قبل هجوم فصائل المعارضة كانت قوات النظام السوري تسيطر على ما يقرب من 64 في المئة من المساحة الاجمالية للبلاد
قبل هجوم فصائل المعارضة كانت قوات النظام السوري تسيطر على نحو 63 في المئة من المساحة الاجمالية للبلاد (AFP)

تتساقط المدن السورية تباعا بيد فصائل المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، إما بسبب الهزائم المتكررة التي تتلقاها قوات النظام السوري في معاركها مع المعارضة أو نتيجة انسحاب تلك القوات من مناطق سيطرتها.

منذ يوم السبت حققت فصائل المعارضة مكاسب واسعة بعد طرد القوات الحكومية من مدن كبرى بداية من سيطرتها على عشرات البلدات في إدلب قبل الوصول الى حلب في الشمال ومن ثم حماة وسط البلاد، فيما لا تزال تواصل التقدم باتجاه مدينة حمص الاستراتيجية وثالث أكبر المدن السورية.

وفي حال سيطرت هيئة تحرير الشام وحلفاؤها على حمص، فلن تبقى بين أيدي نظام الرئيس بشار الأسد من المناطق الاستراتيجية سوى العاصمة دمشق ومنطقة الساحل المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

بالتزامن سيطرت فصائل معارضة مسلحة محلية في جنوب سوريا على معبر نصيب الحدودي مع الأردن الذي كانت السلطات الأردنية أعلنت إغلاقه في وقت سابق.

وفي محافظة درعا في الجنوب، التي تعد مهد الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عام 2011 ضد حكم بشار الأسد، أخلت القوات الحكومية حواجز في ثلاث بلدات على الأقل، بعد هجوم لمقاتلين محليين على مقرات أمنية في المنطقة.

وفي دير الزور شرقا، سيطر تحالف مدعوم من الولايات المتحدة بقيادة مقاتلين أكراد سوريين على المدينة والمعبر الحدودي الرئيسي مع العراق، الجمعة، بعد انسحاب قوات النظام من تلك المناطق.

خارطة توزيع القوى في سوريا (AFP)

بالتالي تقلصت المساحة التي يسيطر عليها النظام السوري لتقتصر على العاصمة دمشق ومعظم محافظة حمص فضلا عن اللاذقية وطرطوس على البحر المتوسط، وغالبية المدن في محافظتي السويداء ودرعا.

قبل هجوم فصائل المعارضة كانت قوات النظام السوري تسيطر على ما يقرب من 63 في المئة من المساحة الاجمالية للبلاد، لكنها تراجعت لما يصل 50 في المئة أو أقل من ذلك في الوقت الحالي.

ويواجه النظام السوري صعوبات في مواجهة خسارة الأراضي لصالح قوى المعارضة السورية في ظل تحركات تقوم بها حليفته الرئيسية طهران من أجل منع تدهور الأوضاع لما هو أسوأ.

حلقة الوصل

من شأن استيلاء المعارضة على حمص قطع العاصمة دمشق عن الساحل السوري، حيث تتركز الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد ويوجد لحلفائه الروس قاعدة بحرية وقاعدة جوية.

تقع حمص التي تعدّ ثالث أكبر مدينة في سوريا، في وسط البلاد على طريق يؤدي إلى العاصمة دمشق الواقعة على بعد 150 كيلومترا. وشهدت قتالا عنيفا دمّر الأحياء القديمة فيها بشكل كبير، قبل أن تستعيد الحكومة السيطرة عليها بالكامل في العام 2017.

تضمّ حمص غالبية من المسلمين السنة وتشكّل الطائفة العلوية أقلية فيها، إضافة إلى أقلية مسيحية. ووصل العنف الطائفي في هذه المدينة إلى ذروته خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في 2011.

تمتدّ حدود حمص الإدارية من لبنان غربا إلى العراق شرقا، كما تشكّل صلة وصل بين شمال البلاد وجنوبها.

عسكريا، يوجد في حمص مجمع الكليات العسكرية، والفرقة 11 والفرقة 18 المتخصصة بالدبابات وقيادة المنطقة الوسطى.

