A handout picture provided by the Saudi Press Agency SPA on November 11, 2024, shows Saudi Deputy Governor of the Riyadh region…
مراقبون رأوا في تقارب الأسد مع دول عربية وخليجية تغييرا في سيساته الخارجية

برزت حديثا مؤشرات متتالية على تقارب النظام السوري مع دول عربية وخليجية، مقابل تراجع علاقاته مع إيران وحلفائها في المنطقة، ولا سيما حزب الله وحماس.

يتزامن هذا المشهد مع دور متزايد لروسيا، تسعى إسرائيل إلى توظيفه لتعميق الفجوة بين دمشق وطهران وحزب الله، ما قد يسهم في تقليل تدفق الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله اللبناني المصنف منظمة إرهابية وفق القوائم الأميركية.

ملامح هذا الانفصال ظهرت في عدة صور، أبرزها غياب رئيس النظام السوري، بشار الأسد، عن مراسم تشييع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في طهران. 

وأصدرت دمشق، كذلك، بيانا بدا باهتا إثر مقتل الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، وكان ذلك شبه تأكيد على التباعد السوري-الإيراني.

إلى ذلك، لاحظ مراقبون أن التعامل السوري مع هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل جاء دون المستوى المتوقع، إذ اكتفت دمشق بالتنديد بالهجمات الإسرائيلية على غزة ردا على هجوم مقاتلي حماس، بينما اعتبر مراقبون أن الهدوء الحدودي في الجولان (باستثناء بعض الهجمات الصاروخية المحدودة) ملمح آخر على التغير الحاصل في موقف نظام الأسد.

وتبقى مصادرة النظام السوري لأسلحة حزب الله في الشهر الماضي، بعد مداهمة مستودع ذخيرة في ريف دمشق، أبرز جهود دمشق لتقييد نشاط الحزب في الداخل السوري، وذلك وفقا لما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.

تعليقا على هذه التطورات، قال الدبلوماسي الأميركي السابق، جيمس جيفري، إن الإدارة الأميركية الحالية وكذلك إسرائيل مهتمتان بأي تقدم في العلاقات مع دمشق "خاصة لوقف تدفق السلاح إلى حزب الله في لبنان، وابتعاد الأسد عن إيران".

وخلال مشاركته في برنامج "الحرة الليلة"، شدد جيفري على أن روسيا أيضا مهتمة بهذا التوجه. وقال إن موسكو "لا تريد أن توسع الحرب عبر إيران ووكلائها ضد إسرائيل".

وفي سياق تأكيده على أن روسيا لا تعارض النهج الساري في سوريا، لفت المتحدث إلى أن موسكو لم تعارض مثلا دعم واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية. 

وأوضح جفري قوله إن "مساعدة الأسد لحزب الله كانت مشكلة لنا ولإسرائيل"، مضيفاً: "أما الآن، الأسد بقي بعيداً عن النزاع الحالي رغم العنف المتصاعد" منذ أكتوبر 2023.

جيفري ردّ تغير مواقف الأسد إلى السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل "ودول أخرى"، وفق تعبيره.

لكن المحلل الروسي، الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، رولاند ديغاموف، يرى أن "هذا التقييم لمواقف النظام السوري فيه نوع من المبالغة".

وخلال مقابلة من موسكو مع البرنامج، شدد ديغاموف على فكرة أنه "لا يزال هناك نفوذ إيراني في سوريا"، قبل أن يستدرك قائلا: "لكن هناك ربما بعض التغيرات"، وفق تعبيره.

الرجل عاد ليؤكد أن "من الصعب في الوقت الحالي أن نقول إن تغيرات جذرية حصلت" في علاقة نظام الأسد بإيران وحزب الله.

بخصوص التغيرات المرتقبة في علاقة واشنطن بموسكو مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع يناير المقبل، قال جيمس جيفري: "إذا رد الأسد بطريقة ملائمة لمخاوف أميركا وتركيا وإسرائيل، فقد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغط عليه".

في المقابل، قال الضيف الروسي إن بلاده حققت كل أهدافها التي كانت تسعى إليها في سوريا، مشيراً إلى أن "موسكو لديها وجود عسكري استراتيجي في شرق حوض البحر المتوسط"، بالرغم من أنها لم تستكمل هدف إعادة إعمار سوريا، وفق قوله.  ثم أردف: "أعتقد أن دور روسيا في سوريا وصل إلى حده الأقصى".

جرمانا سوريا

"ليس لك عندنا إلا السيف البتار،" يخاطب مسلح سوري ملثم، وفي يده سيف طويل، صاحب تسجيل صوتي منسوب لرجل درزي.

المسلح الذي بدا "داعشيا" بامتياز في مظهره وخطابه، وصف صاحب التسجيل الذي يتعرض فيه للنبي محمد، بأنه "عدو الله".

لم يعرف إلى أي مجموعة مسلحة ينتمي الملثم  الذي ظهر محاطا بمجموعة مسلحين ملثمين. لكن وكالة رويترز نقلت عن مصادر سورية أن مجموعات مسلحة سنية غاضبة هاجمت بلدة جرمانا ذات الغالبية الدرزية قرب العاصمة السورية دمشق، والنتيجة مقتل أكثر من 12 شخصاً.

وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان إنها تعمل على "تحديد هوية مصدر الصوت" في التسجيل ودعت إلى الهدوء، وحثت المواطنين على "الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات".

الحادثة المشحونة طائفياً أعادت إلى الأذهان المجازر التي ارتكبتها قوات سورية وجماعات موالية للرئيس السوري، أحمد الشرع، ضد مدنيين علويين في الساحل السوري في شهر مارس الماضي. وقتل فيها أكثر من 1600 شخص، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبحسب رويترز، "مثلت تلك الاشتباكات أحدث حلقة من العنف الطائفي الذي يتسبب في سقوط قتلى بسوريا، حيث تزايدت المخاوف بين الأقليات منذ أن أطاح مقاتلو المعارضة المسلحة بقيادة إسلاميين بالرئيس السابق بشار الأسد".

