معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا (رويترز)
معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا (رويترز)

"كابوس عبور الحدود والخوف من الاعتقال زال والحلم تحقق".. حلم رآه السوريون بالفعل صعب التحقيق على مدار 13 سنة تقريبا.. ففكرة العودة إلى بلادهم التي مزقتها الحرب الأهلية تحت حكم بشار الأسد، كانت بعيدة المنال، خوفا من الملاحقات الأمنية أو حتى الموت، إلا أنها أصبحت اليوم واقعا إثر انهيار النظام.

وبكلمات محمود العنجاري، الذي عاد إلى مدينته حمص قادما من الشويفات في لبنان بعد غياب 12 عاما، فإن "تطور الأحداث الأخيرة والانهيار السريع في صفوف قوات النظام، دفع العديد من السوريين إلى الاستعجال في العودة، خاصة وأن كابوس عبور الحدود والخوف من الاعتقال زال أخيرا".

ويؤكد لموقع "الحرة"، أنه "حزم حقائبه وتجهز للعودة لحظة إعلان سيطرة فصائل المعارضة على حمص"، مضيفا: "كانت لدي مشاعر متضاربة من الفرح والأمل والذهول وعدم التصديق، إنه كحلم يتحقق".

ويتابع العنجاري: "شعوري كشعور جميع السوريين المهجرين قسرا خارج بلادهم، المتشوقين للم الشمل مع أُسرهم، ولقاء أحبائهم ورؤية منازلهم وقراهم التي هُجّروا منها، لهذا لا استغرب أبدا هذا الازدحام الذي تشهده المعابر ".

ومهَّّد انهيار نظام الأسد طريق العودة الآمنة لملايين اللاجئين السوريين حول العالم، فمنذ اليوم الثاني من سقوطه، بدأت المعابر الحدودية التي تربط سوريا بالدول المجاورة تشهد حركة للآلاف العائدين إلى وطنهم.

بوتين خلال اجتماع مع الأسد في موسكو - صورة أرشيفية - رويترز
من دمشق إلى موسكو.. تساؤلات قانونية بشأن "الرئيس اللاجئ"
انتهت ساعات من الغموض بشأن مصير رئيس النظام السوري المخلوع، بشار الأسد، مع إعلان مصدر في الكرملين، مساء الأحد، أن موسكو منحت الأسد وعائلته حق اللجوء، مؤكدا وجودهم في العاصمة الروسية، وذلك بعد مغادرته دمشق على متن طائرة إلى وجهة لم تكن معروفة.

وأظهرت مقاطع فيديو حديثة توافد أعداد كبيرة من السوريين على المعابر الحدودية، بالإضافة لمئات السيارات التي تحمل عائدين من لبنان والأردن وتركيا.

وتواجه المعابر الحدودية في سوريا ازدحامًا كبيرا في ظل غياب كامل للأمن العام السوري على الحدود السورية الأردنية واللبنانية منذ 3 أيام، فيما يتواجد تتواجد قوات تابعة للمعارضة عند المعابر الواقعة على الحدود السورية التركية.

ويشهد معبر نصيب على الحدود السورية الأردنية، ومعبر باب الهوى على الحدود التركية السورية، ومعبر المصنع على الحدود اللبنانية السورية، حركة كثيفة لآلاف اللاجئين العائدين إلى سوريا، رغم تعقيدات العودة والمخاوف التي ترافقها.

ويقول ملحم سليمان من مدينة حلب، العائد من غازي عنتاب جنوبي تركيا بعد غياب 11عاما: "على الرغم من المخاوف والشكوك بشأن العودة، فإن الحماس يسود غالبية اللاجئين الذين شعروا بأن سقوط (الرئيس بشار) الأسد يمثل فرصة للعودة إلى وطنهم".

ومن معبر باب الهوى، يوضح سامر العمر، الذي ينتظر الدخول إلى سوريا بعد أن غادرها إلى تركيا منذ عام 2013: "ترددت كثيرًا في العودة إلى سوريا سابقا، لكن بعد سقوط الأسد، اتخذت قرار العودة خلال دقائق".

ويستطرد لموقع الحرة: "هناك المئات اليوم عند المعبر والأعداد تزداد، أتمنى أن يتم فتح كل المعابر الحدودية مع تركيا، حتى لا يحدث هذا الازدحام ونعود جميعا في أقرب وقت ممكن".

ويضيف سامر أن "أعدادا كبيرة من أصدقائه وأقربائه عادوا منذ اليوم الثاني والثالث لتحرير مدينة حلب، إذ قاموا بتسليم بطاقات الحماية المؤقتة وعادوا بشكل نهائي إلى منازلهم".

ويقول: "يجب أن نعود إلى وطننا ونساهم في بنائه، عشنا في الاغتراب لأكثر من 10 أعوام، ويكفينا هذا التعب".

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد قال، الإثنين، إنه "سيتم افتتاح معبر كسب الحدودي مع سوريا لتسهيل حركة العائدين، ولتجنب الاكتظاظ الحالي في المعابر الأخرى".

كما تمت إعادة فتح معبر جابر/نصيب الحدودي مع الأردن، بعد إغلاقه يوم الجمعة الفائت.

