مصفاة بانياس تعالج ما بين 90 ألفًا و100 ألف برميل من الخام يوميًا.
مصفاة بانياس تعالج ما بين 90 ألفًا و100 ألف برميل من الخام يوميًا. AFP

ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز"، الخميس، أن مصفاة بانياس النفطية السورية، التي تعد أكبر مصفاة في سوريا، أوقفت عملياتها بعد توقفها عن استقبال النفط الخام من إيران والذي كان يشكل الغالبية العظمى من واردات البلاد.

وقال مدير عام أكبر مصفاة نفط في سوريا، إبراهيم مسلم، لصحيفة "فاينانشال تايمز" إن المصفاة توقفت عن استقبال الخام من إيران الذي كان يشكل في السابق الغالبية العظمى من مدخلات البلاد، موضحا أن 90% من النفط الخام في البلاد كان يأتي من إيران قبل سقوط بشار الأسد.

وأضاف مسلم أن مصفاة بانياس، التي تكرر ما بين 90 ألفًا و100 ألف برميل من الخام يوميًا، أنتجت آخر دفعة من البنزين يوم الجمعة، بعد سقوط الرئيس السابق المدعوم من إيران بشار الأسد.

وتابع: "نحن نقوم فقط بأعمال الصيانة التي تستغرق وقتًا قصيرًا حتى نكون مستعدين عندما يتوفر النفط الخام".

وقال مسلم إن أعضاء القيادة السورية الجديدة، التي تضم شخصيات من حكومة الإنقاذ التي حكمت جيبًا للمعارضة في شمال غرب سوريا لسنوات، أخبروه أنهم يتوقعون رفع العقوبات عن البلاد، ما يسمح لسوريا باستيراد النفط من مصادر غير إيرانية وتمكين المصفاة أيضًا من شراء قطع غيار لمعداتها. وقال: "قالوا، إن شاء الله، سيتم رفع العقوبات وستتمكنون من شراء قطع الغيار".

وأضاف أن "هناك كمية مناسبة [من الوقود] في المخزن" و"الوضع مستقر".

وقال مسلم إن مصفاة بانياس كانت تضيف إلى مخزونها من المنتجات النفطية منذ عام 2020، تحسبًا لمشروع صيانة يتطلب توقفًا لمدة شهرين في العمليات. 

ووصف المشاكل طويلة الأمد في المصفاة التي تحتاج إلى معالجة، مثل المدخنة المتداعية والأضرار الناجمة عن زلزال في عام 2022. وتسرع المصفاة في مشاريع الصيانة الأصغر حجمًا بينما تنتظر شحنة خام جديدة. وقال: "لكن الآلات لا يمكن أن تتوقف لفترة طويلة، مما قد يتسبب في التآكل".

وتم تشكيل الحكومة المؤقتة الجديدة من قبل هيئة تحرير الشام، وهي جماعة صنفتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وغيرها كمنظمة إرهابية. ورغم هذا التصنيف، بدأت الحكومات الغربية بالفعل في التعامل مع قادة الجماعة. وبشكل منفصل، تخضع الدولة السورية أيضًا لعقوبات غربية واسعة النطاق.

ويشكل نقص النفط تحديًا كبيرًا يواجه الحكومة السورية المؤقتة في محاولتها الحفاظ على عمل الخدمات الأساسية والبدء في إحياء الاقتصاد المدمر بسبب الحرب.

وقال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، السبت، إن نقص الوقود هو أحد "الاحتياجات الفورية التي أعتقد أنه يجب معالجتها ... حتى يمكن تشغيل الأضواء، حتى يمكن فتح المتاجر، حتى يتمكن الناس من التنقل".

وتعاني سوريا ككل من نقص حاد في الكهرباء، نتيجة بشكل رئيسي لعدم وجود الوقود لتشغيل محطات الطاقة. وكان الاستثناء هو إدلب، معقل هيئة تحرير الشام، التي تتلقى الطاقة من تركيا.

ولطالما كان نفوذ الفصائل المناهضة للأسد في سوريا يقاس بمقدار أموال النفط التي توزّع على هذه الفصائل، بحسب وكالة "فرانس برس".

وظل الأمر على هذا الحال منذ 2011 إلى أن وجدت دول الخليج، وفي مقدّمها الإمارات، نفسها مضطرة لإعادة وصل ما انقطع مع الأسد، حليف إيران.

واليوم تجد هذه الدول نفسها أمام واقع أسوأ، بحسب ما يقول آرون لوند، الخبير في مركز أبحاث "سنتشري إنترناشونال" لفرانس برس، مشيرا إلى أنّ "أولئك الذين كانوا مذعورين من جماعة الإخوان المسلمين، يشاهدون في دمشق اليوم جماعة إخوان مسلمين أقوى بألف مرة وأكثر تشدّدا وعدائية تجاههم".

