آثار غارة إسرائيلية على منطقة المزة في سوريا (فرانس برس)
آثار غارة إسرائيلية على منطقة المزة في سوريا (فرانس برس)

"أكبر ضربة لإسرائيل على الأراضي السورية منذ عام 2011 من حيث الخسائر البشرية".. هكذا وصف مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، لموقع "الحرة"، الغارة التي شهدتها مدينة تدمر وسط سوريا، والتي أسفرت عن مقتل 92 مسلحا مواليا لإيران، الأربعاء، معتبرا أنها تحمل "رسائل كبيرة جدا" لطهران، رغم أن إسرائيل لم تعلق عليها رسميا.

ووفق المرصد، فإن حصيلة التقلى شملت "61 من الميليشيات الموالية لإيران من الجنسية السورية، بينهم 11 ضابطاً وصف ضابط يعملون لصالح جماعة حزب الله اللبنانية، و27 من جنسية غير سورية غالبيتهم من (حركة النجباء) العراقية، بالإضافة إلى 4 من حزب الله اللبناني".

وعن أهم "الرسائل" التي أرادت إسرائيل بعثها رغم أنها لم تتبن تلك الغارات بشكل رسمي، قال عبد الرحمن: "هذه أكبر ضربة توجهها إسرائيل داخل سوريا منذ 2011"، أي منذ انطلاقة الاحتجاجات الشعبية في البلاد ضد نظام بشار الأسد، وذلك قبل أن تتحول إلى صراع دموي أودى بحياة ما لا يقل عن نصف مليون شخص، وفق إحصائيات الأمم المتحدة".

وأضاف: "الرسائل الإسرائيلية من وراء تلك الضربة هي رسائل كبيرة جدا، فتدمر لم يكن معروفا عنها سابقا أنها مركز لتجميع ونقل السلاح إلى حزب الله في لبنان".

سلاح الجو الإسرائيلي صعد من وتيرة استهداف المناطق الصناعية في سوريا خلال الشهرين الماضيين
"المخزون يتحرك".. سر استهدافات إسرائيل للمراكز الصناعية بسوريا؟
على مدى الشهرين الماضيين، وضعت إسرائيل المناطق الصناعية في سوريا على قائمة ضرباتها، الهادفة لقطع طرق إمداد حزب الله بالسلاح. وفي حين كان آخرها تلك الواقعة بمدينة تدمر في البادية السورية، حصلت قبل ذلك سلسلة استهدافات متكررة ومشابهة، وطالت هذا النوع من المنشآت في كل من القصير وحسياء وسط البلاد.

وزاد: "مقتل 92 مسلحا يعد ثمرة أكبر ضربة تنفذها إسرائيل من حيث الخسائر البشرية، والأخيرة بذلك تقول لإيران ولكل من يقف معها إنها "قادرة على استهداف ما تريد في أي بقعة من الجغرافيا السورية".

وأوضح أن الغارات استهدفت 3 مواقع في مدينة تدمر، كان يجري في أحدها اجتماع "لمجموعات سورية موالية لطهران، مع قياديين من حركة النجباء وحزب الله اللبناني".

"رسالة واضحة معالم"

من جانبه، رأى الخبير العسكري والاستراتيجي، أحمد رحال، في حديثه إلى موقع "الحرة"، أن "إسرائيل وخلال الأعوام العشرة الماضية كانت تعتمد في غاراتها على مبدأ (جز العشب)، أي ضرب واستهداف فائض القوة لدى إيران وحزب الله داخل سوريا، والذي يمكن أن يشكل خطرا على أمنها".

وتابع: "بعد الغارة الأخيرة على تدمر أضحى الأمر مختلفا تماما، فجبهات المعارك أصبحت مرتبطة، خاصة مع المطالبة بتطبيق القرار الدولي 1701الذي يتضمن نزع سلاح حزب الله، مما يعني وقف التهريب العتاد العسكري عبر الأراضي السورية، وبالتالي إغلاق الحدود السورية مع العراق في وجه الشاحنات المحملة بالسلاح".

ولفت إلى أن ذلك "يعني أن الجغرافيا العراقية أيضا باتت مرتبطة بهذا الأمر، ولذلك قد نشهد في الأيام المقبلة غارات تستهدف الميلشيات الموالية لإيران".

وشدد رحال على أن "هناك رسالة وصلت إلى الأسد، وهي واضحة معالم، مفادها بأن عليك إغلاق الحدود اللبنانية السورية أمام تهريب السلاح إلى حزب الله". 

أما عضو حزب الليكود الإسرائيلي، مودي سعد، فقال لموقع "الحرة"، إن "إيران تخطت كل الحدود في تصرفاتها أو تعاملها مع باقي دول العالم، خاصة إسرائيل".

وفي تعليقه على ضربة تدمر، قال: "طهران تدعم بكل ما يلزم ميليشيات ومنظمات إرهابية، سواء في سوريا أو لبنان أو العراق أو قطاع غزة، بالإضافة إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط".

وزاد: "السؤال الذي يطرح نفسه هو: من الذي أعطاها الصلاحية لتقاتل تحت شعار الحفاظ على فئات من المجتمع مثل سكان في غزة وسوريا واليمن وغيرها من المناطق؟".

وتابع: "النظام في طهران أصبح يعلم مدى قوة إسرائيل العسكرية ويخاف منها، لذلك لن تحاول أن تمس أمن دولتنا عن طريق الميليشيات والمنظمات الإرهابية مثل حزب الله وحماس وغيرهم".

وكانت مسؤولة بالأمم المتحدة قد اعتبرت، الخميس، أن "الغارات الإسرائيلية" على مدينة تدمر هي "على الأرجح الأكثر فتكا" في سوريا حتى الآن، معربة عن قلقها البالغ من تصاعد العنف في البلاد.

وقالت نائبة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، نجاة رشدي، أمام مجلس الأمن الدولي: "مرة أخرى، ازدادت الغارات الإسرائيلية في سوريا بشكل كبير، سواء من حيث الوتيرة أو النطاق.. وقد قُتل عشرات الأشخاص في غارة قرب تدمر، هذه الضربة الإسرائيلية هي على الأرجح الأكثر فتكا حتى الآن".

"تذكير لماهر الأسد"

من جانب آخر، اعتبر رحال أن "ضربة تدمر حملت تذكيرا لماهر الأسد، شقيق بشار، الذي سبق أن جرى إرسال تنبيه له عند قصف فيلته في يعفور بريف بدمشق، بالإضافة إلى قصف شقة له في منطقة المزة".

وأضاف: "إسرائيل أرادت أن تخبر ماهر، الذي يتزعم الفرقة الرابعة الموالية لطهران، بأن عليك الابتعاد عن إيران والحرس الثوري والنأي بنفسه وشقيقه عن مشروع ولاية الفقيه".

وشدد على أن "الضربة حملت أيضا رسالة" لرئيس النظام السوري، مستطردا: "لكنه عاجز عن تنفيذها، ومفادها بأنه عليك أن تختار أحد المحورين، فإما أن تكون مع إيران ضد إسرائيل، أو تكون مع إسرائيل ضد إيران".

ونوه رحال بأن "بشار الأسد كان قد أعطى تعهدات لإسرائيل، عبر دولة عربية، بأنه قادر على الضغط قواته النظامية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يضبط إيقاع تحرك ميلشيات إيران، وحتى أنه عاجز عن ضبط تحركات ميليشيات حزب الله قرب هضبة الجولان".

واعتبر رحال "أن روسيا أيضا تريد تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، لكنها غير قادرة على انتزاع الأسد من الحضن الإيراني"، وفق تعبيره.

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".