وأكد وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، أن الوضع على معبر جابر آمن، وأنه يتم تسهيل حركة السوريين العائدين إلى بلدهم.

وأضاف الوزير الأردني أنه "يوجد تنسيق مع الجهة المسيطرة على الطرف الآخر من المعبر"، أي المعارضة السورية، "لاستقبال أي أردني عائد من سوريا".

تسهيلات في العبور.. وفوضى

تحدث بعض العائدين عن تسهيلات كبيرة في العبور إلى سوريا من لبنان عبر معبر المصنع الواقع في منطقة جديدة يابوس، لكن كثافة العابرين من الجهتين تسببت بتباطؤ العمل وفترة انتظار طويلة.

أما على الجانب السوري، فيقول العائدون إن هناك "فوضى" في بعض النقاط، و"غياب تام لموظفي الأمن العام".

وبدورها، أكدت المديرية العامة للأمن العام اللبناني، غياب الأمن العام السوري عند معبر المصنع في جديدة يابوس، موضحة أنه نتيجة لذلك "تدفقت أعداد كبيرة من السوريين باتجاه مركز المصنع الحدودي، وحاول قسم منهم الدخول عنوةً ومن دون الخضوع لإجراءات الأمن العام اللبناني".

وفي باب الهوى على الحدود التركية السورية، شهد المعبر أيضًا كثافة في أعداد الراغبين بالعودة.

ووصف بعض السوريين الإجراءات بأنها "عادية" مقارنة بالمعابر الأخرى، خاصة وأن إدارة المعبر ما زالت على حالها، وهي تحت سلطة الحكومة المؤقتة في الشمال السوري، في حين أن معابر أخرى مثل معبر المصنع في لبنان ومعبر نصيب في الأردن، تشهد بعض الفوضى بسبب غياب التنسيق الأمني مع الجانب السوري.

زعيم "هيئة تحرير الشام" أبو محمد الجولاني (رويترز)
الجولاني يتوعد بملاحقة "كبار المتورطين بتعذيب الشعب السوري" ويعلن عن "مكافآت"
أعلن زعيم "هيئة تحرير الشام" أبو محمد الجولاني، الذي يقود فصائل سورية أطاحت بالرئيس بشار الأسد، أن السلطات الجديدة في سوريا ستنشر قريبا "قائمة أولى بأسماء كبار المتورّطين بتعذيب الشعب السوري" لملاحقتهم ومحاسبتهم.

طرق غير شرعية

من جانبهم، اختار العديد من السوريين العودة إلى بلادهم عبر طرق غير شرعية تربط لبنان بسوريا. وأفاد عدد ممن تواصل معهم موقع "الحرة"، بأن هذه الخطوة "كانت صعبة ومكلفة في السابق".

"الطريق عبر المعابر غير الشرعية يتطلب المشي لأكثر من ساعة أحيانا، لكن الحماس للعودة إلى سوريا دفعنا لاختيار هذا الطريق، رغم أن معبر المصنع الشرعي مفتوح ويتم تسهيل حركة الخروج، لكننا كنا عالقين في طوابير طويلة"، وفق ما يقول منير، وهو أحد العائدين مؤخرا إلى سوريا رفقة عائلته المؤلفة من 4 أشخاص.

ويضيف منير: "قصدت لبنان فارا من الخدمة العسكرية الإلزامية، حيث كنت مطلوبا للنظام، أما السبب الذي اضطرني لاختيار المعابر غير الشرعية للعودة ليس خوفا من الاعتقال كما جرت العادة، بل لأني أردت الوصول بسرعة كي أعيش وعائلتي لحظات الانتصار والاحتفال ولحظات إسقاط الطاغية"، في إشارة إلى الأسد.

بدورها، تقول نهى محمود التي عادت من لبنان، الإثنين، إلى مدينة بريف دمشق: "كان الراغبون بالدخول والخروج من لبنان عن طريق المعابر غير الشرعية يدفعون 100 دولار للمهربين، لكن الآن، دخلت عبر معبر غير شرعي بعد دفع 5 دولارات فقط".

وتشير إلى أن "المهرّب كان يراقب طوابير المنتظرين، ويعرض على البعض تسهيل الدخول إلى سوريا عبر أحد المعابر غير الشرعية، مقابل مبلغ يتراوح بين 5 و10 دولارات للشخص، إذ يوصله بسيارته لنقطة معينة، ومن ثم يواصل السير مشيا على الأقدام لمسافة تقارب الساعة، حتى يصل إلى الداخل السوري".

وبالنسبة لآخرين، فإن العودة عبر طرق غير شرعية كانت خيارا "اضطروا للجوء إليه"، كي "لا يحصلوا على منع دخول دائم إلى لبنان". يأتي ذلك نتيجة تواجد أعداد كبيرة من السوريين الذين دخلوا إلى لبنان بشكل غير قانوني في السنوات الماضية، وبالتالي لا يمكنهم الخروج من المعابر القانونية.

ورغم ضبابية المشهد بالنسبة للعائدين إلى ديارهم بعد سنوات من الغياب، وعدم اليقين بشأن مصير بيوتهم أو مناطقهم، فإن فكرة العودة إلى الوطن كانت المحفز الأساسي الذي دفع الآلاف منهم إلى الإسراع في العودة، وسط آمال بمستقبل أفضل.

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".