قبل شهر نفذت إسرائيل عملية إنزال خاصة على منشأة عسكرية سورية في منطقة مصياف وسط البلاد، وبعدما جمعت معلومات واستكشفت برنامجا لتصنيع الصواريخ الدقيقة خرج عناصرها من هناك على متن مروحيات ومن مسافة لا تبعد سوى 70 كيلومترا عن قاعدة "حميميم" الروسية الواقعة في ريف اللاذقية.
لم تعلّق روسيا حتى الآن على تلك الحادثة، التي أكدتها وسائل إعلام إسرائيلية وسورية وأميركية بينها صحيفة "نيويورك تايمز".
ويكاد يكون سلوك موسكو هذا مشابها إزاء ما تعمل عليه إسرائيل الآن في جنوب سوريا، إذ يواصل جيشها عمليات التوغل المحدودة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري بريف محافظة القنيطرة، في خطوات لافتة لم يتضح ما إذا كانت دفاعية أم "هجومية".
بتدخلها عسكريا في سوريا بعد عام 2015 فرضت موسكو واقعا جديدا في أروقة السياسة والميدان، وكان للدعم اللامحدود الذي قدمته للنظام في دمشق دور في حرف دفة الصراع لصالحه، وبالشراكة مع الميليشيات التي زجّت بها إيران على الأرض.
وشيئا فشيئا وبينما كانت حاضرة سياسيا ومن الجو عبر طائراتها الحربية أنشأت موسكو بهدوء قاعدتها العسكرية الكبرى في المنطقة (حميميم) ونشرت عناصر من شرطتها في عموم المناطق السورية. ودائما ما كان هؤلاء يسيرون الدوريات مع بقية القوى الحاضرة في الملف السوري لضمان "حالة التهدئة".
الاستراتيجية العسكرية السياسية الروسية بشأن سوريا لم تقتصر خلال السنوات الماضية على ما سبق فحسب، بل توسعت لتشمل عمليات التنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية عبر "خطوط ساخنة"، وكذلك الأمر مع إسرائيل التي تخوض مواجهة الآن مع إيران حليفة النظام السوري الثانية وحزب الله أبرز وكلائها في لبنان.
وتسير روسيا وإسرائيل في سوريا منذ عام 2018 بآلية "الخط الساخن"، لمنع حدوث أي عمليات تضارب بينهما، وبعد العام المذكور أيضا كان الطرفان جزءا من اتفاق أوسع قضى حينها بضرورة إبعاد الميليشيات الإيرانية عن حدود الجولان المحتل لمسافة 80 كيلومترا.
وبموجبه أيضا ثبتت موسكو عدة نقاط عسكرية على طول الخط الفاصل بين سوريا وإسرائيل من جهة الجولان المحتل (برافو)، لكنها انسحبت من البعض منها خلال الأيام الماضية، وقبل أن تنتشر الأخبار المتعلقة بعمليات التوغل وإزالة الألغام التي بدأها الجيش الإسرائيلي على الحدود.
أين روسيا مما يجري في سوريا؟
يرجح الباحث في "معهد الشرق الأوسط" بواشنطن، سمير التقي على نحو مؤكد أن تزيد إسرائيل عمليات توغلها في المرحلة المقبلة داخل الأراضي السورية جنوب البلاد، وباتجاه الضفة الغربية لجبل الشيخ.
ويوضح لموقع "الحرة" أن دباباتها تبعد عن دمشق حاليا مسافة 38 كيلومترا، وأن الجيش الإسرائيلي كان توغل بالأمس في الأراضي الخاضعة لسيطرة النظام السوري "من 5 منافذ رئيسية".
وينفي النظام السوري عمليات التوغل الإسرائيلية في ريف القنيطرة، وكان أكد على ذلك مطلع الأسبوع الحالي على لسان مسؤولي "حزب البعث" وبشكل غير رسمي عكسه تقرير إخباري لصحيفة "الوطن".
لكن وكالة "رويترز" نقلت عن مصادر سورية ولبنانية، الثلاثاء، أن إسرائيل تواصل عمليات إزالة الألغام من حدود الجولان، ويتزامن ذلك مع مغادرة القوات الروسية موقع تل الحارة، وهو أعلى نقطة في محافظة درعا جنوب سوريا ونقطة مراقبة استراتيجية.
كما قال ضابط عسكري سوري للوكالة ذاتها إن "الروس غادروا بسبب تفاهمات مع الإسرائيليين لمنع الصدام".
ويعتقد التقي أن الروس "يعملون الآن في سوريا بطريقة مصلحية"، بمعنى أنهم يضربون المعارضة شمالا حيث ما أمكن في مسعى لترسيخ حالة الحفاظ على النظام.
وفي المقابل لا مانع لديهم في أن تضرب إسرائيل إيران وميليشياتها وحزب الله في سوريا ولبنان وباستمرار.
ومع ذلك، تكمن المشكلة في احتمالية أن تتقدم إسرائيل أكثر في سوريا، وفقا للباحث.
ويضيف أن التدخل الروسي المباشر على صعيد ما يجري بين إسرائيل وإيران لن يكون إلا "لحماية النظام السوري" أو عندما يستشعرون الخطر بشأنه، رغم أن قدراتهم العسكرية الحالية لا تسمح في حسم أي تحوّل قد يطرأ.
"أهداف بـ3 أوجه"
الأهداف الروسية في سوريا ومنذ التدخل العسكري في 2015 كانت تسير بثلاثة مسارات بناء على الظروف والتطورات، كما يوضح الباحث السوري، أحمد قربي.
الأول هو الحفاظ على النظام السوري ومصالح موسكو في الشرق الأوسط، بينها القواعد العسكرية المنشأة على المتوسط وحالة التحكم بمعابر الطاقة وخطوط مرورها من المنطقة، وقضية الحفاظ على أمن إسرائيل.
