صفحات وكالة سانا وضعت علم الثورة السورية
وكالة "سانا" وضعت علم الثورة السورية على صفحاتها. (Social Media / X)

خلال الأحداث المتسارعة التي رافقت تهاوي أركان نظام بشار الأسد، الذي توارى عن الأنظار خلال الأيام الأخيرة التي سبقت سقوطه، سلطت الأضواء على وسائل الإعلام الرسمية التابعة للنظام السوري، التي كانت معظم منشوراتها وبياناتها تتضمن نفياً لما تقوله المعارضة.

غير أن النفي الرسمي، أدخل المزيد من الارتباك بخصوص حقيقة ما يجري في الميدان، خصوصاً مع الكم الهائل من الصور وأشرطة الفيديو التي تم تداولها عبر شبكة الإنترنت، والتي أظهرت تبايناً واضحاً بين الواقع الذي يشاهده السوريون على الأرض، وما كانت تقوله وسائل الإعلام الرسمية.

في السابع من ديسمبر، ووسط حالة الذهول من السرعة الخاطفة التي وصلت بها فصائل المعارضة المسلحة إلى عدة مدن سورية، خرج وزير داخلية نظام الأسد، اللواء محد الرحمون، ليعلن أن "هناك طوقاً أمنياً حول العاصمة دمشق لا يمكن لأحد أن يكسره".

وتحولت مواقع وصفحات وكالة الأنباء الرسمية السورية، سانا، إلى مرجع لمتابعة تصريحات مسؤولي نظام الأسد والقرارات التي تعلنها حكومته، بالإضافة إلى البيانات العسكرية، التي كانت تعلن تكبيد المعارضة المسلحة خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

غير أن تلك البيانات بدأت تتضمن لهجة مغايرة عقب سقوط مدينة حلب، وأصبحت وسائل إعلام النظام تتحدث عن "إعادة تموضع القوات"، و"تعزيز خطوط الانتشار"، في الريف المحاذي للمدينة.

ومرة أخرى كانت وكالة الأنباء الرسمية تلعب دور رأس الحربة في مواجهة ما كانت الرواية الرسمية تطلق عليه تسمية "الحرب الإعلامية والإرهابية الممنهجة" التي تندرج ضمن "المؤامرة الكونية لإسقاط النظام في دمشق".

لكن الدعاية الرسمية تعرضت لانتكاسة غير مسبوقة، عقب سقوط مدينة حماة هي الأخرى، نظراً للرمزية التاريخية التي تحملها، إذ قام الرئيس السابق، حافظ الأسد، بتحويلها إلى رمز لسطوته وسيطرته على الحكم في سوريا، عقب عمليات القمع العنيفة وغير المسبوقة التي نفذها خلال الثمانينيات، وأسفرت عن مقتل المئات من المدنيين.

منشورات وكالة سانا عكست المفارقات السياسية عقب سقوط الأسد. (Social Media / X)

ومع تواصل الهجوم الخاطف للفصائل المسلحة المعارضة لنظام الأسد، وتقدمها السريع نحو دمشق، أعطت وسائل الإعلام الرسمية انطباعاً، بأن دفاعاً مستميتاً عن العاصمة، سينفذه جيش النظام وباقي الجماعات المسلحة المتحالفة معه، خلافاً لما حدث في كل من حلب وحماة وغيرها من المدن التي دخلتها فصائل المعارضة المسلحة.

لكن مرة أخرى، كانت بيانات النظام التي يبثها عبر مختلف وسائل الإعلام التي يسطير عليها، خارج سياق الواقع والتاريخ، وسرعان ما شوهد المئات من عناصر الأمن والجيش وهم يتركون مواقعهم ومعسكراتهم ومقراتهم في مدينة حمص، ويفرون من المعركة على دراجات نارية وسيارات مدنية.

ومع دخول طلائع الفصائل المسلحة إلى دمشق، اتجهت الأنظار إلى التلفزيون الرسمي، خصوصاً مع سريان أنباء عن قرب إعلان بيان رسمي من الثوار، أو ما اصطلح على تسميته في الأدبيات العربية، "البيان رقم واحد".

وما لبث التلفزيون الرسمي أن قطع بثه الذي كان يتضمن برنامجاً حوارياً معتاداً، لبث بيان يعلن سقوط نظام الأسد.

البيان الذي تم بثه مصحوباً بموسيقى ثورية ووطنية، أعلن "انتصار الثورة السورية الكبرى وسقوط نظام الأسد المجرم".

ثم تتالت البيانت الصادرة عن السلطات الجديدة في دمشق، والتي حاولت بث رسالة طمأنة للسكان، من جميع الطوائف والاقليات، ودعوة لحماية الممتلكات العامة والخاصة، في ضوء غياب كل أجهزة الأمن وحفظ النظام، التي تفككت بطريقة سريعة لافتة للانتباه.

غير أن الوكالة الرسمية للأنباء، لم تتبع التلفزيون الرسمي، وساد هدوء مطبق على عملها، إذ توقفت عن نشر أي بيانات أو إعلانات حتى صباح الحادي عشر من ديسمبر.

ومن المفارقات التي حدثت على الصفحات الرسمية لوكالة الأنباء السورية، سانا، أن أول منشور لها عقب سقوط نظام الأسد، كان بياناً صادراً عن "إدارة العمليات العسكرية"، التي كان المنشور السابق يصفها بالجماعة الإرهابية.

وتضمن المنشور الجديد، تصريحاً لضابط يقدم نفسه على أنه المقدم في إدارة العمليات العسكرية لعملية "ردع العدوان"، حسن عبد الغني، وأعلن فيه "تحرير ريف دير الزور من قوات النظام والميليشيات الإيرانية".

وبرز عبد الغني خلال الأيام الأخيرة من المعارك ضد قوات الأسد، إذ لعب دوراً كبيراً في الإعلان عن البيانات العسكرية للفصائل المسلحة التي تحارب جيش النظام.

أخبار التحرير من قوات النظام، التي نشرتها سانا، ترافقت مع وضع علم الثورة السورية على صفحات الوكالة الرسمية، لكن مع الإبقاء، حتى اللحظة، على التسمية الرسمية وشعار الجمهورية الذي يتضمن النسر والعلم القديم، الذي اعتمده حافظ الأسد خلال الثمانينيات من القرن الماضي.

وليس من المعروف إلى حد الآن مدى عمق التغييرات التي حدثت في وكالة سانا، وكيفية تنفيذها بعد طي صفحة نظام الأسد. لكن مثما هو الحال بخصوص المشهد السوري، فإن الأيام والأسابيع القليلة القادمة ستعطينا فكرة عن صورة سوريا الجديدة، التي بدأت بالتشكل.

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".