ويوضح الباحث السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، محسن المصطفى في تصريح سابق لموقع "الحرة" أنه في حال تمكنت الفصائل المسلحة من الوصول إلى هذه المواقع، فسيساعدها ذلك "في السيطرة على كميات أسلحة أكبر".

وعلاوة على ذلك، يقول المصطفى إن حمص "تضم حاضنة كبيرة للنظام السوري من الطائفة العلوية، وفي حال تلقى أفرادها رسائل التطمين التي توجهها الفصائل المسلحة بإيجابية، وبقوا في أحيائهم دون مواجهات، فستنقلب المعادلة التي لعب عليه النظام لسنوات طويلة".

ويرى الباحث السوري في مركز "حرمون للدراسات المعاصرة"، نوار شعبان، أن أهمية حمص بالنسبة للنظام السوري تكمن في كونها "نقطة التجمع الوحيدة في وسط سوريا"، على صعيد الكتل العسكرية والوحدات وشبكة الطرق.

وفي حال خسرها سينعكس ذلك على المشهد العسكري ككل في عموم المناطق السورية، خاصة في محيط دمشق.

ويتابع شعبان في حديثه لموقع "الحرة": "في حال فقدان حمص لن يكون هناك أي قدرة للنظام على التحرك وحتى على صعيد إعادة الانتشار، في مقابل انتقال هذه الميزات لخصومه من الفصائل المسلحة".

جرمانا سوريا

"ليس لك عندنا إلا السيف البتار،" يخاطب مسلح سوري ملثم، وفي يده سيف طويل، صاحب تسجيل صوتي منسوب لرجل درزي.

المسلح الذي بدا "داعشيا" بامتياز في مظهره وخطابه، وصف صاحب التسجيل الذي يتعرض فيه للنبي محمد، بأنه "عدو الله".

لم يعرف إلى أي مجموعة مسلحة ينتمي الملثم  الذي ظهر محاطا بمجموعة مسلحين ملثمين. لكن وكالة رويترز نقلت عن مصادر سورية أن مجموعات مسلحة سنية غاضبة هاجمت بلدة جرمانا ذات الغالبية الدرزية قرب العاصمة السورية دمشق، والنتيجة مقتل أكثر من 12 شخصاً.

وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان إنها تعمل على "تحديد هوية مصدر الصوت" في التسجيل ودعت إلى الهدوء، وحثت المواطنين على "الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات".

الحادثة المشحونة طائفياً أعادت إلى الأذهان المجازر التي ارتكبتها قوات سورية وجماعات موالية للرئيس السوري، أحمد الشرع، ضد مدنيين علويين في الساحل السوري في شهر مارس الماضي. وقتل فيها أكثر من 1600 شخص، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبحسب رويترز، "مثلت تلك الاشتباكات أحدث حلقة من العنف الطائفي الذي يتسبب في سقوط قتلى بسوريا، حيث تزايدت المخاوف بين الأقليات منذ أن أطاح مقاتلو المعارضة المسلحة بقيادة إسلاميين بالرئيس السابق بشار الأسد".

ويهدد ملف الأقليات وحدة سوريا، ويطرح مخاوف من التقسيم على أساس طائفي، اذ لا تبدو الأقليات الدينية مرتاحة للنظام الجديد في الشام. 

وعادت الأصوات الداعية للتقسيم لتعلو في الشمال السوري في مناطق الأكراد، على الرغم من توصل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إلى اتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع، يقضي بانضمام الميليشيا الكردية المسلحة إلى القوات النظامية السورية وتسليم المعابر والمراكز الرسمية في مناطقها لحكومة الشرع.

لكن يبدو أن هذا الاتفاق انهار بعد اجتماع عقدته الأحزاب الكردية في مدينة القامشلي نهار السبت الماضي. واعتبر مراقبون سوريون أن دفع وزارة الدفاع السورية قوات قسد إلى "سد تشرين" ربما تكون خطوة تصعيدية بعد بيان الرئاسة السورية عن إخلال قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق الذي وقع في شهر مارس الماضي، وأن إرسال قوات إلى السد مؤشر على بدء معركة تم تأجليها للسيطرة على السد، وهو ما يشير إلى أن الاتفاق الموقع تم إيقافه بعد بيان اجتماع الأحزاب الكردية السبت، والذي تبنت خلاله هذه الأحزاب وثيقة تدعو إلى نظام لا مركزي وحكم برلماني وضمان حقوق جميع مكونات الشعب. 

