سهيل- لبناني- سجين محرر من معتقلات الأسد بسوريا
سُجن سهيل حموى عام 1992، ليخرج محرَّرًا بعد أن أمضى 32 عامًا في السجون السورية

"وجعٌ. مرضٌ. ظلمٌ. ألمٌ. حنيٌن، واشتياق". هكذا لخّص سهيل حموى، السجين اللبناني معاناة أكثر من ثلاثة عقود في زنزانات نظام بشار الأسد.

سُجن عام 1992، ليخرج مع سقوط النظام، بعد أن أمضى 32 عاما في السجون السورية.

يقول في مقابلة مصورة مع "الحرة": "كنت شابّا عندما اعتقلت، والآن عمري 61 سنة".

أبدى الرجل قوة دفينة رغم مرارة روايته، كان يتحدث مبتسما ويقول بنبرة مِلؤها الأمل: "لم أكن لوحدي. صحيح أنني كنت كجسد، معزولا في زنزانتي، لكن أرواح من أحب كانت معي".

وتابع كاشفا السر وراء صبره كل تلك السنين: ""كنت إذا اشتقت لأحد، أغمضت عيناي لأراه، وإذا جعت أكذب على نفسي وأقول إنني أكلت".

يقول حموي: "كل شيء كان له دواء إلا الحرية".

"الفرع".. استنطاقٌ وتعذيب

عندما اعتُقل قبل ثلاثة عقود، لم يكن يعرف حتى تهمته، بينما أمضى عدة أيام في ما أسماه بـ"الفرع"، حيث يتم استنطاق السجناء "تحت الأرض".

بعد 20 عاما من الاعتقال، عرفت تهمته. "اتُهِمتُ بالتعاون مع القوات اللبنانية".

أمضى 5 أعوام في "فرع فلسطين"،  المعروف أيضا باسم "فرع 235"، وهو أحد السجون التي تديرها المخابرات السورية.

بعدها نقل إلى سجن تدمر، ثم إلى صيدنايا، حيث بقي نحو 14 سنة هناك، 1997-2011، ثم نُقل إلى سجن عدرا، ليمكث فيه بين عامي 2011-2015، قبل أن يُنقل إلى سجن اللاذقية حتى "تحريره".

يقول واصفا تلك السنوات: "كان أكثر اشتياقي لأمي وإخوتي". يتحدث بألم عن فقدان "دفء العائلة".

تعرض لـ"الضرب والتعذيب" أثناء استنطاقه في "الفرع": "هناك أشياء أخذوها مني غصبا. بعض آثار الضرب ما زالت في جسدي".

لحظات التحرّر

قبل أيامٍ من تحريره، كان حموي والسجناء قد سمعوا بتحرّك المعارضة التدريجي نحو جميع المحافظات السورية.

فتح والسجناء معه، أبواب السجن بأياديهم. اتخذوا هذا القرار بعد هروب موظفي السجن وحراسه.

يقول خلال مقابلته مع "الحرة": "في تلك اللحظة، لم أحسّ بأي شيء. كنت ضائعا. كنت في مكان لا أعرفه، ولا أعرف أحدا فيه".

بعد تحرره، احتار في اختيار وجهته: "لم أكن أعرف إن كان علي أن أذهب يمينا أو شمالا".

بعدها، رافق أحد السجناء السوريين إلى بيته، حيث أقام في انتظار عودته إلى لبنان.

وفي وصفه ليوم لقاء عائلته: "لم أعرفهم، لكنهم عرفوني. كنت أرى حلمي ينتظرني. كِدت أقفز فوق خندق حتى أصل إليهم".

"كانوا هناك. زوجتي وأصدقائي. كل أولئك الذين كنت أتحسس أرواحهم معي في الزنزانة"، يقول حموي بحرقة.

جرمانا سوريا

"ليس لك عندنا إلا السيف البتار،" يخاطب مسلح سوري ملثم، وفي يده سيف طويل، صاحب تسجيل صوتي منسوب لرجل درزي.

المسلح الذي بدا "داعشيا" بامتياز في مظهره وخطابه، وصف صاحب التسجيل الذي يتعرض فيه للنبي محمد، بأنه "عدو الله".

لم يعرف إلى أي مجموعة مسلحة ينتمي الملثم  الذي ظهر محاطا بمجموعة مسلحين ملثمين. لكن وكالة رويترز نقلت عن مصادر سورية أن مجموعات مسلحة سنية غاضبة هاجمت بلدة جرمانا ذات الغالبية الدرزية قرب العاصمة السورية دمشق، والنتيجة مقتل أكثر من 12 شخصاً.

وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان إنها تعمل على "تحديد هوية مصدر الصوت" في التسجيل ودعت إلى الهدوء، وحثت المواطنين على "الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات".

الحادثة المشحونة طائفياً أعادت إلى الأذهان المجازر التي ارتكبتها قوات سورية وجماعات موالية للرئيس السوري، أحمد الشرع، ضد مدنيين علويين في الساحل السوري في شهر مارس الماضي. وقتل فيها أكثر من 1600 شخص، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبحسب رويترز، "مثلت تلك الاشتباكات أحدث حلقة من العنف الطائفي الذي يتسبب في سقوط قتلى بسوريا، حيث تزايدت المخاوف بين الأقليات منذ أن أطاح مقاتلو المعارضة المسلحة بقيادة إسلاميين بالرئيس السابق بشار الأسد".