ولم يتغير هذا المسار والهدف المناط به حتى الآن، بحسب حديث قربي لموقع "الحرة".
ويضيف أن المسار الثاني كانت ملامحه برزت بعد السابع من أكتوبر، حيث سعت موسكو للضغط على النظام السوري كي لا ينخرط في الصراع.
ما نراه في جنوب سوريا يرتبط ارتباطا وثيقا بما سبق، ويؤكده إحجام النظام السوري عن أي عمليات استنفار أو زيادة قوات في جنوب سوريا.
كما يؤكده الموقف الذي اتخذه الأسد إزاء ما يتعرض له حزب الله في لبنان وما شهدته الأراضي السورية من ضربات إسرائيلية أسفرت عن مقتل قادة كبار من "الحرس الثوري" الإيراني، وفقا لحديث الباحث.
لكن قربي يشير إلى أن حالة التماهي الروسية مع ما تفرضه إسرائيل في سوريا والمنطقة لا يعني أن موسكو بعيدة عن الملفات الأخرى في سوريا وتتعاطى معها بذات السوية، وهو الأمر الذي ينعكس في شمال سوريا.
وتتعرض محافظة إدلب في شمال غرب سوريا لقصف جوي روسي لليوم الثالث على التوالي.
وجاء ذلك بعد فترة هدوء استمرت لثلاثة أشهر، في تصعيد لم تتضح مآلاته العسكرية على الأرض.
ومن الواضح أن روسيا تبعث برسائل تفيد أنها "ما تزال حاضرة في الملف السوري"، ويقول قربي إن القصف الجوي الروسي في شمال غرب البلاد "هو رسالة لبقية الفاعلين وبالتحديد تركيا بأن خيوط اللعبة ما تزال بأيدينا".
ويعيد الباحث التأكيد على أن روسيا تتبع سياسة من 3 أوجه في سوريا الآن.
وبينما تحقق أهدافا من خلال عدم التدخل أو المساهمة بتوسيع الصراع أو حتى الاعتراض على استراتيجية إسرائيل في تحجيم النفوذ الإيراني تذكّر بأن هذا الأمر "لا يعني أنها في موقف ضعف على جبهات أخرى"، في إشارة من قربي لما يحصل في الشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة السورية.
"الخيوط ليست بيدها"
ومنذ غزوها لأوكرانيا كانت روسيا في وضع غير مؤات نسبيا في مواجهة إسرائيل بسوريا، بحسب ما يوضح الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن، آرون لوند.
وجعلت هجمات السابع من أكتوبر، التي دفعت إسرائيل إلى التصرف بشكل أكثر عدوانية تجاه إيران وسوريا وأدت في النهاية إلى الحرب في لبنان، إلى "جعل روسيا أكثر عرضة للخطر وربما أكثر قلقا من تصعيد الموقف"، وفقا لقول الخبير لموقع "الحرة".
كما أدت إلى تدهور العلاقات الإسرائيلية الروسية، حيث انحازت موسكو إلى طهران وحلفائها أكثر مما كانت عليه في السابق.
ومن الواضح أن روسيا لا تزال مهتمة بمحاولة تحريك الصراع السوري إلى الأمام بطريقة تناسب مصالحها ومصالح الأسد وإيران، لكن هذه الجهود مرتبطة في الغالب بتركيا.
وفي الممارسة العملية يعتقد لوند أنها "تحاول اللعب على الوقت واستقرار الوضع دون أن يكون لها سيطرة كاملة عليه".
ما سبق ليس أمرا فريدا بالنسبة لروسيا، فهو ينطبق أيضا على تركيا والولايات المتحدة، وهما الفاعلان الخارجيان الرئيسيان الآخران في الحرب السورية.
ومع ذلك أصبح موقف روسيا ضعيفا إلى حد ما الآن ويتعين على موسكو في الوقت الحالي أن "تكون أكثر حذرا من ذي قبل"، وفقا لحديث الخبير في مؤسسة القرن الدولية.
ويرى الباحث في "معهد واشنطن" سمير التقي أن الروس يحاولون العمل بطريقة تستهدف تحقيق "أهداف متواضعة جدا".
ويقول إنه من بين تلك الأهداف "المتواضعة" ليس الدخول على الخط بشكل مباشر، بل بحماية النظام السوري من السقوط أو طمأنته.
وعلاوة على ذلك يعتقد التقي أن "موسكو تعمل في شمال سوريا على ردع تركيا، وإظهار أنها مستعدة للقصف، رغم أن هذه العملية لا تغير الوضع بالسياق الاستراتيجي"، وبالنظر إلى انكسار وضعف المحددات التي قامت عليها تفاهمات سوتشي، قبل سنوات.
وتشير المعطيات القائمة في المنطقة إلى أن روسيا "لم تعد تمسك بخيوط اللعبة بعدما كانت سيد السلطة في الإقليم كله وليس في سوريا فقط"، ويتابع التقي أن هذه الحالة المتمثلة "بانتهاء التفويضات" جاءت نتاج المرحلة التي دخلت بها بعد حرب أوكرانيا وفي أعقاب هجمات السابع من أكتوبر.
وبعد السابع من أكتوبر الذي أشعل شرارة الحرب في غزة حصلت الكثير من المتغيرات على صعيد موازين القوى، ومن المتوقع أن نرى أثر هذه التحولات في المرحلة المقبلة.
وعلى أساس ذلك يؤكد التقي على فكرة أن "روسيا تحاول الآن أن تمنع آثار وتداعيات تلك التحولات قدر الإمكان.. ولذلك يمكن القول إنها تفقد خيوط اللعبة".