ويهدد ملف الأقليات وحدة سوريا، ويطرح مخاوف من التقسيم على أساس طائفي، اذ لا تبدو الأقليات الدينية مرتاحة للنظام الجديد في الشام. 

وعادت الأصوات الداعية للتقسيم لتعلو في الشمال السوري في مناطق الأكراد، على الرغم من توصل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إلى اتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع، يقضي بانضمام الميليشيا الكردية المسلحة إلى القوات النظامية السورية وتسليم المعابر والمراكز الرسمية في مناطقها لحكومة الشرع.

لكن يبدو أن هذا الاتفاق انهار بعد اجتماع عقدته الأحزاب الكردية في مدينة القامشلي نهار السبت الماضي. واعتبر مراقبون سوريون أن دفع وزارة الدفاع السورية قوات قسد إلى "سد تشرين" ربما تكون خطوة تصعيدية بعد بيان الرئاسة السورية عن إخلال قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق الذي وقع في شهر مارس الماضي، وأن إرسال قوات إلى السد مؤشر على بدء معركة تم تأجليها للسيطرة على السد، وهو ما يشير إلى أن الاتفاق الموقع تم إيقافه بعد بيان اجتماع الأحزاب الكردية السبت، والذي تبنت خلاله هذه الأحزاب وثيقة تدعو إلى نظام لا مركزي وحكم برلماني وضمان حقوق جميع مكونات الشعب. 

هذا الأمر اعتبرته الرئاسة السورية اخلالاً بالاتفاق الموقع مع "قسد"، وأصدرت بياناً أعربت فيه عن رفضها القاطع لأي محاولات "لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة بمسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون توافق وطني شامل".

وأضاف بيان الرئاسة السورية، إن تحركات وتصريحات قيادة قسد تتعارض تعارضا صريحا مع مضمون الاتفاق و"تهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها".

من جهتها، كانت الطائفة الدرزية التي تتواجد بغالبيتها في الجنوب السوري على الحدود مع هضبة الجولان، قد دخلت في نقاش الانضمام/ الانفصال عن نظام الشرع المركزي في دمشق. وقد عبّرت أطراف درزية عن رفضها الاندماج، فيما حافظت أطراف أخرى على الحوار مع الشرع، وبرزت أصوات تنادي بالانضمام إلى إسرائيل بعد ان عرضت الأخيرة تأمين الحماية للأقلية الدرزية. 

وكان العضو في الكونغرس الأميركي مارلين ستوتزمان، الذي التقى مؤخّراً الرئيس السوري في دمشق، قد نقل عن الشرع أنه سيكون "منفتحاً تماماً" على التطبيع مع "إسرائيل"، وأن ما يهمه هو أن يحكم سوريا موحدة، في إشارة إلى مشاريع التقسيم أو "الفدرلة" التي تنادي بها بعض الأقليات الخائفة من الاندماج وتسليم أسلحتها للنظام الجديد.

وقد تعزز هذا الخوف أكثر بعد أحداث الساحل الدموية. ويبدو أن أحداث جرمانا تدفع بالأقليات إلى مزيد من القلق والانطواء والمطالبة بالانفصال والأمن الذاتي وعدم الاطمئنان إلى حماية الدولة لها.

ما بدا مثيراً للقلق في حادثة جرمانا هو سقوط اثنين من عناصر جهاز الأمن العام السوري في الاشتباكات، فيما أكدت وزارة الداخلية السورية في بيان وقوع "اشتباكات متقطعة بين مجموعات لمسلحين، بعضهم من خارج المنطقة وبعضهم الآخر من داخلها. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن وقوع قتلى وجرحى، من بينهم عناصر من قوى الأمن المنتشرة في المنطقة". 

وتخوف ناشطون سوريون من أن تكون قوات الأمن متورطة بالحادثة، وأن تكون المجموعة المسلحة التي ظهرت في مقاطع الفيديو "تضرب بسيف أحمد الشرع".

وقالت مصادر أمنية لوكالة رويترز إن الاشتباكات بدأت ليلا عندما تجمع مسلحون من بلدة المليحة القريبة ومناطق أخرى ذات أغلبية سنية في بلدة جرمانا ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب شرقي دمشق.

ونفت وزارة الداخلية أن يكون مسلحون قد هاجموا البلدة، وقالت على لسان المتحدث باسمها إن مجموعات من المدنيين الغاضبين من التسجيل الصوتي نظمت احتجاجا تعرض لإطلاق نار من قبل مجموعات درزية.

وسط كل هذا الصخب الطائفي، أطل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس المخلوع بشار الأسد، في منشور على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، معلناً عن تشكيل فصيل مسلح في منطقة الساحل السوري، لكنه قال، إن القوات التي حشدها "ليست غايتها الانتقام من أحد، وإنما حماية أهلنا في الإقليم الساحلي"، على حد تعبيره.

وقال مخلوف إنه عمل مع "القائد النمر" (الضابط البعثي سهيل الحسن المتهم بارتكاب مجازر) على حشد مقاتلين من النخبة، لحماية المناطق العلوية.

هكذا تجد حكومة الشرع نفسها محاصرة مجدداً بثلاث أقليات متمردة، الأكراد في الشمال الشرقي، العلويون في الساحل، والدروز في الجنوب، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل سوريا، وعما إذا كانت الأمور ذاهبة إلى مواجهات وتقسيم، أو أن للشرع خطة أخرى لإعادة الأقليات إلى "حضن الوطن".