العديد من السوريين فروا إلى لبنان- رويترز
العديد من السوريين فروا إلى لبنان- رويترز

عند معبر المصنع، على الحدود بين سوريا ولبنان، وقف المئات انتظارا لفرصة الفرار من سوريا، بعد سقوط النظام ودخول البلاد إلى المجهول. 

من بين من هؤلاء العديد من أفراد الأقليات الدينية والعرقية، الذين يخشون من الانفلات الأمني بعد سيطرة الإسلاميين على مقاليد السلطة في سوريا.

وبات أبناء الأقليات السورية مثل العلويين والأرمن والأكراد والمسلمين الشيعة والإسماعيليين والدروز والأكراد والمسيحيين في حالة خوف من العيش في ظل حكم إسلامي لم تتحدد معالمه بعد، والبعض، مثل الطائفة العلوية، التي ينتمي إليها بشار الأسد، يخشون الانتقام.

واللافت أنه عند معبر المصنع، الوحيد العامل بين سوريا ولبنان، كان مئات الأشخاص يتدفقون في كلا الاتجاهين، وبينما يفر المئات من سوريا، هناك آخرون يعودون إليها من لبنان، في مشهد يعبر عن مدى الارتباك والفوضى في البلاد.

ورصدت "سي أن أن" حالة من الزحام المروري من السيارات والشاحنات المحملة بالناس وأمتعهم عند المعبر، بينما عرض سائقو سيارات الأجرة على المشاة توصيلهم وكان بعضهم يطلب مبالغ باهظة لنقلهم إلى بيروت أو دمشق.

وكان مسؤول أمني لبناني كبير قال لرويترز إن عشرات الآلاف من الشيعة فروا من سوريا إلى لبنان، الأسبوع الماضي، مخافة اضطهادهم من الحكام الجدد لسوريا.

ويبلغ عدد سكان لبنان، وفق السلطات، 5 ملايين و8 ألف نسمة، وتستضيف البلاد نحو مليوني سوري، أكثر من 800 ألف منهم مسجلين لدى الأمم المتحدة، والرقم هو الأكبر عالميا نسبة لعدد السكان.

وقبل سقوط الأسد، كان أبناء الأقليات الدينية التاريخية، يمارسون عباداتهم بحرية نسبية، وهو ما دفع بعضهم إلى معارضة الثورة في عام 2011.

وتشير تقديرات أميركية رسمية إلى أن 74 في المئة من سكان سوريا مسلمون سنة، بما في ذلك العرب والأكراد والشركس والشيشان والتركمان. وتشكل الجماعات المسلمة الأخرى، بما في ذلك العلويون والإسماعيليون والشيعة، 13في المئة من السكان، في حين يشكل الدروز 3 في المئة.

وتقدر الحكومة الأميركية أن 10 في المئة من السكان مسيحيون. ومع ذلك، هناك تقارير تشير إلى أن النسبة هي حوالي 2.5 في المئة. ومن بين 2.2 مليون مسيحي عاشوا في البلاد قبل الحرب، تقدر منظمة "أبواب مفتوحة في الولايات المتحدة"، نقلاً عن قاعدة بيانات المسيحيين العالمية، أن ما يقرب من 579 ألفا فقط ما زالوا موجودين، أي 2.8 في المئة من السكان.

وقبل الحرب الأهلية، كانت هناك مجموعات يهودية صغيرة في حلب ودمشق، ولكن في عام 2020، ذكرت صحيفة "كرونيكل اليهودية" أنه لا يوجد يهود هناك.

وقبل الحرب، كان عدد السكان الإيزيديين في البلاد حوالي 80 ألفا. وفي حين لا توجد أرقام رسمية محدثة عن عدد الإيزيديين في البلاد، فإن اتحاد الإيزيديين في عفرين يقدر أن حوالي 2000 إيزيدي ما زالوا في عفرين، مقارنة بحوالي 50-60 ألفا قبل عام 2011.

وتأتي موجة النزوح الحالية إلى الخارج على الرغم من مساعي "هيئة تحرير الشام"، الجماعة التي قادت المعارضة لإطاحة الأسد، إلى طمأنة الأقليات في سوريا. ووعدت الجماعة بأن جميع مواطني سوريا، بما في ذلك الأقليات، سيعيشون في أمان.