ويشكّل سقوط النظام السوري، وهروب رئيسه بشار الأسد خارج البلاد ضربة مزدوجة بالنسبة لروسيا وإيران، ليس فقط على صعيد النفوذ السياسي والعسكري، بل أيضا على مستوى صنابير الاقتصاد التي فتحت له على الملأ منذ بداية تدخل هاتين الدولتين في سوريا، من أجل تثبيته على كرسي الحكم.

كما تذهب آثار الضربة التي تلقتها كل من إيران وروسيا باتجاه آخر أيضا تثار الكثير من التساؤلات حوله الآن، ويتعلق على نحو محدد بمصير الاتفاقيات التي تم إبرامها مع حكومة نظام الأسد المخلوع في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستظل على حالها أم ستكون في حلٍ كامل.

وكانت روسيا حصلت على استثمارات ضخمة في قطاع الفوسفات والنفط، كما استحوذت على معمل البتروكيماويات في مدينة حمص وسط البلاد، وكان لها استثمار بارز لمرفأ طرطوس، بشقين مدني وعسكري، فضلا عن الاستثمارات الخاصة بالنفط، وأبرزها في البلوكين البحريين (عقد عمريت، البلوك رقم 1).

في المقابل وقعت إيران سلسلة اتفاقيات طويلة الأمد ومذكرات تفاهم مع حكومة نظام الأسد سابقا، واستهدفت بها إلى جانب قطاع الفوسفات مرافق أخرى مثل الكهرباء والأسواق والقطاع المالي. ولم تصل في غالبيتها إلى نقطة التنفيذ الفعلي.

وعلاوة على ذلك، لعبت طهران دورا في دعم حكومة الأسد على صعيد الخطوط الائتمانية والتي تصدرتها شحنات النفط، ووفقا لوسائل إعلام إيرانية فقد قدمت نحو 60 ألف برميل من النفط يوميا إلى سوريا بسعر يقدر بنحو 50 دولارا أميركيا للبرميل أو مليار دولار أميركي سنويا، أو ربما حوالي 14 مليار دولار أميركي، وذلك خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2024.

ولا تعرف حتى الآن السياسة التي ستعتمدها القيادة الجديدة في سوريا بشأن العلاقة مع روسيا وإيران، وكذلك الأمر بالنسبة لطبيعة عمل الحكومة في سوريا التي سيتم تشكيلها بعد مارس المقبل، وما إذا كانت ستحظى بشرعية إقليمية ودولية أم لا.

جرمانا سوريا

"ليس لك عندنا إلا السيف البتار،" يخاطب مسلح سوري ملثم، وفي يده سيف طويل، صاحب تسجيل صوتي منسوب لرجل درزي.

المسلح الذي بدا "داعشيا" بامتياز في مظهره وخطابه، وصف صاحب التسجيل الذي يتعرض فيه للنبي محمد، بأنه "عدو الله".

لم يعرف إلى أي مجموعة مسلحة ينتمي الملثم  الذي ظهر محاطا بمجموعة مسلحين ملثمين. لكن وكالة رويترز نقلت عن مصادر سورية أن مجموعات مسلحة سنية غاضبة هاجمت بلدة جرمانا ذات الغالبية الدرزية قرب العاصمة السورية دمشق، والنتيجة مقتل أكثر من 12 شخصاً.

وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان إنها تعمل على "تحديد هوية مصدر الصوت" في التسجيل ودعت إلى الهدوء، وحثت المواطنين على "الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى أي تصرفات فردية أو جماعية من شأنها الإخلال بالأمن العام أو التعدي على الأرواح والممتلكات".

الحادثة المشحونة طائفياً أعادت إلى الأذهان المجازر التي ارتكبتها قوات سورية وجماعات موالية للرئيس السوري، أحمد الشرع، ضد مدنيين علويين في الساحل السوري في شهر مارس الماضي. وقتل فيها أكثر من 1600 شخص، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبحسب رويترز، "مثلت تلك الاشتباكات أحدث حلقة من العنف الطائفي الذي يتسبب في سقوط قتلى بسوريا، حيث تزايدت المخاوف بين الأقليات منذ أن أطاح مقاتلو المعارضة المسلحة بقيادة إسلاميين بالرئيس السابق بشار الأسد".

ويهدد ملف الأقليات وحدة سوريا، ويطرح مخاوف من التقسيم على أساس طائفي، اذ لا تبدو الأقليات الدينية مرتاحة للنظام الجديد في الشام. 

وعادت الأصوات الداعية للتقسيم لتعلو في الشمال السوري في مناطق الأكراد، على الرغم من توصل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إلى اتفاق مع الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع، يقضي بانضمام الميليشيا الكردية المسلحة إلى القوات النظامية السورية وتسليم المعابر والمراكز الرسمية في مناطقها لحكومة الشرع.

