهنئة عامة لمجموعة من القضاة بمناسبة ‏عيد الفطر المبارك، وذلك في إطار الأعراف والبروتوكولات الرسمية المتبعة ‏داخل المؤسسات الحكومية، ولم تتضمن هذه المصافحة أي معرفة مسبقة ‏بشخص القاضي أو بتاريخه المهني، كما أنها لا تحمل أي دلالة على التسامح ‏أو المصالحة مع أي من الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات بحق الشعب ‏السوري".‏

وأكدت الوزارة "التزامها المطلق بمحاسبة كل من ثبت تورطه في تجاوزات ‏تمس قيم العدالة"، وأن "جميع القضاة الذين تقلدوا مناصب في محكمة الإرهاب ‏أحيلوا إلى إدارة التفتيش القضائي، حيث يجرى التحقيق وفق الأصول ‏القانونية، وسيتم التعامل مع أي دليل يثبت تورط أحدهم بكل جدية، مع ‏استمرار القضاة في أداء مهامهم بشكل مؤقت إلى حين استكمال الإجراءات ‏واتضاح الحقائق بشكل جلي".‏

وشددت على "دورها المحوري في تطبيق مبدأ سيادة القانون، والتزامها التام بمحاسبة جميع الأفراد الذين تورطوا في سفك دماء الشعب ‏السوري أو المساس بحرياته وحقوقه (...) بما يساهم في ترسيخ ‏العدالة وتعزيز مكتسبات الثورة، وضمان حماية حقوق الأفراد وحرياتهم ‏داخل إطار قانوني شامل وعادل."‏

وأضافت أن "العدالة ستظل المبدأ الذي لا تحيد عنه، مهما حاول البعض ‏طمس الحقائق أو إثارة الشكوك".‏

جدل في سوريا بسبب مصافحة وزير العدل لـ "قاضي الإعدامات"
أثارت صورة مصافحة وزير العدل السوري الجديد، مظهر الويس، للقاضي عمار بلال، رئيس النيابة العامة في محكمة الإرهاب سابقًا، موجة جدل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حادة بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، ومدى الجدية في القطيعة مع رموز النظام السابق.

وأثارت صورة مصافحة وزير العدل السوري للقاضي، عمار بلال، رئيس النيابة العامة في محكمة الإرهاب سابقا، موجة جدل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات حادة بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، ومدى الجدية في القطيعة مع رموز النظام البائد.

الصورة التي نُشرت عبر الحسابات الرسمية لوزارة العدل، أظهرت الويس خلال لقائه موظفي الوزارة، وهو يصافح القاضي عمار بلال، نجل اللواء غسان بلال، مدير مكتب ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، بشار الأسد، والذي يُتهم من قبل ناشطين حقوقيين بلعب دور محوري في إصدار تهم أدت إلى إعدام المئات من المعتقلين خلال فترة توليه منصبه في محكمة الإرهاب.

وعبّر العديد من السوريين، بمن فيهم نشطاء حقوقيون وإعلاميون، عن استيائهم من استمرار ظهور وجوه مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، واعتبروا أن مجرد المصافحة العلنية مع بلال تحمل دلالات سياسية مقلقة، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب تطمينات حقيقية بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى.

وبعض المعلقين رأوا أن وزير العدل، الذي لم يمضِ على توليه المنصب سوى أيام قليلة، قد يكون غير مطلع بالكامل على الخلفيات المرتبطة ببعض الشخصيات العاملة في الوزارة، وهو ما تم توضيحه ببيان الوزارة الجديد، بينما اعتبر آخرون أن الأمر يعكس غياب إرادة حقيقية في محاسبة من تورطوا في الانتهاكات الجسيمة خلال حكم الأسد.

ويُعد القاضي عمار بلال من الأسماء المثيرة للجدل، نظرا لما نُسب إليه من دور في تلفيق تهم ضد معتقلين سياسيين وحقوقيين، وإصداره قرارات إعدام بحقهم ضمن محاكمات افتقرت إلى أدنى معايير العدالة، بحسب تقارير حقوقية محلية ودولية.

ويذكر أن الجدل حول هذه المصافحة يعيد إلى الواجهة النقاش حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ومدى استعداد السلطة الجديدة لتطهير المؤسسات من المتورطين في الحقبة الماضية، وفتح ملفات الانتهاكات بشكل جاد، بدلاً من الاكتفاء بشعارات المصالحة دون محاسبة.