وعرض أحمد الشرع، رئيس الجماعة رؤية مختلفة لبلد مزقته الحرب، وقال في مقابلة مع "سي أن أن": "الناس الذين يخشون الحكم الإسلامي إما أنهم رأوا تطبيقاً غير صحيح له أو لا يفهمونه بشكل صحيح"، وحاول طمأنة الأقليتين العلوية والمسيحية قائلا: "لقد تعايشت هذه الطوائف في هذه المنطقة لمئات السنين، ولا يحق لأحد القضاء عليها".

ولكن بالنسبة للأقليات التي قضت سنوات في خوف من بدائل الأسد، فإن هذه الفترة من عدم اليقين والفوضى لم تترك خيارا سوى الفرار.

من بين هؤلاء أفراد الطائفة العلوية، التي تنحدر منها عائلة الأسد، ويعيشون في المحافظات الساحلية السورية، وشغل أفرادها العديد من المناصب العليا في النظام السوري، منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1970.

إحدى الصور المتداولة لبشار الأسد - مواقع التواصل
ديكتاتور بلباس داخلي.. حين يسقط الطغاة تفضحهم "صورهم"
وعبر مقطعي فيديو شارك الرجل الذي لا نعرف اسمه، بعضاً من الصور، وهو يقلب الألبوم داخل سياراته قائلاً "شلون كان حاكمنا هاض؟"، قبل أن يغادر "قصر الشعب" ويُطلق العنان لكل صورة على حدة، فتنتشر جميعها في الفضاء الافتراضي مخلفة سيلاً لا ينتهي من التعليقات الساخرة على هيئة ميمز ومنشورات ومقاطع فيديو.

لكن صحيفة التايمز البريطانية تقول إنه رغم هذا الوضع المتميز، فإنهم من بين أفقر المجتمعات في سوريا. وقال طبيب أسنان علوي للصحيفة إن الأمر أشبه بـ"جيش من العبيد"، حيث "يعيش كثيرون منهم على اعتقاد أنه "إذا تركناه (الأسد) فسوف نموت".

وبالنسبة للمسيحيين، أحد أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، عاش العديد من أبناء الطوائف القديمة، السريان الأرثوذكس، والسريان الكاثوليك، والأرثوذكس اليونانيين، والكاثوليك اليونانيين، والأرمن الأرثوذكس. في أمان نسبي مع المسلمين خلال حكم عائلة الأسد.

لكن هذه الأقلية تعرضت لاختبار صعب بسبب الحرب الأهلية، في عام 2011. ومع اكتساب الصراع طابعا طائفيا، انحاز المسيحيون إلى حد كبير إلى النظام، أو على الأقل رفضوا معارضته بقوة.

المسيحيون في سوريا يخشون من المجهول- رويترز

وقال رئيس منظمة "إنترناشونال كريستيان كونسيرن" الحقوقية المسيحية، جيف كين، لصحيفة كريستيان بوست: "ستكون الأيام والأسابيع المقبلة حاسمة بالنسبة لمصير المجتمع المسيحي. فالمسيحيون، الذين تمتد جذورهم إلى ما يقرب من ألفي عام، يواجهون الآن مستقبلا غير مؤكد وخطير".

وتشير "وكالة الأنباء الكاثوليكية" إلى أن نقص الخبز والماء الصالح للشرب في العديد من المناطق المسيحية، لايزال قائما حتى الآن، بينما أدى حظر التجول الذي فرضته "هيئة تحرير الشام" إلى مفاقمة المعاناة.

وفي اختبار مبكر لتأكيدات حكام البلاد الجدد على حماية حقوق الأقليات، حضر المسيحيون في سوريا قداديس، الأحد، للمرة الأولى منذ إطاحة الأسد، الأسبوع الماضي، وفق رويترز.

وامتلأت شوارع حي باب توما الذي يشكل المسيحيون معظم سكانه في دمشق بالمصلين العائدين من الكنيسة.

لكن بعضهم، مثل السورية مها برسة، لايزال قلقا.