هذا الأمر اعتبرته الرئاسة السورية اخلالاً بالاتفاق الموقع مع "قسد"، وأصدرت بياناً أعربت فيه عن رفضها القاطع لأي محاولات "لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة بمسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون توافق وطني شامل".

وأضاف بيان الرئاسة السورية، إن تحركات وتصريحات قيادة قسد تتعارض تعارضا صريحا مع مضمون الاتفاق و"تهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها".

من جهتها، كانت الطائفة الدرزية التي تتواجد بغالبيتها في الجنوب السوري على الحدود مع هضبة الجولان، قد دخلت في نقاش الانضمام/ الانفصال عن نظام الشرع المركزي في دمشق. وقد عبّرت أطراف درزية عن رفضها الاندماج، فيما حافظت أطراف أخرى على الحوار مع الشرع، وبرزت أصوات تنادي بالانضمام إلى إسرائيل بعد ان عرضت الأخيرة تأمين الحماية للأقلية الدرزية. 

وكان العضو في الكونغرس الأميركي مارلين ستوتزمان، الذي التقى مؤخّراً الرئيس السوري في دمشق، قد نقل عن الشرع أنه سيكون "منفتحاً تماماً" على التطبيع مع "إسرائيل"، وأن ما يهمه هو أن يحكم سوريا موحدة، في إشارة إلى مشاريع التقسيم أو "الفدرلة" التي تنادي بها بعض الأقليات الخائفة من الاندماج وتسليم أسلحتها للنظام الجديد.

وقد تعزز هذا الخوف أكثر بعد أحداث الساحل الدموية. ويبدو أن أحداث جرمانا تدفع بالأقليات إلى مزيد من القلق والانطواء والمطالبة بالانفصال والأمن الذاتي وعدم الاطمئنان إلى حماية الدولة لها.

ما بدا مثيراً للقلق في حادثة جرمانا هو سقوط اثنين من عناصر جهاز الأمن العام السوري في الاشتباكات، فيما أكدت وزارة الداخلية السورية في بيان وقوع "اشتباكات متقطعة بين مجموعات لمسلحين، بعضهم من خارج المنطقة وبعضهم الآخر من داخلها. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن وقوع قتلى وجرحى، من بينهم عناصر من قوى الأمن المنتشرة في المنطقة". 

وتخوف ناشطون سوريون من أن تكون قوات الأمن متورطة بالحادثة، وأن تكون المجموعة المسلحة التي ظهرت في مقاطع الفيديو "تضرب بسيف أحمد الشرع".

وقالت مصادر أمنية لوكالة رويترز إن الاشتباكات بدأت ليلا عندما تجمع مسلحون من بلدة المليحة القريبة ومناطق أخرى ذات أغلبية سنية في بلدة جرمانا ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب شرقي دمشق.

ونفت وزارة الداخلية أن يكون مسلحون قد هاجموا البلدة، وقالت على لسان المتحدث باسمها إن مجموعات من المدنيين الغاضبين من التسجيل الصوتي نظمت احتجاجا تعرض لإطلاق نار من قبل مجموعات درزية.

وسط كل هذا الصخب الطائفي، أطل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس المخلوع بشار الأسد، في منشور على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، معلناً عن تشكيل فصيل مسلح في منطقة الساحل السوري، لكنه قال، إن القوات التي حشدها "ليست غايتها الانتقام من أحد، وإنما حماية أهلنا في الإقليم الساحلي"، على حد تعبيره.

وقال مخلوف إنه عمل مع "القائد النمر" (الضابط البعثي سهيل الحسن المتهم بارتكاب مجازر) على حشد مقاتلين من النخبة، لحماية المناطق العلوية.

هكذا تجد حكومة الشرع نفسها محاصرة مجدداً بثلاث أقليات متمردة، الأكراد في الشمال الشرقي، العلويون في الساحل، والدروز في الجنوب، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل سوريا، وعما إذا كانت الأمور ذاهبة إلى مواجهات وتقسيم، أو أن للشرع خطة أخرى لإعادة الأقليات إلى "حضن الوطن".