معارك طاحنة في ريف حماة - صورة أرشيفية - رويترز
معارك طاحنة في ريف حماة - صورة أرشيفية - رويترز

لا تقل حماة السورية أهمية عن حلب التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة قبل أسبوع، وقد تتجاوزها أيضا في هذا الجانب بناء على معطيات الميدان الحاصلة الآن والمشهد السياسي والعسكري الذي طالما عرفت به المدينة منذ عقود، وفقا لحديث باحثين وخبراء لموقع "الحرة".

وتحاول الفصائل المسلحة، منذ يومين، اختراق دفاعات قوات النظام السوري من جهة ريف حماة الشمالي، وفي حين أنها حققت تقدما واسعا في العديد من القرى والبلدات التابعة للمدينة هناك اصطدمت، خلال الساعات الماضية، بحشود عسكرية كبيرة وبـ"حالة استماتة" على الأرض لم يراها مسلحوها عندما سيطروا على حلب وكامل محيطها.

تقع مدينة حماة وسط سوريا تقريبا، مما يجعلها نقطة وصل بين المحافظات الرئيسية، مثل دمشق، حمص، حلب، إدلب. ويمنحها قربها من المناطق الريفية والحدود الإدارية لمحافظات مثل إدلب واللاذقية موقعا استراتيجيا، للتأثير على الكثير من الديناميكيات السياسية والعسكرية أيضا.

علاوة على ذلك، تعد حماة رمزا للمحطات التاريخية في سوريا، خاصة بعد أحداث عام 1982. وشكل هذا الحدث جزءا من الذاكرة الجماعية في البلاد، وأثر على المشهد السياسي السوري لعقود طويلة، كما أن الرئيس السوري حينها، حافظ الأسد، حرص آنذاك على إبراز سيطرته على المدينة، باعتبارها دليلا على قوته ووحشيته في مواجهة أي حراك من المعارضة.

لماذا الاستماتة على حماة؟

ويوضح الباحث السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، محسن المصطفى، أن حماة تشكل مكانا استراتيجيا هاما جدا، لجميع الأطراف المتصارعة في سوريا، وبالأخص الفصائل المسلحة التي تحاول السيطرة عليها الآن.

وتنبع أهمية المدينة بحسب حديث المصطفى لموقع "الحرة" من موقعها الجغرافي على الطريق الدولي (M5)، وكذلك رمزيتها في الثورة السورية حيث تملك تاريخا طويلا في مقارعة النظام السوري.

ويقول الباحث: "من يسيطر على مدينة حماة سوف يملك زمام المبادرة للتقدم العسكري بشكل أكبر. كما أن المدينة تملك عقدة مواصلات هامة، تساعد في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة".

وتتصل حماة مع البادية السورية، وأيضا مع أرياف إدلب ويوجد فيها مطار عسكري.

كما أن السيطرة عليها تعني السيطرة على حمص بشكل أسهل من المتوقع، بحسب الباحث السوري.

ويتابع: "وربما تسهم في تحرك مناطق في ريف دمشق ودرعا والسويداء، من أجل التخلص من وحدات النظام العسكرية، وبالتالي فرض واقع عسكري جديد".

ومن جهته يرى الخبير العسكري السوري، إسماعيل أيوب، أن "حماة بمثابة الخطر للحواضن المرتبطة بالنظام في الساحل السوري، وغالبيتها من الطائفة العلوية".

ويقول لموقع "الحرة": "هذه الحواضن تعتبر حماة مصدر خطر دائم.. ولذلك يجب السيطرة عليها في كل الظروف والأحوال".

من ناحية أخرى يضيف أيوب أن حماة تضم مراكز حساسة للدولة، مثل فرع الأمن العسكري ومطار ورحبات عسكرية، فضلا عن مستودعات أسلحة تقع إلى الشرق منها، وألوية للجيش ومدارس، مثل "مدرسة المجنزرات"، التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة ليل الثلاثاء - الأربعاء.

وبالتالي يشرح الخبير العسكري أن السيطرة عليها "تفتح الباب أمام الفصائل باتجاه ريف حماة الجنوبي وحمص الشمالي مما يشكل خطرا على النظام".

"مصيرية وتحمل بعدا سياسيا"

وفي مطلع أحداث الثورة السورية عام 2011 كانت حماة خرجت في مظاهرات مناهضة للنظام السوري وطالبت في احتجاجات كبيرة بإسقاط رئيسه، بشار الأسد.

لكن لم يصل المشهد حينها إلى حال بقية المحافظات، إذ بقي مركز مدينتها تحت سيطرة النظام السوري، دون أن تتمكن الفصائل المسلحة من الدخول إليها.

"النظام السوري الآن يعتبر معركة هذه المدينة مصيرية"، وفق أيوب.

ويضيف أنه "في حال تمكنت الفصائل المسلحة من السيطرة عليها سيكونون أمام جبهة طويلة ممتدة مع قرى حواضن النظام على طول سهل الغاب باتجاه الجنوب".

كما تفتح سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة الباب أمامهم باتجاه مدينة الرستن ومن ثم حمص.

ويتابع أيوب: "حماة وحمص تشكل ثنائي لحواضن النظام من الطائفة العلوية. في حال سقطتا سينقطع الطريق بشكل كامل باتجاه مناطق الساحل، ولهذا يستميت النظام في الدفاع عنها"، على حد تعبير الخبير العسكري.

في المقابل يقول الباحث السوري المصطفى إن "المفاوضات السياسية ستكون أسهل" في حال سيطرت الفصائل المسلحة على المدينة وتوقفت عندها.

ويوضح أن "السيطرة على مراكز محافظات كحلب وحماة يعطي دافعا قويا للمعارضة"، كما سيكون لدى المعارضة أو تركيا كدولة راعية "أوراق كبرى تفاوض بها، وبالتالي رفع فرص نجاح الحل السياسي".

ولا يعرف ما إذا كانت الفصائل المسلحة ستتمكن من دخول المدينة بالفعل في الأيام المقبلة.

وقالت في بياناتها الرسمية، الثلاثاء، إنها أصبحت على مداخل حماة من عدة محاور.

وأوضح "المرصد السوري"، صباح الأربعاء، أن الفصائل خاضت معارك "طاحنة" مع قوات النظام السوري، التي شنت هجوما معاكسا بعد منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء، بدعم جوي من طائرات حربية.

وقال المرصد إن قوات النظام تمكنت من استعادة قرية كفراع ومعرشحور، وأبعدت الفصائل بينها "هيئة تحرير الشام" - المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة - عن مدينة حماة نحو 10 كيلومترات.

ويرى الخبير العسكري أيوب أن "النظام في موقف محرج الآن، بعد خسارة أكثر من 30 ألف كيلومتر مربع في أيام قليلة. بينها حلب وكامل أريافها".

ويضيف: "بالتالي قواته تريد الصمود وتدافع عن حماة بكل ما تملك".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".