وفي تصريحات لرويترز، قالت برسة، وهي من سكان الحي، بعد حضور القداس في كاتدرائية (مار إلياس للروم الملكيين الكاثوليك) "نحنا عندنا مخاوف وعندنا قلق".

وذكرت مها أنها لم تغادر منزلها تقريبا منذ سيطرة "هيئة تحرير الشام" على البلاد، إلا أنها قالت إنها لم تشهد حدوث ما يهدئ مخاوفها، مضيفة "للغموض، رايحين للغموض".

وفي منطقة وادي النصارى في غرب سورية، دوى صوت أجراس الكنائس في الشوارع ونصب الناس أشجار عيد الميلاد هذا الأسبوع، وفق وول ستريت جورنال.

وقال عمار فاخوري، وهو عامل خيري في قرية المزينة في وادي النصاري: "إنهم يطلبون من المسيحيين الاستمرار في ممارسة جميع شؤونهم الدينية والاحتفال بعيد الميلاد بشكل كامل. ما زلنا خائفين من المستقبل المجهول ولم نصل إلى مرحلة الثقة الكاملة، لكن أقوالهم وأفعالهم واحترامهم للجميع يخفف من هذا الخوف قليلا".

ويتبع وادي النصارى محافظة حمص ويقع بالقرب من الحدود مع لبنان، وهو تجمّع لقرابة 40 قرية أغلب سكانها مسيحيون (أرثوذكس ونسبة قليلة كاثوليكية)، وفق تقرير لـ"إرفع صوتك".

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش أوصت حكام سوريا الجدد بنشر وحدات أمنية عند الضرورة لحماية الأقليات الدينية والإثنية التي يُنظر إليها على أنها مؤيدة للحكومة السابقة أو يُشتبه في أنها كذلك.

ودعت المنظمة أيضا إلى إشراك جميع قطاعات المجتمع السوري بشكل فاعل في تشكيل مستقبل البلاد، بما يشمل الأقليات والأطراف السياسية من خلفيات متنوعة.

الشرع وعبدي وقعا اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية بشمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية (رويترز)
قسد وقعت في مارس اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن

قال قيادي كردي بارز لرويترز إن أكراد سوريا سيطالبون بنظام اتحادي يسمح بالحكم الذاتي ووجود قوات أمن خاصة، مؤكدين بذلك على رؤيتهم اللامركزية التي يرفضها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع.

واكتسبت المطالبة بحكم اتحادي زخما مع انتشار القلق بين الأقليات السورية بشأن عمليات القتل الجماعي للعلويين الشهر الماضي. واتهمت الجماعات الكردية الشرع والإسلاميين الذين يشكلون السلطة الجديدة في البلاد باتباع مسار خاطئ لسوريا الجديدة وباحتكار السلطة.

وقالت مصادر كردية إن الجماعات الكردية السورية المتنافسة، ومنها الفصيل المهيمن في شمال شرق البلاد الذي يديره الأكراد، اتفقت الشهر الماضي على رؤية سياسية مشتركة بما في ذلك النظام الاتحادي. لكنهم لم يكشفوا عنها رسميا بعد.

وسيطرت الجماعات التي يقودها الأكراد على ما يقرب من ربع الأراضي السورية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاما. ووقعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، الشهر الماضي اتفاقا مع دمشق بشأن دمج الهيئات الحاكمة وقوات الأمن التي يقودها الأكراد في الحكومة المركزية.

ورغم التزامهم بهذا الاتفاق، اعترض مسؤولون أكراد على الطريقة التي يشكل بها حكام سوريا الجدد الذين ينتمون للتيار الإسلامي عملية الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد، قائلين إنهم لا يحترمون التنوع السوري رغم وعودهم بعدم إقصاء أي طرف أو مكون من مكونات المجتمع السوري.

وقال بدران جياكرد وهو قيادي بارز في الإدارة الذاتية الكردية لرويترز "اتفقت جميع القوى السياسية الكردية في سوريا فيما بينها على رؤية سياسية مشتركة حول شكل الحكم السياسي وهوية الدولة السورية وماهية حقوق الكرد وكيفية تضمينه دستوريا، حيث أنهم أكدوا على ضرورة تحقيق نظام اتحادي برلماني تعددي ديمقراطي".

