الوضع الإنساني في سوريا ازداد تدهورا منذ بدء عملية ردع العدوان في 27 نوفمبر.
الوضع الإنساني في سوريا ازداد تدهورا منذ بدء عملية ردع العدوان في 27 نوفمبر. Reuters

قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الخميس، إن التصعيد في شمال غرب سوريا أدى إلى نزوح أكثر من 280 ألف شخص، فيما قتل أكثر من 700 شخص، بينهم 110 مدنيين على الأقل، وذلك في الفترة من 26 نوفمبر إلى الأول من ديسمبر.

وأضاف مكتب الأمم المتحدة أن البنية الأساسية تضررت بما في ذلك مستشفيات ومدارس ومحطات مياه في تصاعد الأعمال القتالية بين المعارضة المسلحة في سوريا والقوات الحكومية، منذ بدء عملية "ردع العدوان" في 27 نوفمبر.

ومن جانبه، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الخميس، إن هناك حاجة ملحة لوصول المساعدات الإنسانية على الفور إلى جميع المدنيين المحتاجين إليها في سوريا والعودة إلى عملية سياسية ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء إراقة الدماء.

وحث غوتيريش "كل من لديه نفوذ على الاضطلاع بدوره من أجل الشعب السوري الذي عانى طويلا"، وشدد على أن جميع الأطراف ملزمة بحماية المدنيين.

وفي مواجهة ما وصفه توم فليتشر مسؤول المساعدات الجديد بالأمم المتحدة بأنه "مستوى غير مسبوق من المعاناة"، تأمل الأمم المتحدة في الوصول إلى المحتاجين في 32 دولة العام المقبل، خاصة الذين مزقتهم الحروب في السودان وسوريا وغزة وأوكرانيا.

وناشدت الأمم المتحدة، الأربعاء، جمع 47 مليار دولار لعام 2025 لدعم نحو 190 مليون شخص فروا من الصراعات ويكافحون المجاعة.

وتأتي المناشدة في وقت لم تحصل فيه المنظمة الدولية حتى على نصف المبلغ الذي طلبته هذا العام ويخشى المسؤولون من خفض الدول الغربية، بمن فيها الولايات المتحدة أكبر مانحي المنظمة، للتمويل.

مخاوف حقوقية

وأبدت منظمة هيومن رايتس ووتش، الأربعاء، مخاوفها من تعرّض المدنيين في شمال سوريا لانتهاكات جسيمة من قبل القوات الحكومية والفصائل المعارضة التي تخوض مواجهات منذ أسبوع، تعد الأعنف منذ سنوات.

وقالت المنظمة الحقوقية في بيان "يثير اندلاع الأعمال القتالية الكبرى في شمال سوريا.. مخاوف من أن يواجه المدنيون خطرا حقيقيا بالتعرض لانتهاكات جسيمة على يد الجماعات المسلحة المعارضة والحكومة السورية".

ومنذ 27 نوفمبر، تشن هيئة تحرير الشام (المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة) وفصائل معارضة متحالفة معها هجوما ضد القوات الحكومية في شمال سوريا، تمكنت بموجبه من التقدم سريعا في مدينة حلب، ثاني كبرى مدن البلاد وريفها الغربي. 

وحضت المنظمة الحقوقية "أطراف النزاع كافة على التزام واجباتها بموجب القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان، بما في ذلك توجيه الهجمات فقط ضد الأهداف العسكرية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب سقوط ضحايا مدنيين، وضمان قدرة المدنيين على الفرار من القتال بأمان".

وقال نائب مدير منطقة الشرق الأوسط لدى المنظمة، آدم كوغل، "نظرا إلى سلوك الحكومة السورية طيلة حوالي 14 عاما من النزاع، تتزايد المخاوف من أنها قد تلجأ مجددا إلى تكتيكات وحشية وغير قانونية، تسبّبت في أضرار مدمرة وطويلة الأمد للمدنيين".

وأضاف "وعدت الجماعات المسلحة المعارضة بضبط النفس واحترام المعايير الإنسانية، لكن في المحصلة سيتم الحكم على أفعالها وليس أقوالها".

وفي بيان، الجمعة، خاطب زعيم هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، سكان مدينة حلب قبل السيطرة عليها بالقول "نطمئن أهلنا هناك إنكم من الآن فصاعدا تحت حمايتنا".

وتوجه الى المقاتلين في بيان، الاثنين، بالقول "شجاعتكم في المعركة لا تعني القسوة والظلم مع أهلنا المدنيين (...) وأحسنوا لأسرى العدو وجرحاهم وإياكم الإفراط في القتل".

وأشارت المنظمة في بيانها الى أن "سجلات الفصائل المعارضة بشأن الاعتقالات تثير مخاوف جدية إزاء سلامة الأشخاص المرتبطين بالحكومة السورية أو الجنود السوريين الذين تم أسرهم أثناء الهجوم العسكري. كما أن الجماعات لديها سجلات موثقة جيدًا لسوء معاملة الأقليات الدينية والعرقية والنساء في المناطق الخاضعة لسيطرتها".

وذكّرت بأن الحكومة السورية "تتحمل مسؤولية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب على مدى السنوات الـ13 الماضية من الأعمال القتالية، بما في ذلك أثناء قتال هيئة تحرير الشام".

ومنذ العام 2011، وثقت منظمات حقوقية بينها هيومن رايتس ووتش، وفق البيان، حصول "اعتقال تعسفي وتعذيب لعشرات الآلاف من الأشخاص من قبل القوات الحكومية السورية فيما يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية".

وقال كوغل "من المؤكد أن السجل الدموي للفظائع التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع في سوريا سيستمر إذا ما اكتفى القادة بالأقوال ولم يدعموا جهود المساءلة".

وتابع "من دون عدالة موثوقة، لن تلوح في الأفق نهاية للمعاناة التي تحملها السوريون، بغض النظر عن الجهة التي تسيطر في الميدان".

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".