ويهدد ملف الأقليات وحدة سوريا، ويطرح مخاوف من التقسيم على أساس طائفي، اذ لا تبدو الأقليات الدينية مرتاحة للنظام الجديد في الشام. 

وعادت الأصوات الداعية للتقسيم لتعلو في الشمال السوري في مناطق الأكراد، على الرغم من توصل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إلى اتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع، يقضي بانضمام الميليشيا الكردية المسلحة إلى القوات النظامية السورية وتسليم المعابر والمراكز الرسمية في مناطقها لحكومة الشرع.

لكن يبدو أن هذا الاتفاق انهار بعد اجتماع عقدته الأحزاب الكردية في مدينة القامشلي نهار السبت الماضي. واعتبر مراقبون سوريون أن دفع وزارة الدفاع السورية قوات قسد إلى "سد تشرين" ربما تكون خطوة تصعيدية بعد بيان الرئاسة السورية عن إخلال قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق الذي وقع في شهر مارس الماضي، وأن إرسال قوات إلى السد مؤشر على بدء معركة تم تأجليها للسيطرة على السد، وهو ما يشير إلى أن الاتفاق الموقع تم إيقافه بعد بيان اجتماع الأحزاب الكردية السبت، والذي تبنت خلاله هذه الأحزاب وثيقة تدعو إلى نظام لا مركزي وحكم برلماني وضمان حقوق جميع مكونات الشعب. 

هذا الأمر اعتبرته الرئاسة السورية اخلالاً بالاتفاق الموقع مع "قسد"، وأصدرت بياناً أعربت فيه عن رفضها القاطع لأي محاولات "لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة بمسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون توافق وطني شامل".

وأضاف بيان الرئاسة السورية، إن تحركات وتصريحات قيادة قسد تتعارض تعارضا صريحا مع مضمون الاتفاق و"تهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها".

من جهتها، كانت الطائفة الدرزية التي تتواجد بغالبيتها في الجنوب السوري على الحدود مع هضبة الجولان، قد دخلت في نقاش الانضمام/ الانفصال عن نظام الشرع المركزي في دمشق. وقد عبّرت أطراف درزية عن رفضها الاندماج، فيما حافظت أطراف أخرى على الحوار مع الشرع، وبرزت أصوات تنادي بالانضمام إلى إسرائيل بعد ان عرضت الأخيرة تأمين الحماية للأقلية الدرزية. 

وكان العضو في الكونغرس الأميركي مارلين ستوتزمان، الذي التقى مؤخّراً الرئيس السوري في دمشق، قد نقل عن الشرع أنه سيكون "منفتحاً تماماً" على التطبيع مع "إسرائيل"، وأن ما يهمه هو أن يحكم سوريا موحدة، في إشارة إلى مشاريع التقسيم أو "الفدرلة" التي تنادي بها بعض الأقليات الخائفة من الاندماج وتسليم أسلحتها للنظام الجديد.

وقد تعزز هذا الخوف أكثر بعد أحداث الساحل الدموية. ويبدو أن أحداث جرمانا تدفع بالأقليات إلى مزيد من القلق والانطواء والمطالبة بالانفصال والأمن الذاتي وعدم الاطمئنان إلى حماية الدولة لها.

ما بدا مثيراً للقلق في حادثة جرمانا هو سقوط اثنين من عناصر جهاز الأمن العام السوري في الاشتباكات، فيما أكدت وزارة الداخلية السورية في بيان وقوع "اشتباكات متقطعة بين مجموعات لمسلحين، بعضهم من خارج المنطقة وبعضهم الآخر من داخلها. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن وقوع قتلى وجرحى، من بينهم عناصر من قوى الأمن المنتشرة في المنطقة". 

وتخوف ناشطون سوريون من أن تكون قوات الأمن متورطة بالحادثة، وأن تكون المجموعة المسلحة التي ظهرت في مقاطع الفيديو "تضرب بسيف أحمد الشرع".

وقالت مصادر أمنية لوكالة رويترز إن الاشتباكات بدأت ليلا عندما تجمع مسلحون من بلدة المليحة القريبة ومناطق أخرى ذات أغلبية سنية في بلدة جرمانا ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب شرقي دمشق.

ونفت وزارة الداخلية أن يكون مسلحون قد هاجموا البلدة، وقالت على لسان المتحدث باسمها إن مجموعات من المدنيين الغاضبين من التسجيل الصوتي نظمت احتجاجا تعرض لإطلاق نار من قبل مجموعات درزية.

وسط كل هذا الصخب الطائفي، أطل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس المخلوع بشار الأسد، في منشور على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، معلناً عن تشكيل فصيل مسلح في منطقة الساحل السوري، لكنه قال، إن القوات التي حشدها "ليست غايتها الانتقام من أحد، وإنما حماية أهلنا في الإقليم الساحلي"، على حد تعبيره.

وقال مخلوف إنه عمل مع "القائد النمر" (الضابط البعثي سهيل الحسن المتهم بارتكاب مجازر) على حشد مقاتلين من النخبة، لحماية المناطق العلوية.

هكذا تجد حكومة الشرع نفسها محاصرة مجدداً بثلاث أقليات متمردة، الأكراد في الشمال الشرقي، العلويون في الساحل، والدروز في الجنوب، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل سوريا، وعما إذا كانت الأمور ذاهبة إلى مواجهات وتقسيم، أو أن للشرع خطة أخرى لإعادة الأقليات إلى "حضن الوطن".