وتمثل تصريحاته المكتوبة ردا على أسئلة من رويترز المرة الأولى التي يؤكد فيها مسؤول من الإدارة التي يقودها الأكراد على هدف النظام الاتحادي منذ توافق الأحزاب الكردية عليه الشهر الماضي.

وتجنبت الإدارة التي يقودها الأكراد استخدام كلمة "اتحادي" في وصف أهدافها قبل ذلك، ودعت بدلا من ذلك إلى اللامركزية. يقول أكراد سوريا إن هدفهم هو الحكم الذاتي داخل سوريا وليس الاستقلال.

وأعلن الشرع معارضته للنظام الاتحادي، وقال لصحيفة الإيكونوميست في يناير إنه لا يحظى بقبول شعبي ولا يصب في مصلحة سوريا.

ويتحدث الأكراد، وهم في الغالب من المسلمين السنة، لغة قريبة من الفارسية ويعيشون بشكل رئيسي في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

وفي العراق، لدى الأكراد برلمان وحكومة وقوات أمن الخاصة.

وقال جياكرد "الأمر الأساسي بالنسبة للمجتمع السوري وجغرافيته والواقع المعاش تؤكد ضرورة الحفاظ على خصوصية كل منطقة إداريا وسياسيا وثقافيا، وهذا ما يلزم وجود مجالس محلية تشريعية في إطار الإقليم وهيئات تنفيذية لإدارة شأن الإقليم وقوات أمنية داخلية تابعة لها".

وأضاف أنه ينبغي تحديد ذلك في الإطار الدستوري لسوريا.

وترى تركيا المجاورة، حليفة الشرع، أن الجماعة الكردية الرئيسية في سوريا، وهي حزب الاتحاد الديمقراطي والجماعات التابعة له تشكل تهديدا أمنيا بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي خاض حتى وقف إطلاق النار الذي أعلن مؤخرا تمردا دام عقودا من الزمن ضد الدولة التركية.

وإلى جانب حزب الاتحاد الديمقراطي، شارك في اجتماع الشهر الماضي المجلس الوطني الكردي، وهو جماعة كردية سورية تأسست بدعم من أحد الأحزاب الكردية الرئيسية في العراق هو الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة عائلة بارزاني والذي يتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا.

وقال سليمان أوسو رئيس المجلس الوطني الكردي في سوريا إنه يتوقع الإعلان عن وثيقة الرؤية السياسية الكردية المشتركة في مؤتمر بحلول نهاية أبريل.

وأضاف أن التطورات في سوريا منذ الإطاحة بالأسد في ديسمبر دفعت العديد من السوريين "للاقتناع بأن النظام الفيدرالي هو الحل الأمثل لمستقبل سوريا. وبالأخص بعد ما شهدته مناطق الساحل السوري من انتهاكات خطيرة بحق الطائفة العلوية" وعدم قبول الأقلية الدرزية في السويداء بسلطة الحكومة المركزية و"صدور الإعلان الدستوري الأحادي الجانب"، والذي يرى فيه الأكراد تعارضا مع التنوع في سوريا.

وقُتل المئات من العلويين في غرب سوريا في مارس خلال هجمات انتقامية اندلعت بعد أن قالت السلطات التي يقودها الإسلاميون إن قواتها الأمنية تعرضت لهجوم من مسلحين موالين للأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية.

وقال الشرع الذي كان ينتمي إلى تنظيم القاعدة قبل أن يقطع صلته به في 2016 إن المسؤولين عن الهجمات سيحاسبون، بما في ذلك حلفاؤه إذا لزم الأمر.

ومنح الإعلان الدستوري الشرع صلاحيات واسعة واعتبر الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع والعربية اللغة الرسمية لسوريا، وذلك دون الإشارة إلى اللغة الكردية.

وقال أوسو "نعتقد أن الحل الأمثل للحفاظ على وحدة سوريا هو النظام الفيدرالي لأن سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب".

وأضاف "بكل تأكيد عندما نذهب لدمشق سنطرح وجهة نظرنا ومطالبنا بكل شفافية على الحكومة المؤقتة".