لكن يبدو أن هذا الاتفاق انهار بعد اجتماع عقدته الأحزاب الكردية في مدينة القامشلي نهار السبت الماضي. واعتبر مراقبون سوريون أن دفع وزارة الدفاع السورية قوات قسد إلى "سد تشرين" ربما تكون خطوة تصعيدية بعد بيان الرئاسة السورية عن إخلال قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق الذي وقع في شهر مارس الماضي، وأن إرسال قوات إلى السد مؤشر على بدء معركة تم تأجليها للسيطرة على السد، وهو ما يشير إلى أن الاتفاق الموقع تم إيقافه بعد بيان اجتماع الأحزاب الكردية السبت، والذي تبنت خلاله هذه الأحزاب وثيقة تدعو إلى نظام لا مركزي وحكم برلماني وضمان حقوق جميع مكونات الشعب. 

هذا الأمر اعتبرته الرئاسة السورية اخلالاً بالاتفاق الموقع مع "قسد"، وأصدرت بياناً أعربت فيه عن رفضها القاطع لأي محاولات "لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة بمسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون توافق وطني شامل".

وأضاف بيان الرئاسة السورية، إن تحركات وتصريحات قيادة قسد تتعارض تعارضا صريحا مع مضمون الاتفاق و"تهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها".

من جهتها، كانت الطائفة الدرزية التي تتواجد بغالبيتها في الجنوب السوري على الحدود مع هضبة الجولان، قد دخلت في نقاش الانضمام/ الانفصال عن نظام الشرع المركزي في دمشق. وقد عبّرت أطراف درزية عن رفضها الاندماج، فيما حافظت أطراف أخرى على الحوار مع الشرع، وبرزت أصوات تنادي بالانضمام إلى إسرائيل بعد ان عرضت الأخيرة تأمين الحماية للأقلية الدرزية. 

وكان العضو في الكونغرس الأميركي مارلين ستوتزمان، الذي التقى مؤخّراً الرئيس السوري في دمشق، قد نقل عن الشرع أنه سيكون "منفتحاً تماماً" على التطبيع مع "إسرائيل"، وأن ما يهمه هو أن يحكم سوريا موحدة، في إشارة إلى مشاريع التقسيم أو "الفدرلة" التي تنادي بها بعض الأقليات الخائفة من الاندماج وتسليم أسلحتها للنظام الجديد.

وقد تعزز هذا الخوف أكثر بعد أحداث الساحل الدموية. ويبدو أن أحداث جرمانا تدفع بالأقليات إلى مزيد من القلق والانطواء والمطالبة بالانفصال والأمن الذاتي وعدم الاطمئنان إلى حماية الدولة لها.

ما بدا مثيراً للقلق في حادثة جرمانا هو سقوط اثنين من عناصر جهاز الأمن العام السوري في الاشتباكات، فيما أكدت وزارة الداخلية السورية في بيان وقوع "اشتباكات متقطعة بين مجموعات لمسلحين، بعضهم من خارج المنطقة وبعضهم الآخر من داخلها. وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن وقوع قتلى وجرحى، من بينهم عناصر من قوى الأمن المنتشرة في المنطقة". 

وتخوف ناشطون سوريون من أن تكون قوات الأمن متورطة بالحادثة، وأن تكون المجموعة المسلحة التي ظهرت في مقاطع الفيديو "تضرب بسيف أحمد الشرع".

وقالت مصادر أمنية لوكالة رويترز إن الاشتباكات بدأت ليلا عندما تجمع مسلحون من بلدة المليحة القريبة ومناطق أخرى ذات أغلبية سنية في بلدة جرمانا ذات الأغلبية الدرزية الواقعة جنوب شرقي دمشق.

ونفت وزارة الداخلية أن يكون مسلحون قد هاجموا البلدة، وقالت على لسان المتحدث باسمها إن مجموعات من المدنيين الغاضبين من التسجيل الصوتي نظمت احتجاجا تعرض لإطلاق نار من قبل مجموعات درزية.

وسط كل هذا الصخب الطائفي، أطل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس المخلوع بشار الأسد، في منشور على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، معلناً عن تشكيل فصيل مسلح في منطقة الساحل السوري، لكنه قال، إن القوات التي حشدها "ليست غايتها الانتقام من أحد، وإنما حماية أهلنا في الإقليم الساحلي"، على حد تعبيره.

وقال مخلوف إنه عمل مع "القائد النمر" (الضابط البعثي سهيل الحسن المتهم بارتكاب مجازر) على حشد مقاتلين من النخبة، لحماية المناطق العلوية.

هكذا تجد حكومة الشرع نفسها محاصرة مجدداً بثلاث أقليات متمردة، الأكراد في الشمال الشرقي، العلويون في الساحل، والدروز في الجنوب، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل سوريا، وعما إذا كانت الأمور ذاهبة إلى مواجهات وتقسيم، أو أن للشرع خطة أخرى لإعادة الأقليات إلى "حضن الوطن".